قلعة الأسرى

أحمد بزون
جريدة السفير (لبنان)
الثلاثاء، 17 شباط «فبراير» 2004

     الآن، وبعد أن هدأ عرس تحرير الأسرى، وقبل شهور قليلة على العيد الرابع لتحرير الجنوب والبقاع الغربي، لا نريد أن نتوقف طويلاً أمام آيات المديح التي لا بد أن تقرأ على أرواح الشهداء، وعلى مسامع الأسرى المحررين، وأولئك الأبطال الذين لا يزالون يتربصون بالعدو في كل موقع من مواقعه، فالتوقف عند هذين الحدثين التاريخيين في حياة اللبنانيين والعرب، يجب ألا يكون مناسبة احتفال وابتهاج فقط، وإنما يجب أن يكون مناسبة للتمتع بجرأة مقاومة تحويل الحدث إلى مجرد تاج ملكي، نستريح بعده من أي همّ. 

من هنا يمكن أن يحضر السؤال عن معتقل الخيام، كمحطة أساسية تجمع بين المقاومة والاعتقال: لماذا لم يتحول المعتقل إلى قلعة تحرير حتى الآن؟ 

كلنا نعرف جيداً كيف تحول المعتقل إلى قبلة الاحتفال بالتحرير، وقبلة الذين توافدوا إلى الجنوب، من اللبنانيين والعرب والأجانب، ذلك أن هذا المزار هو المكان الذي كان يحتوي شواهد على ممارسات العدو وعملائه، وعلى وحشيتهم وهمجيتهم، كما كان يحتوي آثار الأسرى الأبطال وحكاياهم المتبقية في كل زنزانة وزاوية من زوايا السجن. 

ما هو مؤسف أنه لم يتبق من كل آثار المعتقل والمعتقلين سوى الجدران، التي هي في الأساس جدران ثكنة قديمة. ومن المؤسف أن يفرّط القيمون على المعتقل، بعد تحريره، بالإنجاز الكبير الذي تحقق ذات يوم من شهر أيار العام 2000، أن يفرّطوا بأهمية تحويله إلى مزار أو قلعة تحرير كما كان الجميع يتأملون. 

كنا حذرنا أكثر من مرة، وفي أكثر من مقالة، من تفريغ المعتقل من محتواه، كي لا ينقلب الانتصار الكبير، الذي تحقق، شكلاً من أشكال الهزيمة.، ونعود اليوم، وفي مناسبة تحرير الأسرى، لنبحث عن انتصارنا في تحويل المعتقل إلى سلاح دائم يقاوم العدو، وفي تحويله إلى شهادات دامغة على تزويره التاريخ. 

ليس من الضرورة أن تكون مناسبة تحرير الأسرى، التي تؤكد انتصاراً آخر من انتصارات المقاومة الإسلامية مناسبة فقط للإحتفاء المطلق، بل من الأجدى أن يتسع الاحتفاء لبعض المراجعة وإن كانت قاسية. 

لقد اقتُلِع، من قبل، "معتقل أنصار"، وتحوّل إلى أرض مفرزة للبيع، فأضعنا واحدة من الفرص المهمة، فماذا عسانا نفعل بمعتقل الخيام؟ الفرصة على شفير الضياع، ولا نصدق أن الدولة تنقذ مثل هذه الفرص. لذا لا بد من التنبيه للإسراع في استعادة كل ما أُخرج من المعتقل، من أدوات حية تعيد المعتقل إلى أولى لحظات تحريره، وتعيد له ذاكرته بكل تفاصيلها، موضّبة ومرممة ومحافظاً على استمرارها سنين طويلة، من دون أن تصاب بأي تلف، بل أكثر من ذلك، فإلى عتاد السجّانين وأشياء الأسرى وما أمكن من استعادة كاملة لمشهد المعتقل بكل تحصيناته وشدّته، يمكن أن تضاف قصص الأسرى وحكايا اعتقالهم وتمثيل ممارسات العنف ضدهم، مكتوبة ومصورة بأفلام وثائقية، تبقى، مع كل ما نشرته وسائل الإعلام، شاهداً وشهادة على الإرادة الصلبة. فالمقاومة ليست حدثاً مضى أو حدثاً للماضي، بل هي حدث يستمر مع الحفاظ على كل منجزات التحرير وبلورتها أكثر فأكثر.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic