وصيتي إلى أنور ياسين

 جهاد بزي
جريدة السفير (لبنان)
الأربعاء، 4 شباط «فبراير» 2004

يا أنور

ها أنت قد عدت أخيرا فاسمعني. 

يا أنور.. أنا متعب.. كتفاي تؤلمانني وعيناي ضعيفتان وجسدي منهك. 

ارتديت أحلى ما عندي وذهبت إلى المطار لألقاك. ارتديت الأحمر كي تراني كما عهدتني. صبغت شعري وحلقت ذقني وحاولت أن أعود إلى صورتي التي تركتني عندها. لكنني حين وقفت أمام المرآة عرفت أنني لم أعد أذكر كيف كنت حين غادرت إلى سجنك قبل 17 سنة.. فأغمضت عيني وجربت أن أتذكر.. ولم أقدر. 

يا أنور. 

ها قد عدتَ بطلا. تدافع الصحافيون عليك وكادوا يرمونك أرضا. ولم تبخل عليهم. رددت كلاما جميلا ذكّرني بالماضي الجميل. حكيت عن انتصارك وعن نضالك. حكيت بلهجة فلسطينية لطالما أحببتها. وأبكيتني يا أنور. أبكيتني. ورأيت نفسي فيك. رأيت شبابي وجمالي ورشاقة ساعدي. رأيت تشي غيفارا على كتفيك فكأنني رأيته للمرة الأولى. ورأيتك.. بهيا كقمر.. حراً كفكرة.. بليغا كشعر محمود درويش.. رأيتك ثائرا فبكيت. 

أنا منهك يا أنور. أنظر. جئن وجاؤوا، شابات وشبان بالراية الحمراء والمنجل والمطرقة. جاؤوا كرمى لعينيك قبل عيني. جاؤوا إليك لأنك في ذاك المساء كنت أحلى مني وأقوى مني. لكنني كنت معهم. كنت بينهم. لكن صوتي لم يسعفني لأنادي عليك وتأتي وتحضنني. خفت صوتي يا صديقي ويا رفيقي. ما عدت قادرا على الصراخ. أوجاعي كثيرة.. وبلغ بي العمر عتيا فما عادت روح الشباب تليق بعجوز مثلي. هدني الزمن. أولادي تغربوا. منهم من صار حجرا. منهم من قرر أن يغادر البيت وألا يعود. منهم من قال إنني لم أعد أصلح للنضال وذهب يبحث في الكتب عن أحلام جديدة.. منهم من يناضل صباحا ويثمل مساء. بعضهم ظل في البيت.. لكنه لا يغادر غرفته إلا لماما. أنت تعلم أن البيت مريض وكل من في البيت مريض. ومرضنا صار في مراحله المتقدمة. صرنا حين نخرج يستغربنا الناس. يقولون من هؤلاء وأين كانوا. ونحن، حين نخرج من البيت يبهرنا الضوء فنعود إلى عتمتنا بسرعة.. فنجلس ونحكي ونتذكر الماضي ونتنكر للحاضر ولا نأتي على ذكر المستقبل لأن الكلام في الغيب عيب كما تعلم. 

أنور، اسمع: كنت خائفا عليك. كنت خائفا أن تشعر بالغربة ما إن تخرج من الطائرة. أن تضع عينيك في الأرض وأن تخجل. لكنك فاجأتني. خرجت مليئا بالحياة. كنت خائفا أن أرى وجهي العجوز فيك ما إن أراك. لكنني رأيت نفسي قبل 17 سنة.. ففرحت. فرحت قليلا لكنني عدت فخفت عليك.. خفت عليك كثيرا. خفت عليك مني. 

يا رفيقي. أنا كنت بطلا.. لكن كل شيء تغير. أنا كنت فتيا.. لكن كل شيء تغير. أنا كنت ذكيا.. لكن كل شيء تغير. وأنا الآن أحدثك كي لا تذهب لتسأل عني. لا تسأل عني يا أنور. دعني وحدي في بيتي الصغير المعتم. لا تسأل لماذا صرت كهلا. لا تسأل عن الذي فعلته بنفسي في غيابك. لا تسأل ولا تلمني. ذنوبي الذاتية كثيرة وظروفي الموضوعية كانت أكبر مني.. وأنا الآن أذوي ببطء في العتمة. لا تكثر أوجاعي. أنا فخور بك ومدين لك بالاعتذار. لكنني لا أملك إلا أن أعتذر منك ومن رفاقك ثم أترككم لمصيركم. لم أعد قادرا إلا على الدعاء لكم بالتوفيق. وأسألكم أن تذكروني بالخير.. أن تذكروا تاريخي بالخير.. وألا تتبرأوا مني. 

يا أنور. 

أشكر حزب الله نيابة عني. حزب الله، هذا الرجل القوي.. سأعترف لك يا أنور يا ولدي، حين خرجت من الطائرة بساعديك المرفوعين بالنصر لم أعرفك. كنت مليئا بالفخر. كنت مليئا بالانتصار ومليئا بالعزة. كنت جبارا. كنت واثقا. كنت تشبه حزب الله وظننت لوهلة أنك واحد من أبنائه.. وحزنت عندما تذكرتك وتذكرت أنني لن أقدر على منحك ما يقدر حزب الله على منحه لأولاده. يا أنور حزب الله ما زال شابا أما أنا فأذوي ببطء. اعذرني يا أنور. يا أنور أنا أموت. أموت. وكل ما أريده هو أن أموت بسلام. 

تحية أممية وللمرة الأخيرة. 

والدك الحزب الشيوعي اللبناني.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic