تعلمنا تجارب الوساطة الديبلوماسية، وهي فرع من "العلم" الديبلوماسي، وتحديدا تجارب الوساطة الخارجية في اوضاع الحرب الاهلية، ان بداية "الحكمة" في حالة معقدة، ان يقوم "الوسيط" بتوصيف مُبسط لمهمته.
وليس من شخص يكاد يتلاشى الفارق في الانطباع الذي يعطيه كلامه، بين البساطة والدقة... مثل الاخضر الابرهيمي. كأن الدقيق هو بالضبط البسيط... وهذه احدى مواهب هذا الديبلوماسي العربي، او الثوري العربي القديم الذي اصبح ديبلوماسيا متجددا... ويكاد الآن او هو اصبح فعلا كذلك، يبلغ ذروة حياته الديبلوماسية كأحد، إن لم يكن "الوسيط" السياسي الاكثر شهرة في العالم اليوم.
ومع ان الاخضر الابرهيمي اتى من مدرسة "صناعة التاريخ" اي الانخراط في ثورة التحرير الوطني الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي التي يعتقد فيها كل "كادر" انه كان يشارك في هذه "الصناعة" مهما كان موقعه، فقد تقاذفت به السنون وبرع في مهنة، هي "الديبلوماسية"، وتألق في فرع من فروعها هو "الوساطة"، وتميز في اختصاص داخل هذا النوع هو "الحروب الاهلية عندما تتحول الى مادة دولية ساخنة"، اي البحث عن صيغ الحل بين المحلي جدا والدولي جدا... حتى اصبح "الوسيط" الذي يعرف تماما، وربما بمأسوية، ان "الوساطة" تنجح ولكنها لا تصنع التاريخ... الذي يصنعه هم اللاعبون... مهزومين ومنتصرين، وليس "الوسطاء".
الا ان مفارقة كبرى اليوم في "عودته" الديبلوماسية الى العراق، والملتبسة جدا كأنها تشبه مغادرته الديبلوماسية للعراق! هي انه يأتي، بعد افغانستان الى حيث الاحتلال... وليس من حقي ان اقول، مستفيدا من شكل الامور لا من جوهرها، انه يأتي بقوة الاحتلال! فالوضع اكثر تعقيدا، خصوصا في تلاوين موقع الامم المتحدة الذي يمثله والذي يحمل ايضا بعدا تنافريا مع السياسة الاميركية، بين ابعاد اخرى اميركية في هذه "الكبسولة" الخطيرة، الافتراضية (مثل الانترنت!) والحقيقية جدا، التي اسمها الأمم المتحدة. الكبسولة التي انتقلت من توازن القوتين الاميركية والسوفياتية على مدى اكثر من اربعين عاما الى لاتوازن... صراعي بين القوة الاميركية البريطانية وممانعات منفردة حينا ومشتركة احيانا فرنسية روسية المانية...
ليس الاخضر الابرهيمي الذي "يأتي" الى العراق بقوة الواقع الدولي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة الاميركية مسؤولا أخلاقياً طبعا عن الانقلاب الكامل في الموازين والمفاهيم... وبصورة خاصة عن التجارب الوخيمة لـ"وطنيي العالم العربي" الذين كان ينتمي اصلا الى بيئتهم... هذه التجارب التي حوّلت "الوطني" بعد اكثر من نصف قرن على المجيء المتتابع للأنظمة العسكرية والحزبية اليسارية الى "وحش" استبداد يكرهه شعبه... بلغ حده الابشع في صورة صدام حسين. (لا يفيد هنا ابراز مفارقة شعبية صدام العربية، وانما الاساس هو عداوة الشعب العراقي له. الشعب بمعنى الاكثرية. وليس الشعب بمعنى الحساسيات الطائفية في ما آل اليه الوضع الآن وهذا حديث مختلف).
يعرف الاخضر الابرهيمي تماما، وربما كانت لديه بعض العاطفة كما المصلحة في الاصغاء على هذه الجهة، يعرف ان من معالم انقلابية الازمان ان تصبح انظمة عربية محافظة (بل كان اسمها رجعية) وشديدة الارتباط بواشنطن، ان تصبح ليس فقط بيئة لانتاج افكار وحركات سلفية ثورية ضد السياسة الاميركية، بل الانظمة ذاتها، ومعها انظمة كانت "تقدمية" ذات يوم واصبحت رجعية الآن، بمعنى انها صاحبة مصلحة في منع التغيير، هذه الانظمة تخوض... في العراق معركة ضد استقرار الاحتلال... ولربما ضد استقرار الوضع العراقي. اذاً، ضد السياسة الاميركية بكل وجوهها: احتلال وما بعد الاحتلال، اي ضد العراق - النموذج الجديد.
هذا ما يفهمه جيدا بالتأكيد الاخضر الابرهيمي. يعرف انه مع اسقاط صدام حسين بدأ ليس فقط تغيير الوضع العراقي، بل تغيير "النظام العربي" على الاقل كما رسا منذ ما بعد تأسيس دولة اسرائيل (1947) والذي ترافق تقريبا مع حدث تأسيس الجامعة العربية عنوان هذا "النظام العربي" (1945). انه يعرف اكثر من ذلك طبعا، يعرف ما لا يجب ان يقال حتى الآن في ادبيات المخاطبة العربية.
لهذا وخلافا لتجربتيه السابقتين الرئيسيتين في لبنان وافغانستان، فهو "يأتي" او "يغادر" (سياسيا) العراق في وضع ليست المصلحة مشتركة وثابتة فيه بين القيادة الاميركية والقوى الاساسية لـ"النظام العربي".
في لبنان، رغم بعض التباينات، كانت "المصلحة" بين واشنطن و"النظام العربي" مشتركة عندما اتخذ القرار بانهاء الحرب الاهلية و"تسليم" لبنان لسوريا. وجاء الاخضر الابرهيمي كوسيط في هذا السياق، كشرطي سير على هذه الطريق.
في افغانستان، الامور اوضح (واضخم)... خرج نظام "الطالبان" على الاجماعين الدولي والعربي - الاسلامي (السعودي، الايراني، التركي). وهناك كانت اوروبا (قبل ان تسمى "القديمة" في واشنطن) متحمسة للتغيير ومعها الهند والجزء الصاعد من السلطة الباكستانية الجديدة المرغمة على التخلي عن "التباس" مخابراتي فعلي في دعم "الطالبان".
اما في العراق... فما يقال غير ما يراد... منذ ما قبل سقوط نظام صدام حسين... والمتغيرات ذات دلالات عربية واسلامية... ودولية، كانت خطيرة قبل مجيء "المحافظين الجدد" في المداولات العربية المعلنة وغالبا غير المعلنة واصبحت اكثر خطورة وعالمية بعد "11 ايلول"... وضمن الاستراتيجية التي اطلقها "المحافظون الجدد"... الى ان قرروا الحرب في العراق، ومن حسن الحظ انهم كذبوا على الشعب الاميركي في موضوع اسلحة الدمار الشامل، (مثلما كذب طوني بلير على البريطانيين)... لكن بدون هذه الكذبة "الفاضلة" كيف كان لنا، نحن العرب الراغبين بالخلاص من انظمة الاستبداد، ان نتحرر من صدام حسين... وان تتعرض انظمة المنطقة ولا تزال للمرة الاولى الى هذا القدر من القلق والارتباك والخوف على المصير، بل الضعف، منذ قيامها بحلتها الاولى بعد الحرب العالمية الثانية، ومنذ تجديد شبابها بحلتها الثانية بعد هزيمة ...1967
يعرف الاخضر الابرهيمي ان اسقاط صدام احدث خللا في علاقة كل دولة عربية بمجتمعها. انكسر شيء عميق في هذه العلاقة التي وصلت الى درجة من النجاح التسلطي (نجاح الانظمة) في ان تصبح الانظمة الجمهورية انظمة وراثية، اي ان هؤلاء الضباط والحزبيين الذين جاؤوا باسم ضرب العائلات والاقطاع في كل بلد من بلدانهم، بلغت بهم درجة احساسهم بنجاح نظامهم في تطويع المجتمع حد التفكير والتخطيط لتسليم ابنائهم... وبعضهم بفعل ذلك والآخر لا يزال ينتظر.
ربما، بل الاكيد، ان الاخضر الابرهيمي وهو الديبلوماسي المطلع وصاحب الصداقات مع الاكاديميين واذكياء الكتاب والصحافيين العرب، لم يكن، وليس الآن، منزعجا بالنسبة نفسها من انظمة الاستبداد العربية مثل انزعاج "ساذج" (بحكم طبيعة الاشياء) من هذه الانظمة يبديه مثقف عاطل عن العمل في مقهى في بيروت، او محام في ضائقة مالية دائمة في القاهرة، او استاذ جامعي لا يكفيه راتبه للعيش في دمشق، او مثقف "حيطيست" في العاصمة الجزائر. فالاخضر الابرهيمي رغم انه يعرف، وعلى صلة بتيارات اعتراض في العالم العربي، كان بحكم عمله الطويل سواء كديبلوماسي جزائري، او لاحقا كأمين عام مساعد في الجامعة العربية، جزءا من هذا "النظام العربي" ولو كان من البيئة المتنورة فيه الا انه جزء منه، وعلى صلة جادة بقواه الكبرى في بعض العواصم خارج جدران مبنى الجامعة، بين الرياض ودمشق وبغداد (سابقا وطويلا) وطبعا القاهرة، وهو بحكم المنشأ كما التجربة، جاء من يسارية ما لا تعتبر نفسها متناقضة مع "الاسلام"، بل مسلمة متحمسة. ولهذا عندما جاء نوع عدائي من "الاسلامية" ضد كل ما عداه وبدأ "الاسلاميون" في مرحلتهم الفجة الاولى يطرحون انفسهم في نهاية الثمانينات، خصوصا في بلده الجزائر، كانت حساسيته الطبيعية تختار لاديموقراطية "النظام العربي" على "لا ديموقراطية الاسلاميين"... وكان يردد في اوائل التسعينات ان النظام الجزائري ارتكب الغلطة الكبرى يومها ليس في الغاء نتائج انتخابات فازت بها جبهة الانقاذ الاسلامية، بل في قبوله اصلا باجراء هذه الانتخابات!
اذاً... انه يعرف قيمة تأخير اجراء الانتخابات في بعض الحالات! لكن الظروف ايضا مختلفة تماما في عراق اليوم عن جزائر تلك المرحلة، حجما لا داخليا فحسب، لأن المطروح في العراق اعادة تركيب الدولة (وربما المجتمع!) اي تهديد وحدة البلد، الامر لم يكن كذلك في الحرب الاهلية (المستمرة!) في الجزائر رغم دموية التجربة... بل ايضا يختلف الحجم الاقليمي، لأن مستقبل المحيط (العربي) دولا وانظمة على بساط البحث، ولأن احدى اكبر تطبيقات التوازنات العالمية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة واعادة صياغة دور المنظمة الدولية هو المطروح في العراق... بينما الجزائر على ضراوة التفاتك كانت في اطار "اضيق" او في اطار تحديد واحد من دوائر استيعاب الانفجار الاصولي السني (مع شبهة دعم او غض نظر اميركية للاسلاميين ضد السياسة الفرنسية المعادية لهم... ولكن مع استمرار هادئ لم يُمس، لتدفق النفط والغاز الجزائريين)...
الامر مختلف في العراق...