البقرة

 جهاد بزي
جريدة السفير (لبنان)
الأربعاء، 18 شباط «فبراير» 2004

هربت البقرة. 

نحن لا نعرف لماذا هربت البقرة. فنحن بشر ونجهل كيف تفكر الأبقار. 

قد تكون مجنونة. لا. هي حتما مجنونة، وإلا لما كانت ستهرب. ربما ظنت أن حياة أخرى تنتظرها في الخارج. ربما حنت إلى وليدها الذي أخذ منها. ربما قررت أن تعود إلى البلد الذي أتت منه مرغمة إلى لبنان. كان لديها الكثير من الأفكار حين هربت.. لكن كل أفكارها كانت مجنونة. 

بتاريخ 11 شباط هربت بقرة وصارت فجأة على الطريق أمام فندق الماريوت في الجناح. وكانت لتتسبب بكارثة لو أنها، مثلا، عبرت الشارع فصدمتها سيارة مسرعة.. 

طاردها أصحابها فما قدروا على القبض عليها. اضطروا حينها إلى أن يستلوا سواطيرهم.. وراحوا يعملون. 

الذبح خارج المسالخ في لبنان ممنوع.. وللبقرة قوائم اربع تغني عن العنق. كيف يمنعون البقرة عن مواصلة هروبها؟ يضربونها بالسواطير على مفاصلها.. حيث من الأسهل فصل عظمتين عن بعضهما البعض. على مفاصل قوائمها الأربع. البقرة كانت تتألم وتعبر، بأسلوبها عن ألمها.. لو أنها كانت تعرف لتحدثت إليهم وطلبت منهم أن يتوقفوا.. لكن البقر يجهل لغة البشر المحكية.. ويجهل كيف يتصرفون في مواقف معينة مع الأبقار. 

لم تفصل القوائم عن الجسم. بقيت معلقة ببعض عضلات. كان هذا كافيا لتجري ساقية دم صغيرة على الشارع وكان كافيا لإيقاف البقرة.. لكنه لم يكف للإجهاز عليها. ذبح البقر ممنوع خارج المسالخ. 

يقول شاهد عيان أن حرب السيطرة على البقرة الهاربة استمر أكثر من ساعة. وأنها جرت بالحبال إلى الشاحنة، وأن رفعها إلى الشاحنة تطلب عددا لا يستهان به من الرجال. وأن البقرة اشبعت ضربا.. وأن كل صنوف التعذيب مورست بحق واحد من المخلوقات التي تشاركنا الحياة فوق هذا الكوكب. 

وكان هناك متفرجون.. وكان هناك رجل شرطة.. ولم يجرؤ أحد على منع الرجال من ارتكاب فعلتهم. ولم يتدخل الشرطي ليقول لهم إن هروب البقرة صار من اختصاص الدولة وليس من حقهم أن يتدخلوا لإيقاف البقرة بهذا الأسلوب الهمجي. وربما لم يكن بين المتفرجين أو المارين بسياراتهم من يظن أن عليه الإتصال بقوى الأمن الداخلي لإعلامهم بما يحدث أمامه.. ببساطة لأن كل من سيفكر بأن يفعل هذا سيشعر أنه سيكون موضع سخرية لا بأس بوطأتها. 

هناك سؤال لا يدور في ذهن البقر في لبنان: ماذا لو هربت بقرة في بلد آخر إلى شارع عام؟ وماذا لو أنها هربت وهجم عليها المسؤولون عنها بالسواطير وحافظوا على روحها لكي لا ترمى إذا ما قتلت بالطريقة غير المناسبة وهي الذبح؟ 

يا للسخافة! كل ما في الأمر أن بقرة هربت وأعيدت بقوة البتر إلى مسلخها حيث ذبحت وسلخت وبيعت. كل ما الأمر أن بقرة عذبت قبل أن تقتل. كل ما في الأمر أن الدولة لم تلحظ أن للبقر حقوقا وأن الخبر الذي أتى في عدد اليوم التالي من الجريدة لم يحرك أي جهة مسؤولة للتحقيق في ما حدث.. 

عيب! تحقيق في تعذيب بقرة؟ في لبنان؟ عيب! البلد مشغول بأمور أكثر أهمية غريبة عن مجتمع البقر. البلد غارق في قضاياه الكبرى. ومن المضحك أن يتوقف البلد عند حادثة تعرضت لها بقرة هربت. 
هربت البقرة.. 

لم تكن تظن في أسوأ كوابيسها أنها ستلقى مصيرا كهذا. فهي كانت تظن أنها مجرد بقرة هاربة في دولة دقيقة للغاية لا تترك شاردة ولا واردة إلا وتتصرف معها كما ينبغي للدول أن تتصرف. هكذا كانت تظن البقرة، فالدولة تحاول إقناعنا بهذا منذ زمن بعيد بأنها دولة من الطراز الأول.. وللمفارقة فقد اقتنع مجتمع البقر ولم نقتنع.. وقد راحت البقرة ضحية هذا التضليل. 

هربت البقرة. 

هي ليست مجنونة.. هي كانت تعي فعلتها تماما. الخبيثة. هي في أغلب الظن كانت تركض صوب أقرب سفارة غربية تختبئ فيها وتسأل عن حق لجوء سياسي إليها.. حيث ستسافر وتعيش حياة تلقى فيها معاملة تليق بالبقر.

 

اعدام بقرة


البقرة بعد تكسير قوائمها الاربعة (وائل اللادقي)

جرّها مقتولة

"السفير" – 12 شباط 2004 - فرت هذه البقرة من سكين الجزار وهامت على وجهها باتجاه شارع فندق "الماريوت". لكن جريمتها لم تمر من دون عقاب، اذ جرت مطاردتها بالسواطير. وضربت على ساقيها فكسرتا. وعندما واصلت المقاومة ولم تستسلم للسكين بسهولة، ضربت بقسوة على اكثر من مكان في جسمها، الى ان لفظت انفاسها في وسط الطريق وتحت اعين المارة. 

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic