"حزب الله": التغيير بين الضرورة والإكراه

نصير الأسعد
جريدة المستقبل (لبنان)
الإثنين، 23 شباط «فبراير» 2004

     عندما يُحكى عن تحوّل "حزب الله" حزباً سياسياً أو يُقال كلام عن ضرورة توجهه نحو "الداخل"، غالباً ما ينبري قادة الحزب ومسؤولوه للردّ على ذلك مستحضرين مجموعة من المواقف أو "الثوابت" أو "البديهيات".

مرة يردّ الحزب بأنه حزب سياسي أصلاً، ومرة ثانية يعتبر هذا الكلام أميركي الصنع والمقصود به صرفه عن العمل المقاوم وإفقاد لبنان ورقة رادعة تالياً، وتارة يجيب انه متعاطٍ بالشأن الداخلي من موقع "الناس" ومصالحهم، وتارة أخرى يوحي بأن العمل السياسي الداخلي نوع من "الدنس" يرفض الاقتراب منه لأن من شأنه أن يغرق الحزب في مستنقعات الصراع الداخلي ووحوله بينما ينشد إجماعاً لبنانياً حول المقاومة. وفي جميع الأحوال، بين ردود من هذا القبيل وبين خطاب سياسي يلامس في بعض الأحيان القضايا الداخلية، يبدو الحزب مشتبهاً بفكرة الحزب السياسي فيحيل السائل عن هذا الأمر أو المتحدث فيه الى موقع من هتك قدساً من الأقداس.. حتّى ليبدو السائل أو المتحدث كمن يخدش "طهرانية" الحزب أي الصورة التي يحرص عليها، في حين أن الحزب لم يخل من "تلوّث" في معارك سياسية داخلية في عدد من المحطات، وفي وقت لا يمتنع عديدون عن تصنيفه في السياسة الداخليّة هنا أو هناك.

بيد أن ما تقدّم لا يلخّص الواقع. ذلك أن "حزب الله" يكشف في عددٍ من المحطات أيضاً عن حيويّة فكرية ـ سياسيّة تفرض على الجميع أخذها في الاعتبار، لا بل هو يكشف عن وعي "حادّ" بالتطوّرات من حوله وما تفرضه من مقاربات.
 

التغيير.. والخيارات

السيد ابراهيم أمين السيد

     وفي هذا المجال، يطرح رئيس المجلس السياسي في "حزب الله" السيد ابراهيم أمين السيد مقاربة جريئة تنمّ عن تفكير عميق في الإشكاليات كافة: إشكالية الظرف السياسي، إشكالية العمل السياسي، إشكالية الحزبي والسياسي والديني إلخ...

يقول السيّد بداية إن التطورات الحاصلة في المنطقة على غير صعيد فتحت الوضع الإقليمي على التغيير، أي أن ثمة تغييراً إقليمياً في ركاب التطورات، يدقّ أبواب منظومة المنطقة وبناها. لكنه إذ "يعترف" بأن المنطقة تشهد تغييراً أو هي تُقبل على تغيير، يسارع الى توضيح أن أمام المنطقة دولاً وشعوباً ثلاثة خيارات. الأول هو "تغيير الضرورة"، ما يفهم منه في سياق كلام السيد ابراهيم أنه "التغيير الذاتي"، أي التغيير الذي تتمّ المبادرة إليه فيأخذ في الاعتبار المصالح والخصوصيات ومنطق التطوّر نفسه. أما الثاني فهو "تغيير الإكراه" أي ذلك الذي يأتي مفروضاً من الخارج وبالقوة في ظلّ توازن قوى سياسيّ ـ عسكري ـ اقتصادي، ويعزّزه التخلّف عن المبادرة، فينتج تغييراً (أميركياً في هذه الحالة) يمسّ في معظمه بالثوابت والهويّات والخصوصيّات لدى الأمة، امّا الثالث، فليس خياراً في حقيقة الأمر، بقدر ما هو نتيجة للتخلّف عن المبادرة والإقدام، وهو أن يورثَ عنوان التغيير للأجيال المقبلة، أي أن يورثَ الجيل الحالي للأجيال الاشكاليات كافة. ولا يخفي القيادي البارز في "حزب الله" قدراً من التشاؤم حيال "التغيير الذاتي" في نفس الوقت الذي يرفض "التغيير بالاكراه"، ما يجعله على قاعدة "سُنّة الاستبدال" (أي تعاقب الأجيال وحلول جيل مكان آخر) يرجّح أن يكون التغيير مؤكداً وحتمياً في المستقبل.
 

التغيير الذي "كان" يجب حصوله

     من الواضح ممّا تقدم من كلام السيّد أن الأساسي فيه هو الوعي بالتغيير والدعوة الى المبادرة اليه، وإن كان كلامه متشائماً، غير ان السيّد ابراهيم الذي تبدو دعوته التغييرية "فوق لبنانية" أي انها لا تقتصر على الوضع اللبناني لأنه يرى التغيير حاجة عربية واسلامية، لا يتردد في الجزم ضمناً حيناً وصراحة حيناً آخر بأن شيئاً لم يكن يجب أن يمنع في ظل العلاقة بسوريا او التحالف الاستراتيجي معها، من قيام صيغة سياسية في لبنان تحضن مشروع قيام الدولة والمؤسسات، ومن قيام صيغة لا تؤسس للفساد على أشكاله مما يسبب "الانهيار الذي نحن فيه الآن" كما يقول. ولسان حال المسؤول الحزبي يفيد هنا بعناوين كثيرة: من التلميح الى الصيغة اللبنانية الداخلية كصعيد قائم في ذاته ومستقل، الى التصريح بأن الخط الاستراتيجي بما هو الممانعة حيال السياسة الأميركية (والإسرائيلية) باللجوء الى الوسائل كافة، لا يتناقض والتغيير الداخلي. ولعل السيّد في هذا المجال يجري تقويماً واسعاً ويطلق أحكاماً قاسية على مرحلة ما بعد الطائف من زوايا نظر عدّة، وعلى التجربة السياسية والحزبية ككل.
 

حزب ديني لا طائفي

     على أن رئيس المجلس السياسي في "حزب الله" الذي لا تعوزه العدة الفقهية في كل محطات حديثه، ولمزيد من الإقناع بـ"الهوية التغييرية" للحزب داخلياً، يطلق عنواناً بالغ الأهمية إذ يستبطن جديداً بالنسبة الى "الجمهور الخارجي" (خارج الحزب).

فهو بالقدر الذي يميّز بين "الأديان" و"الطوائف"، بين غنى التعدد الديني ومرض الطوائف والطائفيّة، بين التفاعل والحوار الدينيين والمحاصصة الطائفية، يعلن ان "حزب الله حزب دينيّ وليس حزباً طائفيا"، وانه "يرجع الى قيم الدين الاسلامي وينهل منها ولا يمثل طائفة أو مذهباً". ويعتبر أن تحديد "حزب الله" لنفسه على أنه حزب دينيّ وليس طائفياً يفتح أمامه أبواب العلاقة والحوار مع الآخر، المسيحي تحديداً، لأن قيم الدين الاسلامي تلتقي مع قيم الدين المسيحي بينما الانطلاق من موقع طائفي يقود الى صراعات والى إغلاق الأبواب تالياً.

وكي لا يعلَق في الذهن أن تحديد الحزب لنفسه على أنه حزب ديني يقود الى مطالبته بقيام الدولة الدينيّة في لبنان، أي الجمهورية الاسلامية مرّة أخرى، يحرص القياديّ البارز على أن يوضح فوراً أن البديل من الصيغة الطائفيّة في لبنان دولة ونظاماً، هو "الدولة المدنيّة". وإذ يلفت إلى أن ثمة اعتبارات كثيرة، أهمّها أن لبنان بلد متعدّد لا يسمح بقيام الجمهورية الإسلامية، يؤكد السيّد ان قيم الدين هي "قيم مدنية" وفق كل المقاييس لأن الدين يتمحور حول الانسان وحقوق الانسان والعلاقات الاجتماعيّة، حتى أن "الشرع الإسلامي" هو تشريع لقضايا مدنية في المطاف الأخير.
 

"الدولة المدنية" و"قيم الدين"

     إذاً بحسب المسؤول الحزبيّ البارز، فإن "حزب الله الدينيّ" يرى ضرورة قيام "الدولة المدنيّة" المستندة الى قيم الدين المدنيّة، وهي قيم مشتركة بين الأديان، ممّا يجعل هذه القيم الدينية مرجعاً للقوانين المدنية، وهو لا يعني جعل الدين الإسلامي مصدر التشريع المدني، بل هو يشدّد على أن "الدولة المدنيّة" بهذا المعنى، هي الدولة فوق الطوائف، ولأنها كذلك "يمكننا بناؤها مع كل الأديان وإذ ذاك لا يعود مهماً بالنسبة إليّ من أي دين يكون هذا الرئيس أو ذاك، ذلك المسؤول أو غيره طالما أن القيم المدنيّة للدين تحكم".

تلك كانت الخطوط العريضة للمقاربة الجريئة التي قام بها السيّد ابراهيم أمين السيّد، والتي أسندها الى مفاهيم ومصطلحات فقهية كثيرة. غير أنها، وفي حدودها الراهنة التي تفتح النقاش وتستثير أسئلة كثيرة، انمّا تعكس في واقع الأمر تفكيراً يخطئ "حزب الله" إذا لم يبادر الى إعلانه (جعله علنياً)، تماماً لأنه يشكّل نقطة قوة لصالحه، ذلك أن بقاء هذا النوع من التفكير ضمن جدران أربعة يبقيه في دائرة الحذر والهواجس والخوف، حتى لو أن هذا النوع من التفكير قد يضع "حزب الله" في مواجهة مع أطراف عديدين مما يسمى "الطبقة السياسية" بما في ذلك "حلفاء" مفترضون له. وفي مطلق الأحوال، تستحق مقاربة السيّد ابراهيم نقاشاً معمّقاً، لأنها تتلمّس ليس فقط "الداخل اللبناني" بل الهوية الداخلية للحزب نفسه.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic