"كيف يمكن ذلك؟ كيف يمكن فرنسا المعتبرة وطن حقوق الانسان والديموقراطية الحديثة ان تمارس هذا التمييز الكبير"؟(1). تلك هي بحسب يومية "غازيتا فيبوركز" Gazeta Wyborcza الصادرة في فرصوفيا، ردة فعل البولونيين على مسألة الحجاب. يمكن بالطبع الرد على هذا الموقف بالاشارة الى وزن الكنيسة الكاثوليكية في بولونيا. يبقى ان مجمل الجيران الاوروبيين تقريبا متفاجئون بحماوة النقاش الفرنسي حول الموضوع، وبالنسبة للعديد منهم يبدو اللجؤ الى القانون لمنع ارتداء الحجاب امرا غير لائق.
لا غرابة هنا، في الواقع. فـ"العلمانية الفرنسية" لم تجد من يتشبه بها. ففي اوروبا هناك العديد من الدول التي لم تتحرر تماما من هيمنة الدين من دون ذكر الملوك الحاكمين، اضافة الى ان مسألة الهجرة الاسلامية ليست مطروحة فيها بالطريقة نفسها، سواء بقي الحضور الاسلامي فيها هامشيا او ان التجنيس من خلال الحق في الارض يبقى غير وارد، فيتغلب الانتماء الديني على الاندماج.
في قضية الحجاب وحدها تلجأ بعض المقاطعات الالمانية الى القانون وخصوصا ان الجالية الاسلامية هناك تعد 3،2 مليون شخص (أي 3،8 في المئة من السكان غالبيتهم من الاتراك او الاكراد)(2). وقد قررت المحكمة الدستورية في كرلسروه في 24 ايلول/سبتمبر 2003، بناء على شكوى تقدمت بها مدرّسة من أصل افغاني، ان سلطات مقاطعة باد ـ فورتمبرغ كانت على خطأ عندما منعتها من ارتداء الحجاب، اذ كان المطلوب في نظر القضاة ان يعمد مجلس المقاطعة الى تشريع يضع "نظاما مقبولا من الجميع". بعد مرور اربعة أشهر ما زالت عشر مقاطعات ترفض الانصياع. ثلاثة منها (ساكس، هيس وبرلين) تريد منع الحجاب في الوظيفة العامة وثلاث اخرى (باد فورتمبرغ، بافاريا وساكس السفلى) في المدارس فقط من دون التعرض للرموز المسيحية واليهودية.
بالطبع أثارت تدابير من هذا النوع سجالا عنيفا. ففي رسالة مكتوبة موجهة الى الاتحاد الديموقراطي المسيحي، رفضت السيدة انجيلا مركل منع الاشارات الدينية في الامكنة العامة معتبرة ان التقاليد المستوحاة من المسيحية هي جزء من "ثقافتنا". ويزيد السيد توماس دي مازيير، وزير العدل في مقاطعة ساكس، قائلا: "ان ذلك قد يؤدي الى فصل مبالغ فيه بين الدولة والكنيسة". واذ يذكر "ان على الدولة من حيث المبدأ المحافظة على الحياد ازاء الاديان"، يوضح رئيس مجلس البوندستاغ (من الاشتراكيين الديموقراطيين)، السيد وولفغانغ تيرس "ان الصليب ليس رمزا للقمع بينما الحجاب هو كذلك بالنسبة للمسلمات". لكن كان لرئيس الجمهورية، السيد يوهانس راو، رأي آخر بأن يشمل المنع الشعارات المسيحية. كان هذا كافيا لادخال الكنائس حلبة السجال. فجاء الجواب من الكاردينال كارل ليهمان، رئيس مجلس الاساقفة، بان لا مجال لوضع الصليب والحجاب على المستوى نفسه. واعلن الكاردينال راتزينغر، رئيس مجمع الايمان في الفاتيكان والمستشار المقرب من يوحنا بولس الثاني، موقفا رسميا خلال قداس العام الجديد: "لن أمنع المسلمة من ارتداء الحجاب لكني من باب اولى لن ادع احدا يمنع الصليب كرمز عام للمصالحة"(3).
تدل هذه التناقضات على واقع الالتباس في وضعية الدين في المانيا. فدستور 1949 تبنى احدى مواد دستور جمهورية فيمار (1919) التي لا تفصل بوضوح بين الدولة والكنيسة بل تكتفي بالتأكيد "ان لا كنيسة للدولة" وتضمن "معاملة بالمثل للاديان كافة". إضافة الى ذلك فان مقدمة الدستور الحالي تشير الى ان هذا الدستور قد تمت صياغته "مع ادراك مسؤولية الشعب الالماني امام الله والانسان". وبالفعل فان الراهبات في المدارس العامة يرتدين لباسهن خلال التدريس كما يسمح برفع الصلبان في الصفوف ويطلب ادراج حصص التعليم الديني الاختياري ضمن البرنامج المدرسي. كما ان الدولة تتقاضى رسما من الـ 55 مليون مسيحي تعيد دفعه الى الكنائس.
وكان السيد غيرهارد شرودر اول مستشار الماني لم يشر الى الله خلال ادائه القسم، لكنه صرح قبل عيد الميلاد الماضي ان "المانيا ليست علمانية بل دنيوية" وهي مفعمة بـ"الديانة اليهودية ـ المسيحية". وأعلن: "لا مكان للحجاب عند موظفي الدولة بمن فيهم السلك التعليمي. لكني لا استطيع منع فتاة ترتاد المدرسة من وضع الحجاب".
وتتخذ النساء السبعون المنتمين الى المجموعة المكلفة من الحكومة الفيديرالية مهمة الاندماج الاجتماعي برئاسة السيدة ماريلويز باك، موقفا اكثر راديكالية: "اذا منعنا المحجبات من ممارسة مهنة التعليم من دون تفحص دوافعهن الفردية في ارتدائه فاننا نعاقب اولا بأول النساء اللواتي يسعين الى التحرر عن طريق العمل".
"ان للفرنسيين موقفاً نابعاً من ثقافة فرنسا وتاريخها يختلف عن موقفنا من العلمنة وابراز العلامات الدينية(...) ففي بريطانيا لا مشكلة لدينا في التعبير الديني من خلال الحجاب او الصليب او القلنسوة(...) ان الاندماج لا يعني الانصهار(...) فالهوية البريطانية تشتمل على قوميات عدة وتقاليد دينية عدة (...) التنوع جزء من قوتنا(...) ونحن فخورون ببلدنا المتعدد الثقافات(4)". يختصر هذا الاعلان من سكرتير الدولة للشؤون الخارجية، السيد مايك اوبراين، على افضل وجه الهوة التي تفصل بين الرؤية الانكليزية والاشكالية الفرنسية.
في المملكة المتحدة (مليونا مسلم غالبيتهم من اصول هندية وباكستانية ويمثلون 3،4 في المئة من السكان) يرجع القرار الداخلي في المدرسة الرسمية الى المديرين وغالبيتهم سمحوا بارتداء الحجاب والكيبا اليهودية وعمامة طائفة السيخ. في المستشفيات يسمح بالزي الاسلامي اذا تم تقديم طلب صريح بهذا المعنى. حتى الشرطة تتساهل بارتداء الحجاب والعمامة بين صفوفها... يعتبر جون هنلي في صحيفة "ذا غارديان" العلمنة "مفهوما مجردا لا بل عبثيا لمن اعتادوا مفهوم التعددية الثقافية البريطانية او الاميركية". اما جون ليكفيلد، من صحيفة "ذا اندبندنت" فيعتبر السجال الفرنسي حول الحجاب "باطنيا".
تقف بلجيكا (300 الف مسلم و2،9 في المئة من السكان) في موضوع الحجاب بين المانيا وبريطانيا(5). ففي غياب تشريع فيديرالي تبقى المدارس حرة في فرض القواعد الداخلية ومنع الحجاب اذا ارادت. النزاعات القليلة التي حصلت ـ خصوصا داخل الجماعة الفرنسية ـ تم حلها بالتراضي. لكن المسألة عادت الى الواجهة مع منع الحجاب في احدى مدارس بروكسيل والاحتجاجات التي اثارها هذا المنع داخل الجماعات الاسلامية.
منذ ذلك التاريخ تقدم عضوان ناطقان بالفرنسية في البرلمان (الاشتراكية آن ـ ماري ليزين والليبيرالي الان ديستكس) بمشروع قانون يمنع الزي الديني في المدارس والوظائف العامة. لكن الحكومة لا ترغب في اقرار القانون كما يبدو... خلال الفترة الانتخابية. فبالنسبة لرئيس الحزب الاشتراكي السيد ايليو دو روبو، "علينا انضاج البحث من دون افكار مسبقة"...
هولندا (300 الف مسلم و1،9 بالمئة من السكان) تريد ان تكون أكثر تساهلا حيث يمنع القانون فيها اي تمييز ديني والحجاب ظاهر في المدارس الرسمية. كذلك الامر في البلدان الاسكندينافية التي تسمح بالحجاب وباسم حرية المعتقد في التعليمين الرسمي والخاص. وفي السويد (350 الف المسلم اي 4 في المئة من السكان) تم فقط رفض طلب تلميذين من اصل صومالي بارتداء البرقع من اجل السماح للاساتذة بالتعرف على الطلاب. اما في الدانمارك (170 الف مسلم من اصل 5،3 ملايين نسمة) فعبثا اقترح حزب الشعب الدانماركي (يمين متطرف) في صيف 2003 قانونا لحظر الحجاب. من جهته، شدد تحالف المحافظين والليبيراليين لهجته ضد الحجاب من دون التوصل الى سن قانون. وقد صرح وزير الاندماج برتل هاردر: "قولوا ما تشاؤون عن الحجاب لكني ضد الحظر الوطني. انه معاكس لمبدأ حرية التعبير".
الوضع مشابه في اسبانيا (300 الف مسلم، 0،7 في المئة من السكان) حيث يتم ارتداء الحجاب في المدارس العامة والخاصة(6). وحدها مدريد شهدت نزاعا جديا منذ سنتين عندما اعترضت ادارة ثانوية خوان هيريرا الخاصة على ارتداء فتاة مغربية تبلغ من العمر 13 عاما الحجاب في الصف، وانتهى الامر بانتقال التلميذة الى مدرسة رسمية. واعتبرت وزيرة التعليم السيدة بيلار كاستيو في نهاية شهر كانون الاول/ديسمبر 2003 في تصريح لصحيفة "ال بايس" انه اذا كان اشهار الرموز الدينية في المدارس "غير مناسب" فلا يجب في المقابل حظرها. وتوضح الصحيفة ان تحفظ حكومة ازنار يعود الى انه قد تم سحب الصلبان من غالبية مراكز التعليم الرسمي وخصوصا لان لدى مجالس المدارس صلاحيات كافية لاتخاذ القرارات في هذا الخصوص...
في ايطاليا (800 الف مسلم، 1،4 في المئة من السكان) قضية الحجاب ليست مطروحة حيث ان الهجرة الحديثة العهد لم تصل بعد الى حد تجميع العائلات ولا تضم في صفوفها عددا كبيرا من النساء والفتيات. والمفارقة هي ان وجود صليب في احدى المدارس الابتدائية في اوفينا، وهي قرية صغيرة في جبال الابروز، قد اثارت الفضيحة. فالقاضي ماريو مونتانارو أمر في نهاية تشرين الاول/اكتوبر 2003، بنزع الصليب بناء على دعوى تقدم بها السيد عادل سميث مؤسس الحزب الاسلامي الايطالي اثر شكوى من احد الاهل. وقد برر القاضي حكمه بالقول: "يعبّر الصليب عن التبني الضمني لقيم لا تمثل ميراثا مشتركا لجميع المواطنين".
تسبب الحكم بموجة عارمة من الاستنكار وصلت الى رئيس الجمهورية، السيد كارلو ازيليو شيامبي، الذي شدد على "رموز القيم التي هي في اساس هويتنا". كما اعتبر البابا ان "الاعتراف بالميراث الديني المحدد لمجتمع ما يتطلب الاعتراف برموز هذا الميراث" مؤكدا ان حظرها "باسم تفسير خاطئ لمبدأ المساواة" يمكن ان يتحول الى "عامل اضطراب وبالتالي سببا للنزاع". لم ينزع الصليب من مدرسة اوفينا لا بل اضيف اليه صليب ضخم آخر، هدية من دير مجاور. تجدر الاشارة الى ان السجال ليس جديدا والبرهان انه بالرغم من ان الكاثوليكية لم تعد ديانة الدولة بعد الحرب العالمية الثانية فان قانونا يعود الى العام 1923 يُقرّ بوجود صلبان في المدارس...
اذا صوّت البرلمانيون الفرنسيون على القانون المطروح عليهم تكون سياسة فرنسا ازاء المظاهر الدينية قد اقتربت من سياسة تركيا، البلد المسلم الذي ينتهج مسلكا علمانيا متشددا. فالقانون يمنع ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات كما داخل المباني الرسمية. ويأتي تشدد السلطات تقليديا في هذا الموضوع من كون المطالبة بحرية ارتداء الحجاب تشكل غالبا دعما مؤيدا للاسلام السياسي.
تبنى السيد رجب طيب اردوغان، رئيس الوزراء التركي الذي وصل الى السلطة في تشرين الثاني/نوفمبر 2003، الميراث العلماني لكمال اتاتورك بالرغم من انتسابه الى حزب العدالة والتنمية الاسلامي الميول. وقد طرحت القضية امام محكمة العدل الاوروبية، الآنسة ليلى شاحين عام 1998 بدعوى منعها من اكمال دروسها مما دفع المحكمة الى اتهام أنقرة بالاعتداء على الحريات(7). فهل تدان تركيا بسبب قانون سوف تتبناه فرنسا في المستقبل القريب؟
* Dominique VIDAL
مصـادر
(1) La Croix, Paris, 9 janvier 2004
(2) تختلف الاحصاءات وفقا لتعريف من هو "المسلم".
(3) رويترز، 5/1/2004.
(4) اسوشيتد برس، 18/21/2003.
(5) وكالة الصحافة الفرنسية، 5/1/2004.
(6) وكالة الصحافة الفرنسية، 22/12/2003.
(7) وكالة الصحافة الفرنسية، 23/12/2003.