ترى، هل ينظر السياسيون و”ترويكا” حكم “الطائف” إلى أنفسهم في المرآة كل صباح مثل المواطنين قبل أن يتفرغوا الى شؤون البلاد والعباد؟ ترى ما عساهم يقولون وأي فكرة يكوّنون عن حالهم بعد سنين طوال من قعودهم في السلطة، وهل يقوم الواحد منهم بمراجعة ما فعل وما لم يفعله؟ وهل يحاولون تلمس انطباعات الناس عنهم من حولهم؟ أم أنهم مرتاحون لأدائهم، معتزون بمواقفهم “المبدئية” و”الثابتة” في عالم لم يعد فيه ثابتا الا المتحرك؟ وهل أن كل ما يحصل في الداخل والخارج يزيد قناعتهم بنظام هجين “مثلث الرؤوس” وبتناتش الحصص الطائفية والمذهبية والمنفعة الشخصية؟ أم أن المياه تجري تحت أقدامهم وهم غير دارين؟
الحكم هذه الأيام في اجازة... رئيس الجمهورية في البرازيل، رئيس الحكومة في السعودية ورئيس المجلس في... عين التينة. لا بأس، يقول أحد السياسيين القريبين من الحكم، ربما أن غيابهم يجعل الناس تتنفس الصعداء. في ما يعتبر أحد أقطاب المعارضة المعروف بلسانه السليط أن حال السلطة يدعو الى الشفقة لدرجة أنه اذا غاب المعارضون عدة أشهر عن البلاد من المحتمل عند عودتهم أن لا يجدوها...
قيل سابقا إن زمن ال”ترويكا” قد ولّى وأحدهم ذهب الى حد نعيها ودفنها. الا أنها أستبدلت ب”ترويكا” متصارعة متناحرة يسعى كل طرف من أطرافها الى جذبها نحوه، من دون أن ينتبه الواحد منهم إلى أن نظام ال”ترويكا” يكون متعايشا، متضامنا و”متواطئا” وإلا لا بد للغلبة أن تحالف أحدهم طالما أن اللعبة تجري على الحلبة نفسها وتحت السقف ذاته وضمن أصول وقواعد رسمها راعي اللعبة وضابط ايقاعها.
ويبدو واضحا بعد احتدام اللعبة وعملية شد الحبال أننا دخلنا في مرحلة حسم باتت اشبه بلعبة “روليت” بطلها المعلن رئيس الجمهورية، الذي قرر أن يكون الرأس الأكبر والأعلى بين الرؤوس الثلاثة، وبالتالي على الرأسين الآخرين أن يلتزما مستلزمات المرحلة الجديدة وعنوانها السنة الأخيرة من العهد واحتمالات التمديد والتجديد، التي أقصى ما بإمكانهما أن يفعلاه فيها هو دعمهما لخيارات الرابح كي يتسنى لهما البقاء في الساحة، كل حسب “قدراته” وبما تبقى له من أوراق، وللقيام بدور “المحشور” في طائفته التي لم يتنكر لها يوما.
إن صورة ما يجري من تحت تبدو أشبه بمعارك “طواحين هواء”، معارك “دونكيشوتية”، الناس باتت بعيدة كل البعد عنها، غير معنية بها. مع ذلك، تبدو لوحة الأشهر القادمة مشحونة بكم من الحسابات والاعتبارات والمتغيرات والتداخلات والتشابكات و... الأسئلة والتساؤلات في ظل تصاعد لجهة التهديد من قبل الولايات المتحدة، خصوصا ضد الجار السوري الذي يحتفظ بورقة الاستحقاق الرئاسي بيده ولكنه يبدو عاجزا عن تقديم “عرض” مقبول يكون في منزلة بين المنزلتين، بين “لبننة” الاستحقاق الرئاسي ومنع هذا الجمود المخيف من التحول الى ما لا تحمد عقباه، في ظل اعادة خلط اوراق واصطفاف مذهبي يتجه الى الانكفاء وال”المشاكسة” أكثر فأكثر.
أحد المراقبين السياسيين العاكف هذه الأيام على قراءة الداخل على خلفية التطورات الاقليمية يلفت النظر أولا الى أن “غلبة” لحود وما يقال من انجازات حققها ما هي الا نوع من “هجوم وقائي” لمواجهة ما سيأتي. صحيح أن رئيس الجمهورية لا يلعب اللعبة الطائفية ولعب دورا هاما في دعم المقاومة وتحصين انجاز التحرير، الا أنه برأي المراقب فشل في معظم العناوين الداخلية، خصوصا قضية الاصلاح وحكم القانون والمؤسسات. وهذا باعتراف منه في آخر جلسة لمجلس الوزراء عندما أعلن أنه لم يجد احدا يعاونه في عملية الاصلاح خلال سنوات عهده.
ويتوقف محدثنا هنا متسائلا: “أليس في هذا الكلام اساءة للرئيس سليم الحص ولمناقبيته ونزاهته؟”. وإذا كانت الأمور فعلا كذلك فلماذا لم يبادر مثلا الى الاستقالة أو على الأقل الى الاعلان عن ذلك قبل الآن، وإنما فقط في ظرف أقل ما يقال فيه إننا في أجواء الاستحقاق الرئاسي.
ثم، اذا كان لا يوجد ادنى شك في نزاهة الرئيس، فهل يمكن القول نفسه، يتساءل هذا السياسي، بالنسبة للمقربين ولبعض من دعمهم وزكاهم في مواقع سياسية وحكومية مهمة؟
في المقابل، يلفت محدثنا إلى محاولة الوزير كريم بقرادوني “تطييف” رئاسة الجمهورية، أي تعويمها مسيحيا ومارونيا عبر دعوته للالتفاف حول لحود بعد عودته من دمشق، وما نقل عن أوساط سورية من ضرورة أن يكون لحود غير الطائفي مدعوما من طائفته... ويتساءل هنا عن مغزى ورود اسم النائب اميل لحود بين اسماء السياسيين اللبنانيين المتهمين بالحصول على قسائم نفط من نظام صدام حسين، ولم يرد مثلا اسم معن بشور؟ فهل بات الرئيس اليوم بحاجة الى دعم طائفته؟
لكن، الى أين يقود هذا الكلام؟ يذهب المراقب بعيدا لافتا النظر الى ما أسماه “حالة شيعية” تتسارع في داخلها المعادلات وتختلط الأوراق، في ظل “تقطيش قريعة” من قبل رفيق الحريري في مواجهة اميل لحود يرافقه نوع من “انكفاء” سني. أي بمعنى آخر، أن السند الأساسي اليوم لرئيس الجمهورية هو ضمن الطائفة الشيعية، وتحديدا جمهور “حزب الله” الذي يكسب على حساب رئيس “حركة أمل” ورئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يشوب علاقته بلحود نوع من الفتور وربما أيضا بالسوريين. فمن كارثة طائرة كوتونو وما وجه الى بري من اتهامات، الى جلسات تفسير المادتين 60 و70 من الدستور وما رافقها من لغط وتفسيرات، الى تبني أمين عام “حزب الله” حسن نصر الله لقضية الامام موسى الصدر في مهرجان عودة الأسرى المحررين بحضور صدر الدين الصدر في الصفوف الأمامية الى وقائع وإشكالات أخرى لا مجال لتناولها الآن. كلها مؤشرات يعتبرها محدثنا دليلا على نوع من بدء تحول في ميزان القوى داخل الساحة الشيعية، اضافة الى كلام نصر الله في جبشيت والذي اعتبره أكثر من طرف موجها الى الداخل أكثر منه الى الخارج. ألم يتوقع بري نفسه أن تكون هذه السنة سيئة بالنسبة له؟
إلا أن اللافت أكثر فأكثر في هذه القراءة هو الرصد الأميركي ل”الحالة الشيعية” والاعجاب الذي يبديه السفير الأميركي فانسنت باتل بالطائفة الشيعية اللبنانية، بعكس السنّة (طبعا ليس اللبنانيين منهم فقط) الذين خرجت من رحمهم الحركات الأصولية في المنطقة، وبعكس المسيحيين والموارنة تحديدا الذين ما زال الاميركيون ينظرون اليهم كمتطرفين لم “يشفوا” بعد من “الحالة القواتية”. الاعجاب الاميركي مرده الى حالة الاستنهاض التي عاشتها “الحالة الشيعية” في لبنان، الا أن هذا الاعجاب يتوقف أمام “حزب الله”، الذي قاتل وحرر ولكنه بات اليوم يمارس في رأيهم الارهاب... وغني عن القول إن هذا “الرصد” يزيد من تعقيد وضعية بري الذي ليس بوارد المراهنة على “إعجاب” أميركي ملغوم.
انطلاقا من ذلك يبدو وضع لحود مرتبطا بما ستؤول اليه “الحالة الشيعية” التي ستخضع بطبيعة الحال لمجموعة عوامل وظروف لن تكون سوريا بعيدة عنها، ولو أن ما ستحمله التطورات الاقليمية لا يمكن أن يشكل ضمانة طبعا ل”حزب الله” ولا حتى للرئيس لحود. على العكس. فهل ما تشهده الساحة الشيعية، يتساءل المراقب، يحمل في طياته خطوة “استباقية” لموازنة أو تعويض “الانكفاء” السني والممانعة المسيحية؟ وهنا ينفتح الكلام على الموقف السوري من “المعارضة المسيحية” التي تأخذ على دمشق مراوحتها في الكلام المعسول عن مواقف البطريرك صفير الوطنية والحكيمة من دون أن تقوم بمبادرة جدية تجاهه رغم مرور سنة على الموقف التاريخي الذي اتخذه عشية الحرب على العراق وإشادته بموقف الرئيس السوري بشار الأسد خلال القمة العربية الأخيرة.
وفي هذا السياق، يعتبر أن كل ما يقال ويشاع عن إقرار قانون انتخابي اساسه القضاء كدائرة انتخابية هو “معيب” لأن ذلك لا يقدم ولا يؤخر، ولا يمكن أن يشكل اي ضمانة أولا لنزاهة الانتخابات وعدم التدخل في فرض مرشحين وتعليب النتائج. وثانيا، المشكلة ليست فقط في اي قانون انتخابي، بل في شكل السلطة وتركيبتها ومدى حرصها على تطبيق “الطائف” ومسألة الوفاق الوطني، لأن السلطة اليوم ليست في مجلس النواب. أما القرار فهو لا هنا ولا هناك بل في دمشق.
ويختم محدثنا مبديا استغرابه للجمود الذي يعيشه الحكم السوري رغم كل ما يجري من تطورات دولية وإقليمية، مؤكدا بالمقابل أنه لن يكون هناك أية مراهنة على اميركا ولن يكون هناك اي موقف سلبي من سوريا حتى ولو أبقت ابواب الحوار مغلقة. ومن باب النصيحة يقول إن تداول السلطة مفيد للجميع.