وقفة مع المفهوم الأميركي للحرية

السيد محمد حسين فضل الله

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 12 شباط «فبراير» 2004

     لعل المشكلة مع إدارة الرئيس الأميركي، بوش، أو مع الإدارات الأميركية التي سبقته لم تنطلق من المفردات او التعابير التي تطلقها هذه الإدارات لتوصيف الوضع في المنطقة او للتأكيد على حاجة المنطقة للحرية. ذلك ان المنظومة السياسية الأميركية تزخر بالكثير من هذه المفردات التي يقدمها المسؤولون الأميركيون كمثل عليا في خطابهم السياسي لتتحول الى سلم يصعد عليه هؤلاء لتحقيق مصالحهم على حساب مصالح الشعوب العربية والاسلامية وقضاياهم، حتى غدا مصطلح الحرية أحد المصطلحات التي يقدمها هؤلاء كدواء للمنطقة العربية والإسلامية، حيث يزعمون ان هذه المنطقة تتنكر لهذا المصطلح حتى على مستوى المفهوم وانها لا تعرف في تاريخها وتراثها إلا مصطلحات النفي والإبعاد للآخر أيا كان هذا الآخر. 

ونحن نعتقد ان لإدارة الرئيس بوش مفهوما مختلفا للحرية عندما تتحدث عن تعميمه على المنطقة انطلاقا من العراق، فهي مع اعطاء الحرية لأي نظام للالتحاق بركب سياستها وبخاصة في ما تخطط له على صعيد عراق المستقبل، وهي مع اطلاق سراح أي نظام في المنطقة ليأخذ حريته في العلاقات مع إسرائيل، وهي مع هذا الشعب او ذاك في ان يختار النظام الذي يريده على مستوى الدعاية والاعلان، ولكنها تتحرك لتعطيل خيار هذا الشعب عندما يقرر اختيار الاسلام بملء ارادته وبمحض اختياره، والا فكيف نفسر التصريحات الأميركية المتلاحقة عن رفض قيام نظام إسلامي في العراق، وآخر هذه التصريحات ما تحدث به الرئيس الأميركي نفسه عندما سئل عن موقفه إذا اختار العراقيون نظاما إسلاميا حيث قال: “لن يطوّروا ذلك”، وكأنه يضع للشعب العراقي الأسس التي لا بدّ ان يركّز عليها دعامته السياسية القادمة ليصبح مقبولا بالمنطق الأميركي. إن ما يؤمن به الأميركيون والبريطانيون على مستوى إدارتي بوش وبلير هو السيطرة على الشعوب باسم العمل لتحريرها ونقلها من مرحلة الخضوع لطاغية الداخل الى مرحلة الخضوع لطغيان الاحتلال القادم من الخارج. 

وعندما يقول الرئيس الأميركي ان سوريا وايران لم تطبقا ما تريده أميركا من مسألة الحرية، فهو يريد الايحاء بأنهما لم تسلكا الطريق التي رسمتها إدارته لكي تخرجا من دائرة الاتهام الأميركي بأنهما من “الدول المارقة”، لأن القاعدة الأميركية في الحكم على الأنظمة ان كانت تسلك طريق الحرية او تتبع المسار الديموقراطي هي قاعدة سهلة وبسيطة، فيكفي ان تتنازل عن ثوابتك الإسلامية او الوطنية او القومية لتلتحق بالمسار الذي تحدده أميركا حتى تحصل على شهادة بأنك تسير في الخط الصحيح، وانك بدأت تتحرك في خط التغيير المطلوب، وقد تحدث الرئيس الأميركي عن هذا الأمر بكل صراحة مادحا بعض الأنظمة العربية الخليجية في إطار تصوره لمسارها السياسي الذي يحاكي المشروع الأميركي في المنطقة او ينسجم معه بطريقة وأخرى في الوقت الذي لا يتحدث بايجابية عن الاستفتاءات الشعبية والانتخابية في ايران، وعن الحرية السياسية التي تفسح في المجال لصراع تيارين سياسيين بكل هذه الحيوية بقطع النظر عن بعض الظروف السلبية التي قد ترافق هذه التجربة كغيرها من التجارب في الشرق او في الغرب. 

اننا نعتقد بأن الصورة التي يحاول المسؤولون الأميركيون رسمها لمستقبل المنطقة على أساس الوعود بتطبيق مبادئ الحرية والديموقراطية هي صورة كاذبة، لأنهم يحرصون على بقاء الأنظمة البوليسية والديكتاتورية في المنطقة وعلى حمايتها وتوفير الدعم اللازم لها ما دامت تمثل حاجة لهم، وقد عملوا على اسقاط نظام صدام حسين الذي وفروا له كل الامكانات والدعم في حربه على ايران وفي تشجيعه على اجتياح الكويت، لأن مهمته انتهت ودوره استنفد... وعندما يتحدثون عن التغيير فإنما يقصدون به التغيير الذي يلائم المشروع الأميركي تماما كما عبّر عنه وزير الخارجية الأميركي عندما تحدث عن تغيير المنطقة على صورة المصالح الأميركية، لتكون شعارات التغيير ومفردات الحرية والديموقراطية بمثابة الوعيد والتهديد الذي يلوح به المسؤلون الأميركيون ضد الدول والحركات التي تحرك في خط الممانعة ورفض السياسة الأميركية في ضغوطها المتواصلة ضد العرب والمسلمين. 

ان ثمة كيانا واحدا في المنطقة يستحصل يوميا على الشهادة الأميركية بأنه يسلك طريق الحرية وهو الكيان الصهيوني الذي يأخذ حريته الكاملة في ان يعتدي بشكل يومي على الفلسطينيين وان يرتكب المجزرة تلو الأخرى وان يرسم الحدود والوقائع الميدانية بحسب ما تقتضيه مصلحته او ما يراه مناسبا، لأن من ورائه إدارة أميركية راضية وعالما مستكبرا داعما... والمطلوب هو حركة شعبية فاعلة تعمل على التصدي لهذا الإرهاب اليومي، كما تعمل على تغيير الواقع الفاسد في البلدان العربية والإسلامية في الوقت الذي تتحرك لسحب البساط من تحت اقدام الإدارة الأميركية من خلال فضح ادعاءاتها بالعمل لتعميم الحرية والديموقراطية، ومن خلال التأكيد على أصالة الحرية واحترام الآخر في المفاهيم الإسلامية والعربية، والسعي لتطبيقها ذاتيا ومن خلال امكانات شعوبنا وطاقاتها المبدعة القادرة على العطاء وصناعة التغيير من الداخل في أحلك الظروف وأصعبها.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic