النظام العربي الأخرس

الياس خوري
جريدة النهار (لبنان)
الأحد، 22 شباط «فبراير» 2004

     كنت أعتقد أن السفر يسمح للمرء بأن يرى واقع بلاده، بسلبياته وايجابياته، في شكل أفضل. فالمسافة تسمح برؤية اكثر عقلانية للامور، والبعد يضع القضايا في اطرها النسبية. 

هذا الافتراض لم يعد بديهياً لثلاثة اسباب. 

1- اللاعقلانية المسيطرة على عالم ما بعد الحادي عشر من ايلول. الولايات المتحدة تعيش أزمة تحوّلها امبراطورية تحكم العالم وتتحكم به. وهذا يسمح لجميع العناصر اللاعقلانية بأن تطفو على السطح، لأن صناعة الامبراطورية هي في الآن نفسه مزج للحقيقة بالوهم. 

2- غياب او تغييب المعنى النسبي في العلاقات الدولية. ومع غياب النسبية او ضمورها، تبرز الافكار الاطلاقية التي هي نقيض العقلانية، ونقيض الاحتكام الى معايير اخلاقية - قانونية وضعية. 

3- موت الصوت العربي الذي تجسده الانظمة، وتحوّله صمتاً قاتلاً، لا معنى له. 

هذا الموت، هو الحقيقة الاكثر بروزاً من بعيد. تكتشف عندما تسافر انك محاصر بخرس النظام العربي وعجزه عن الكلام او الفعل. هذه الحقيقة تهيمن على كل شيء آخر، وتجعل من النظام العربي بأجنحته الثلاثة: بقايا العسكريتاريا، الانظمة الاصولية والاصولية المتأمركة، في أزمة خانقة، هي في جوهرها أزمة لغوية. 

النظام العربي يتعرض لهجوم اميركي - اسرائيلي شامل. لكنه عاجز وخامل وأخرس. 

ففي التحول نحو الاطلاقية، وتعميم قيم الصراع بين الخير والشر (على طريقة جورج بوش)، لا يستطيع هذا النظام ان ينبس ببنت شفة، مثلما تقول العرب، لأنه نظام قائم على الاطلاقية، وعلى نفي الآخر. 

وفي الحمّى الاصولية التي تدعو الى الحرب بين روما والبرابرة، فهو عاجز عن الكلام، لأنه نظام تأسس في الحمّى اللغوية، وحوّل الافكار كلها تنويعات اصولية مقدسة. لذا فهو حين يُتهم بالبربرية، ولا يملك القوة العسكرية لاتهام متهميه بها، فانه يخرس. 

وفي تبلور الخطاب الاسرائيلي العنصري، الذي يضع الفلسطينيين في الاقفاص، لا يستطيع النظام العربي ان يرد، لأنه وضع شعوبه في الاقفاص، وحوّل المدن العربية سجوناً ومعتقلات، فصارت دعواته الى الحرية اشبه بدفاع عفاف عن العفاف! 

وفي مواجهة الاحتلال الاميركي للعراق، لا يجد هذا النظام كلمة واحدة. لأنه هو الذي سهّل الاحتلال، ولأن الامور ليست مثلما تشير ظواهر الاشياء. فالجزيرة العربية كلها يحتلها الاميركيون عسكرياً. فالذي وضع نفسه في خدمة اميركا خلال الحرب الباردة، ثم طلب حمايتها عندما غزا الديكتاتور العراقي الكويت، وقاتل مع الجيوش الاميركية في "عاصفة الصحراء"، لا يملك ان يعترض اليوم، ولا يحق له ذلك. 

والى آخره... 

النظام العربي بأجنحته الثلاثة، وخصوصاً بعد انضمام العقيد الليبي الى النظام العالمي الجديد، لا يملك سوى لغة مافيوية، يحاول تغطيتها بمزيج من النيو اصولية والنيو وطنية، لكنه ليس معنياً سوى بالنهب والسلب. فلقد تم تحويل المشرق العربي بؤرة للفساد والانهيار الاخلاقي والاجتماعي. وصارت وظيفة النظام نهب المجتمع وتبديد ثروته، وتحطيم روحه. 

لذا تبدو المسألة العربية في العالم كأنها مسألة عجز عن الكلام. لقد تم تحويل العربي الى أخرس. وصار من الصعب على أي مسؤول عربي المشاركة في حوار تلفزيوني او صحافي في اميركا او اوروبا، لأنه سيصير مسخرة. 

بمقدار ما تبرز عدالة القضية الفلسطينية، وخواء المشروع النيوكولونيالي الاميركي، يزداد الخرس العربي وضوحاً، ويصير ظاهرة شاملة، لا يستطيع أحد معالجتها. اللسان مقطوع، والكلام بلا معنى، والانظمة العربية فقدت القدرة على النُطق. 

خرس عربي شامل، بات احد العناصر الاساسية التي تكشف المنطقة العربية، وتجعلها ارضاً نموذجية للغزاة. وفي هذا المعنى، تأخذ اللعبة الكولونيالية الجديدة ابعادها الكاملة. فالمأزق الاميركي - الاسرائيلي، رغم عمقه، يجد قدرته على صوغ اكثر التصورات غرائبية، وعلى تبني الخطاب الاستشراقي القديم، عبر اتكاله على خرس النظام العربي، وعجزه عن بلورة لغة تحمل الحد الادنى من الصدقية، في محاولته المستميتة للدفاع عن وجوده. 

الخرس العربي صار جزءاً من اخضاع المنطقة واعادة الهيمنة عليها. من هنا، فهو يقدّم كل المبررات لاستباحة المنطقة، معطياً الدموية الاسرائيلية شيئاً من الشرعية ومتيحاً للخطاب الاميركي اليميني المتطرف السيطرة على اللغة السياسية، بحيث صار العالم العربي رجل العالم المريض، وصار كسره ضرورة "حضارية"! 

لم تعد المسألة تتعلق بضرورة تحطيم ابواب السجون العربية، بحثاً عن حرية المواطن وحقه في الحياة بل صارت مرتبطة بالاستقلال الوطني، وبحق الانسان العربي في الحياة والكرامة. 

النظام العربي الاخرس عدو المجتمعات العربية، لأنه يقودها الى العبودية. شرط العبودية ليس قبول العبد بالاستعباد فقط، بل عجزه عن الكلام وعن رفض العبودية. اي أن شرط العبودية قطع لسان العبد، ومنعه من التعبير. وهذا ما يجري اليوم في العالم العربي. 

الانظمة العربية، كانت تستمد لغتها من لعبة الحرب الباردة. الاصولية الاوليغارشية تقاتل في المعسكر الاميركي، والطغم العسكرية تنحني لهذا المعسكر وتستمد شرعيتها من لغة المعسكر السوفياتي. 

اليوم، بعد موت اللغة السوفياتية واندثارها، وبعد انفكاك اميركا عن حليفها الاصولي، فقد النظام العربي لسانه، وصار عائقاً امام قدرة العالم العربي على صدّ الغزاة، وتأسيس قيم العدالة والحرية في المنطقة. 

هذا النظام الاخرس يحطّم صورة العرب، ويجعلهم ممسحة العالم، ويُفقدهم القدرة على الوجود. 

انه عارنا المتسلط علينا، يقودنا الى الموت مكبّلين بالسلاسل.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic