رياض الأسعد: من بك “متمرد” ... الى طامح للتغيير!

سعد كيوان
جريدة السفير (لبنان)
الجمعة، 20 شباط «فبراير» 2004
رياض الأسعد
رياض الأسعد

     تحار من أين تبدأ معه وكيف توقف إندفاعته. أمن تاريخه العائلي وحسبه ونسبه، أم من تجربته كمراهق أو من ما يقوم به اليوم من مشاريع وأعمال ومن “تبشير” بالتغيير. وعن هذا وذاك وتلك يطول الكلام ويتشعب ويغوص في ذكريات ومفارقات. 

نحيل، طويل القامة، وجه بشوش “تزينه” لحية يقول أنها من “زمن الثورة” وزمن...المراهقة. كان في العاشرة عندما امتشق بندقية وصعد الى السطح ليطلق النار على الطائرات الاسرائيلية. متحمس، غزير الكلام والأفكار والمبادرات. متفائل اليوم بالتغيير ولكنه “غير مستعجل”. 

رياض الأسعد، معجب بكتابات علياء الصلح (خالته). ورياض الصلح ماذا يعني بالنسبة له؟ يسارع الى القول: “العمق العربي والحلم الفيصلي والتصدي للاستعمار. لا تعصب طائفي واستخفاف بالمال... كان شخصية مميزة”. يروي بشغف حكاية جده حسيب بك، المحامي الذي تزوج من “عامة الناس”. حسيب هو حفيد علي الصغير، الذي أصبح علي بك الأسعد بعد أن التجأ الى عكار واحتمى عند آل المرعبي هربا من أحمد باشا الجزار، ليعود بعد رحيل المصريين لمواجهة الأتراك وحماية المسيحيين من بطشهم في حاصبيا وراشيا و... يقتل. 

أي، بمعنى آخر يحمل “إسما كبيرا”، يجمع “المجد من طرفيه”. انه وريث سياسي بامتياز. لا يقبل التصنيف: “كل واحد يشق طريقه بنفسه، ليس لدي رسالة ولا وجود لشخص منقذ”. لكن، ليس بامكانه أن ينكر أن طريقه معبدة في أكثر من إتجاه. ألا تشعر أنك محظوظ ومحمي؟ “حماية معنوية”. هو لم يعرف جده الصلحي ويتذكر قليلا من الأسعدي. يقول أن ما أثر فيه هو مجموعة تجارب متداخلة ومتضاربة لا تخلو من التحدي والمغامرة. ولا يخفي اعجابه اليوم ب”حزب الله” و”فلسفة المقاومة”. يقول أن نبيه بري “غادر” الجنوب الى السلطة، ومع رفيق الحريري يتعامل كسياسي لا كمقاول. واميل لحود؟ يعتبر أن الدولة “لا تزال مزرعة، نظام المحاصصة أكل من رصيده”. 

مغامرة إبن سعيد الأسعد تبدأ منذ طفولته. ولد رياض عام 1958 وعاش منذ عمر السادسة “حرا” في قصر آل الصلح في بئر حسن، وترعرع في كنف جدته فيما كان أبوه يتنقل كسفير من عاصمة الى أخرى. ومن هناك كان يذهب كل صباح الى مدرسة “انترناشونال كولدج” (أي. سي) في رأس بيروت. ما مكنه من التعرف عن كثب على بيروت وشوارعها وأزقتها. في بئر حسن عاش معه لسنوات ابن خالته الوليد بن طلال، ومن على سطح قصر رياض الصلح اندفع حاملا “بيريتا” صيد ل”يصد” الهجوم الاسرائيلي على مطار بيروت عام 1968. 

يسترسل في السرد، يمد ذراعيه الى الأمام، ينقل من واقعة الى أخرى كأنه يمارس هواية قفز الحواجز. عند اندلاع الحرب انقطع عن الدراسة لفترة بعدها أقنعه والده بالسفر الى الولايات المتحدة لدراسة الطب وليس التاريخ كما كان يحب. لكن شغفه بالتاريخ دفعه الى العودة الى الجامعة بعد أن تزوج وأنجب ولده الأول. تعرف على زوجته المارونية الزغرتاوية ندى روبير بولس في باريس وتزوجا عام 1994 ولهما اليوم ثلاثة أولاد سعيد وفيصل و...علياء. 

فجأة، يعود الى الحاضر:”لدينا مشكلة في الهوية التاريخية الوطنية”. الوطن الوعاء موجود، يقول، لكن المطلوب تعبئته بعقد اجتماعي جديد قائم على الحرية والعدالة والديموقراطية”. البيك الأسعدي لم يعد فقط للعمل في الهندسة، بل إنخرط في “النضال” على أكثر من جبهة والى جانب أكثر من طرف. من بيروت الى الجنوب “حيث كنت أشعر فعلا أننا في مواجهة مع اسرائيل”. قاتل الى جانب “فتح” في ما عرف ب”حرب الجسور”. قبل الاجتاح الاسرائيلي عام 1982 عاد الى جامعة بركلي. هناك “صعّد نضاله” عبر مشاركته بالتظاهرات العربية ضد اسرائيل وتوسع “أمميا” احتجاجا على الديكتاتورية في السلفادور. عاد مرة أخرى تاركا هناك... صديقة عمره. ما الذي دفعك الى العودة؟ “لا أعرف... ربما ايماني بامكانية العمل من أجل التغيير”. 

نلفت نظره الى أن سيرته تشبه معظم سير أولاد “البيوتات” الذين تمردوا في شبابهم على سياسة آبائهم ثم “يتوبوا”... يرد أولا أن والده لم يكن يتدخل في خياراته، وهو لا يتحرك انطلاقا من “أنني ابن فلان ووالدتي فلانة”، ويرفض أن يقال “أنني نازل بالبراشوت”. برأيه أن “التحرك على الأرض خطوة خطوة نستطيع أن نعمل الكثير”. 

في الجنوب مجددا كان شاهدا على استشهاد إبن خالة امه محمود ضاهر وأنور مروة (من الحزب الشيوعي) خلال المجزرة التي وقعت في الزرارية عام 1985. يومها رفض الاسرائيليون السماح بدفنهم. انغمس رياض في الحرب. تعرف في هذه الفترة على رئيس “حركة أمل” ونشأت علاقة بينهما. ألم يكن لك علاقة ما بالحزب الشيوعي؟ “حاولت التقرب منهم وكان لي اصدقاء كثر بينهم إلا أنني في كل مرة نجتمع كان يبادرني أحدهم بالسؤال: متى ستمارس ايها البيك الأحمر النقد الذاتي ضد انتماءك القطاعي؟...”. يضحك. ويسبقك الى السؤال مضيفا أن البعث والفكر القومي لم يستهوه إبدا. 

علاقته ببري دفعته للمشاركة في القتال في بيروت، الا أنه “قرف بسرعة” وعاد ثالثة الى الجنوب. وخلال معارك مغدوشة والغازية اتصل به بري مجددا فشارك، الى أن وقعت “حرب العلمين” فابتعد نهائيا عن “ساحة النضال” ليتفرغ الى شركته التي أسسها في 1986. 

يومها اتصل به رئيس “أمل” ليقول هازئا: “أنت بدك تعمر الجنوب؟”. كيف تصف علاقتك ببري؟ “كان محاطا بمجموعة منتفعين منذ تلك الفترة، وتبين أنه هاوي سلطة...”. ولكنك عدت وتعاونت معه فيما بعد؟ “أتصل بي طالبا تنظيم أمور اللائحة في انتخابات 1992 يوم كان والدي مرشحا عليها وانتهت هناك”. 

أما اليوم اين أنت؟ يقول أن المعارضة اليوم معارضات، وهو يسعى الى معارضة حقيقية ضد السلطة عبر خلق “قوة ثالثة تغييرية تنطلق من شرعية الناس عبر تحريرها من القيد والجوع، وتعمل على الغاء الطائفية السياسية ووضع تصور جديد لشكل الدولة”. كيف ومع من؟ هل من تعاون مع “قرنة شهوان” مثلا؟ “لدي اصدقاء بينهم، الا اني اختلف مع طرحهم المعادلة التي تقول بجمع المعارضة المسيحية مع المعارضة الاسلامية”. ومع “حزب الله”؟ “علاقتي به جيدة لكن لا بد أن ينحاز الى قوى التغيير داخليا والا... العامل الفكري والتكنولوجي اليوم أساسي”. 

ولكنك تتعاون اليوم مع السلطة؟ “لا أتعاطى من تحت الطاولة وكل ما أقوم به من مشاريع معظمه مع البلديات”. يعني أنك تكرس شركتك لأغراض سياسية؟ “نحن أصحاب مشروع سياسي ونقوم بتوظيف جزء من الأرباح لمشاريع انمائية”. وهل المشروع يقتصر على الجنوب؟ “كلا، وانما أركز في الجنوب لأنطلق بعدها الى رحاب الوطن... لأن الدولة اليوم في الجنوب تبيع مقاومة ودين”. ويقول أن الدولة كانت ضده وهي اليوم لا ضده ولا معه. 

كيف علاقتك بسوريا؟ “لا علاقة، يمكن هم في مأزق معي”. ثم يستطرد قائلا أن “لا تغيير في لبنان الا مع تغيير في سوريا”. 

رياض الأسعد يؤكد أنه غير خائف على الوطن بل على دوره، لذلك فهو “غير مستعجل” بانتظار عام... 2009.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic