حين أطلّت علينا العمائم العائدة الى أوطانها والابتهالات والصلوات الآيبة الى معابدها ومحاريبها، وحين أطلّت الجثامين الصارخة في وجه الريح صارخة من فم زمن الزمهرير زارعة طريق العودة ريحانا وأملا بالنصر وبغد مشرق عزيز. الفرسان الأسرى والأسرى الشهداء العائدون أئمة الصلاة فينا رافعو أذان الفجر الآتي، إكسير الأرض في أجسادهم الطاهرة وسرّ نواة أزهار وورود ستتفتح، ورحم حبات قمح ستملأ مروجنا سنابل، عادوا من الأرض، من أظهر الأهداف، عادوا من كل البدايات وكل النهايات، عادوا من كل العناوين التي هي محطات للقوافل وللارتحال.
الصَّحب قد رجعوا، عاد الأسرى وحان زمان لقائهم. الناس قد جُمعوا وقيامة استثنائية قد صُنعت وشمس قزحية قد سهرت، أمهات تحاكي روح بدر الغائبين تستقبله بافتخار وبرش ورود الشوق في كل حدب وصوب، وبإضاءة الشموع في كل نواحي الطرق والدروب.
أجساد الشوارع تشتاق فرسانها، الدم المراق يزغرد في كل مكان، فرساننا العائدون وجثامين شهدائنا أعادوا الينا كل التواريخ، لم يبق في الساح غيرهم، قبلتهم في دمشق، صباحهم عملاقا يجري طاويا في حقائبه كل الهزائم الموروثة يحرقها بيد ويوقع باليد الأخرى وثيقة الرد ووثيقة النصر ووثيقة الأمل والعنفوان.
هم حقا أبناء هذه الأمة وهم حقا مختلفون، وهم أيضا من منابت أخرى لا ينتمون الى دنيا الهرولة والانبطاح والاستسلام، هم أبناء التخيلات وفلذات الرؤى، انهم الرائدون والنبلاء في هذه الحياة، حقا انهم يولدون ويعيشون مختلفين، لغتهم العطاء وأجسادهم العطاء وشعارهم الغناء في سبيل الوطن وفي سبيل الأمة.
لقد أثبتوا ان المقاومة ممكنة في كل حين وقادرة أيضا على ارباك العدو وإجباره على التراجع. لقد أكدوا ان بلوغ النصر ليس في مستوى الاستحالة وانهم طليعة المواجهة في هذا الزمن وفي ظل التراجع وأمام الانسحاق العربي المريع، كما أثبتوا انهم قادرون على اختراق هذا الأفق العربي الذي تسدّه الهزيمة وتغلب عليه روح الاستسلام والخنوع.
لقد عبروا النهر في صمت وحبَّات الرصاص الصفر قلائد في أعناقهم، أرواحهم عناقيد عنب يطعمون من عسلها بطون رشاشاتهم مثلما تطعم خيوط العود مدات الطرب، يعبرون غابات المحتل في صراخ صمتهم كما يعبر حد السيف تاريخ العرب، يقتحمون الغاب ويرجعون إمّا رايات نصر صفرا وإما حكايا مجد ملفوفة برفات. وفي كلتا الحالين النصر لنا والحق لنا وهو باق والطغاة والاحتلال الى زوال.