اليساريون الذي زلزلوا الأرض تحت أقدامهم، وأرجفوا بغضبهم أهل السماء، أين هم الآن؟ الثوار الذين انوعدنا بخبز عدالتهم وبالسعادة في الأرض، هؤلاء الذين قيل إنهم جنّنوا الأنظمة العربية، والأنظمة جميعها، وهزّوا عروش أصنامها في أحد الأيام، هل صاروا أضغاثاً أم أصناماً أم طعاماً أم ضحايا أم سراباً ينبىء بسراب؟
اليساريون الذين نزلوا الى الشوارع وجمعوا القبضات في وجوه الهواء وأنوف الطغاة وهتفوا ولعنوا وخلعوا كراسي العروش ورفعوا اللافتات والشعارات عالياً،... هنا من المحيط الى الخليج، وهناك تحت كل شمس وغيمة، أين هم الآن في هذه الليلة المعولمة الظلماء؟
على طريقة أفلام الكاوبوي العتيقة أو المعلومة، نريدهم أحياء أو موتى. نريدهم من أجل القيم التي نادوا بها وذُبح الكثيرون منهم في سبيلها. ونريدهم لأنهم ضرورة للحياة والتنوع والاختلاف. نريدهم لأجل أنفسهم أولاً. ولأجل أن يكون الناس معهم وضدّهم.
لكنْ، لم يتبقَّ شيءٌ جليلٌ تقريباً. ثوراتٌ غفيرة سقطت أو أُسقِطت. وثورات صارت ضدّ الثورات. أحزابٌ ورجالٌ وأفكارٌ وأحلام، كثيرهم صنع الكثير حين صنع حلماً جميلاً في الحياة العربية واللبنانية. وكثيرهم أُجهِض، وكثيرهم الكثير تدحرج الى الجحيم والنعيم. ولا يزال قليلهم القليل يسهر على فوّهة البركان في انتظار الآتي الذي لن يأتي.
الأمميون الشيوعيون الماركسيون اللينينيون التروتسكيون الماويون الحزبيون اللاحزبيون الاشتراكيون الثوريون القوميون القطريون الجماعيون الفرديون الهامشيون،... الكاذبون والصادقون، خسروا كلّ شيء تقريباً في حسابات التوق وفي المقامرات المحلية والإقليمية والكونية. خسّرونا خبز الحلم ووهم السعادة، ثم غادروا ــ أو بقوا ــ موتىً وأحياءً، تاركين في الهواء شعاراتٍ وقبضاتٍ وعطورَ ذكريات، وعيوناً مبحلقة في ذهول الخسارات. رائحةَ حريق أو نوافذَ مشلّعة على أخطاء الذكرى.
الموتى منهم على الأرجح لا يزالون هنا. الأحياء أيضاً. و بعض رفاق وكهولات شائخة. هؤلاء وأولئك يتعمشقون بالنظرات الحرّى لنفخ الكآبات في الرماد. أو ربما لاستدرار الحنين.
كانوا يساريين وحزبيين وحالمين، أمميين وإقليميين ومحليين. كان بعضهم أتباعاً وملحقين. وكان بعضهم شموساً وأحراراً وأسياداً. وكانوا يرفعون قبضاتهم، وأقدامهم كانت تزلزل الأرض وغضبهم يرجف السماء. فأين هم الآن في هذا الزمان؟... لا أحد يعرف. لكننا نريدهم هنا وفي كل مكان. الشرفاء الشرفاء منهم. نريدهم لأجل الحياة. لأجل الصواب والخطأ في هذه الحياة. ولأجل أن نعرف الحقيقة أيضاً من طريق الغلط والهزيمة وانكسار الحلم.
لم تبقَ هاويةٌ عربية إلاّ فغرت أفواهها لتردم نهمها بحطام الثوار وتُسكت جوعها بأشلاء البطولات والثورات المخدوعة بأحجامها وأحوالها. أحزابٌ وأفكارٌ ورجالٌ، من زمان نُحِروا وأجهضوا ونضبوا. وآخرون خانوا أنفسهم وتعهّروا وأنتنوا واقتتلوا. هؤلاء وتلك وهذه، في البدايات شقّوا دروبَهم في الوعر اللذيذ ثم بدّل كثيرهم شظف الرشد بأناقة اللفظ وحلاوة القناع. قيل إن جروحهم يبست عندما ترجلوا من وجع الغيوم. وقيل باعوا وبيعوا أو انتحروا عندما استخفّوا بالحرية ونحروها بعدما جعلوها هدفاً لأحزابهم وثوراتهم ونضالاتهم. كثيرهم الكثير لم يدرك الأسرار التي تنظّم إيقاع الحياة ومستقبلها. خرجوا من التاريخ عندما أخطأوا مراودته أو عندما أدركوا بعد فوات الأوان أن حياة الشعوب والأنظمة والأمكنة تؤخذ بحرياتها وكراماتها واستقلالاتها وأسرارها المجتمعية والتاريخية والوطنية...، لا عنوةً من أعنّتها.
كان بعضهم أنظمةً وأتباعَ أنظمة. لكن بعضهم كان حالماً ونظيفاً وجميلاً وطيّباً ونقياً. كان بعضهم كأول الشمس. وعندما سقطت الأنظمة والديكتاتوريات في الدماء والوحول أسقطوا أنفسهم معها. أو أُسقِطوا. أو سقطوا. أما الذين منهم تابعوا الطريق بين نجوم الهواء الطلق أحراراً مطلقي السراح، متفلتين من ربقة الجزمات والأفكار المعلّبة ومن القيود والأعباء التاريخية المثقلة بالهول والرعب والدم، فقد التقوا سانشو وحيداً في متاهات الفيافي والليل.
لكننا نريدهم الآن هنا وفي كلّ مكان. ونريد هؤلاء الأخيرين خصوصاً. من أجل الحياة فقط. نريدهم من أجل إعادة التضامن الى نصاب الحياة بعدما أُسقِط هذا الهدف من معايير العلاقات الإنسانية والسياسية والاقتصادية. نريد يساراً ويساريين يكافحون ضد كل أشكال التمييز والتفرقة حيال الأطفال والنساء والألوان والأعراق والأجناس والأديان و... اللاأديان. نريد يساراً ويساريين يكون جوهر وجودهم ومنطلقه أنسنة العولمة أولاً. وأنسنة الرأسمالية المتوحشة وأنسنة الظلامية اليمينية وأنسنة السياسة والمجتمعات والأيديولوجيات والأفكار والأحزاب. وذلك أيضاً... من أجل كسر الأحادية "الديموقراطية" في العالم وتلقيحها بـ"الآخر". أياً يكن.
نريد يساراً ويساريين تنويريين يقارعون ديكتاتورية الصنمية الدينية والفكر المغلق.
فمثلما كنا ضدّ الديكتاتوريات الشيوعية "البروليتارية"، سنظل نكون ضدّ الديكتاتوريات االليبيرالية المعولمة التي ترتدي الألبسة والأقنعة الكاذبة، وتنادي بالتعدد ــ يا للمفارقات ــ والحرية والديموقراطية والعدالة والمساواة والبحبوحة والرفاه و... بـ"الحاكمية الصالحة".
نريد هؤلاء لكي يفتّحوا الأفق لاستيلاد يسار حالم وجديد. نقيّ وطليعي وحرّ وسيادي و... ذي كرامة. ونريد يساريين آخرين لا نعرفهم ولم نسمع بهم. من أجل أن تولد بهم ومعهم أفكارٌ وأحزابٌ ورجالاتٌ يخترعون الهواء ويصنعون ملاعب للوهم والحلم والحرية.
نعم، نريد اليسار واليساريين. وإن كنا سنظل نختلف معه ومعهم. أو كنا سنظلّ نتفق. فبدونهم، وبدون هذا كله، ماذا تنفع الحرية إذا لم تكن للتعدد والاختلاف والأنسنة والتضامن!
بل ماذا تنفع الحرية إذا لم تكن من أجل الحرية!
وفي لبنان هذا، وفي... الجوار الأقرب، نريد يساراً ويساريين ديموقراطيين وأحراراً ومستقلين ومتنورين ومتعددين وسياديين وعابرين للطوائف و... إنسانيين. ونريدهم ضد الديكتاتوريات العسكريتارية والمالية والدينية.
فبماذا ينفع لبنان إذا لم يكن من أجل لبنان الحرية. ومن أجل حرية لبنان!