أيام حزب الله “السوداء” حيث الموت كالقلادة في عنق الفتاة

 جهاد بزي
جريدة السفير (لبنان)
الأربعاء، 25 شباط «فبراير» 2004

     سأل زين العابدين زينب أن “عمتاه أعطني سيفا وعصا”. فأما السيف فليحارب به إلى جانب والده الحسين وقد قتل أخوه أبو الفضل العباس وكل أصحابه... وأما العصا فليتوكأ عليها بينما يقاتل بالسيف. 

كان الشيخ المقرئ ليختم هنا... فالصورة ذروة للسيرة التي تتلى في الليلة الثالثة من عاشوراء في قاعة سيد الشهداء في الرويس. وقد ارتفع صوت الجالسين ارضا يسندون رؤوسهم إلى أكفهم. إرتفع صوتهم بالبكاء في هذه القاعة الهائلة الحجم والمجهزة بكل التقنيات الحديثة لتنقية الهواء، والمجهزة بالإضاءة والصوت الممتازين، إضافة إلى الديكور العاشورائي المتقن والشاشة الكبيرة التي تنقل إلى الصفوف الخلفية صورة واضحة للشيخ المقرئ، وقبله لأمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله يلقي درسه في معاني الذكرى. 

كان الشيخ ليختم تلاوته للسيرة عند العصا والسيف. فالمشهد مكثف. يجمع الحسين وشقيقته زينب وولده المريض في لحظة وداع أخيرة ثقيلة الوطأة... لكن الشيخ أكمل. فالحسين الذي لم يكن يريد لولده المريض ان يحارب كان يشاء الحفاظ على ذرية أهل البيت من بعده... وزين العابدين كان حتى تلك اللحظة ثاني آخر رجالها بعد مقتل كل صحابة الإمام الثائر ومقتل شقيقه ابو الفضل العباس ومصرع ابنه الرضيع عبد الله. ماذا حدث؟ 

قال الشيخ: “كانت آخر وصية للحسين أن قال لابنه: “بلغ شيعتي عني السلام”. وانهار الشيخ على منبره يجهش بالبكاء... ومعه راحت أكتاف الرجال المتشحين بالسواد تهتز بعنف وهم ينتحبون... ومن أقصى يمين القاعة، من المساحة المحجوبة عن الأعين بستار خشبي أسود، علا صراخ مكتوم ما لبث أن صار نحيبا متشجنا لامرأة بدت كمن علمت لتوها بخسارتها لعزيز عليها... لشقيق أو لأب أو لابن... وكان الشيخ قد تفوق على نفسه حين وصل إلى مثل هذا الختام... فبعد اكثر من 14 قرنا على الملحمة المتوارثة جيلا بعد جيل ها هو يحكي بلسان الشهيد يخاطب الجالسين على الأرض المفروشة بالسجاد الإيراني: “بلغ شيعتي عني السلام... وقل لهم إن أبي قتل غريبا في الطفوف... وقضى شهيدا فابكوه. شيعتي مهما شربتم من عذب ماء فاذكروني... او سمعتم بغريب أو شهيد فاندبوني”. 

ليس مستغربا بعد هذا أن يصفع الشاب وجهه مرة بعد مرة كمن لا يصدق أن ما حدث قبل قرون قد حدث... وليس مستغربا أن ينهار باكيا لشعوره بالعجز أمام حقيقة دامغة تقول إن رأس الحسين فصل عن جسده في ذاك اليوم المشؤوم، وإن زينب، حفيدة الرسول، أخذت سبية إلى الشام... ومعها إمام محموم لم يقتل لأن عليه ان يكون جدا لبقية الأئمة المظلومين من بعده... وللمهدي المنتظر “عجل الله فرجه”... المهدي الذي كلما ذكر اسمه تحركت الراحات اليمنى تلقائيا لتوضع على الرؤوس إحتراما لمن “سيملأ الارض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا”... 
 

الموت زينة

     حين يصل البكاء إلى اقصاه، وحين يسير فتى بين الشبان والمراهقين يوزع المحارم عليهم، فهذا يعني أن مجلس العزاء وصل إلى نهايته... بعدها سيخفت صوت الشيخ تدريجيا وهو يرفع يديه بالدعاء للمؤمنين والشهداء وللإنتفاضة في فلسطين وللمقاومة الإسلامية في لبنان و”للسيد القائد” الخامنئي وللأمين العام السيد حسن نصر الله... إنتهى مجلس العزاء... كان تتمة مشحونة بالمشاعر لدرس عقلاني ألقاه نصر الله. 

نصر الله يصعد إلى المنبر على وقع قبضات تتماوج في الهواء لجمهور يهب وقوفا ما أن يسمع اسمه: “يا الله يا الله... إحفظ لنا نصر الله”. ونصر الله يخطب في خليط شيعي يبدأ بالأطفال وينتهي بالشيوخ... ويبدأ بمتدينين عاديين او اقل تدينا مما نظن، وينتهي بملتزمين لا غبار على التزامهم التام. المناسبة، مناسبة “إنتصار الدم على السيف”، ومناسبة البراءة المطلقة من الذل تستدعي أن يخصص السيد قسما طويلا من عظته لشرح معنى الموت للمؤمنين. كان الحسين قد شبه الموت بقلادة على عنق فتاة... والتشبيه ليس إعتباطيا بحسب السيد. الموت في هذا التشبيه جميل. الموت زينة للمؤمنين كما القلادة زينة للنساء. ويثق السيد بنفسه حين يحكي في الشهادة... “فنحن والحمد لله كرسنا هذا المفهوم طوال العشرين سنة الماضية وكان إقبال الشهداء على الموت كإقبال الظمآن على الماء”. 

الأولاد الجالسون في الصفوف الخلفية يلتهون عن الدرس ببعضهم وبضجتهم. أما المراهقون الأكبر سنا فينصتون. بعضهم ارتدى البزة السوداء التي يرتديها شبان الحزب في مناسباتهم ووضع الكوفية الإيرانية حول عنقه. البعض الآخر لف الكوفية على رأسه. البعض الثالث هو الذي لا يمكن تمييز انتمائه الحزبي من ثيابه. هو ذاك العادي ذو الشعر المرتاح إلى حداثة الموضة وإلى ثياب سوداء بماركات عالمية. أما الأكثر جدية، فأولئك الذين أوكلت إليهم مهمات تنظيمية داخل المجمع. يشعرون بأهميتهم الخاصة وهم يقفون متأهبين يراقبون كل ما حولهم وملامحهم تحاول إلى حد بعيد محاكاة ملامح مرافقي السيد الخاصين والخالية من أي تعبير. هؤلاء ليسوا مجرد جمهور. هم، بشكل أو بآخر، أصحاب مهام... هم “حزب الله”. 
 

أسد الله

     مع نهاية تلاوة المجلس ينقسم الجمهور إلى قسمين... قسم يبقى ليلطم وآخر يغادر. يصل المغادرون إلى آخر سجادة تفصلهم عن باب الخروج. يمزق كل منهم الكيس الأسود الذي وضع حذاءه فيه وحمله حين دخل... من النادر ان نرى صفا في لبنان، أمام القاعة كان الناس ينتظمون في ثلاثة صفوف مهذبة منذ السابعة مساء. فيما مضى كان التفتيش يدويا... لم يعد كذلك. الأقواس الإلكترونية الكاشفة للمعدن تنتصب بفخر بينما يدخل الرجال من تحتها إلى القاعة. الذكرى حزينة... لكن الحياة في هذه الأيام العشرة تدب ليلا في أوصال الضاحية الجنوبية كما لا تدب في أي من لياليها الثانية. ومع أن اللون الأسود يوحد الجميع... إلا أن هذا النشاط الإجتماعي يترك إنطباعا بسعادة ناشطيه وهم يتحركون في زمر متشابهة... شقية تتألف من مراهقين، متزنة من رجال، او خجولة من نسوة محجبات يتجنبن التلفت بينما يدلفن إلى الباب المخصص لهن إلى القاعة. وفي الشارع المغلق مؤقتا من طرفيه تزدهر أعمال مطعم الساندويشات والسوبرماركت وسيارة الأكسبرس تبيع القهوة... كما تكثر الحركة في المحل المقابل تماما لبوابة المجمع... وهو واحد من المحال المتخصصة ببيع لوازم المؤمنين وأنصار حزب الله من كتب وكوفيات إيرانية وشرائط تسجيل لطميات وعلاقات مفاتيح تحمل صور القادة وشعار حزب الله وغيرها... وأمام البوابة ايضا، تنتصب لوحة تنقسم إلى ثلاثة أجزاء... في الجزء العلوي رسم لما يتعارف عليه بأنه رسم الإمام علي يحيط به سيفا ذو الفقار. تحته مباشرة صورة لوجه أسد... وتحت الصورتين صورة لوجه السيد حسن نصر الله وقد كتب في اسفل اللوحة المركبة: أسد الله الغالب. 

ليس بعيدا عن المحل انشأ ولدان تجارتهما الخاصة. طاولة صغيرة جدا رصفت عليها نسخ عديدة من صور بعينها. رسوم تمثل الملحمة وأخرى للقادة... لنصر الله الحصة الأكبر من هذه الصور. والولد على ما يبدو تاجر فاشل، فهو يبيع كل عشر صور بألف ليرة. 
 

في مديح “السيد”

     آخر الباقين في القاعة هم المستمعون إلى “اللطمية”. وهم يشاركون المنشد في تكرار اللازمة معه والضرب الإيقاعي على الصدور. ينتظمون في دوائر أو في صفين متقابلين ويتوسطهم الأكثر خبرة في اللطم ينظم إيقاع الضربة على الصدر. يميلون بأنصاف أجسادهم العلوية إلى الأمام بشدة بينما ترتفع سواعدهم عاليا، ومع إستواء أجسادهم تكون الأكف قد هوت على الصدور... وهكذا في تواتر منظم يخضع للصوت الحزين للمؤدي... و”الرادود الحسيني”، كما يسمى، أدى لطمية حزينة عن ابو الفضل العباس ألحقها بأخرى سريعة وصارخة بعض الشيء يقول فيها: قسم بالله... سيبقى الحزب حزب الله. قسم بالله... سيبقى العهد نصر الله. ثم استفاض في كيل المديح الشعري للسيد نصر الله. 

اللطم اساس في عاشوراء. وحزب الله الذي لا تفوته شاردة خصص زاوية إلى يسار باب الدخول حيث اصطف شبان خلف طاولة يسجلون اسماء الأولاد بين التاسعة والرابعة عشرة من عمرهم ممن يشاؤون المشاركة في مواكب اللطم في اليوم العاشر. وزاوية التسجيل التي تلقى زحمة رؤوس صغيرة لا بأس بها كانت تفرج بين لحظة وأخرى عن ولد جديد يحمل في يده بطاقة خضراء كتب عليها اسمه يضعها في مغلفها البلاستيكي ليعلقه بفخر على صدره في المسيرة الحاشدة حتما يوم الأثنين المقبل. 

قرابة الحادية عشرة ليلا، كانت الطريق مقفلة عند طرفيها تعج بالمشاة يغادرون أفواجا إلى بيوتهم. أرض الشارع شبه مغطاة بأكياس النايلون الممزقة... كذلك الباحة المؤدية إلى داخل القاعة... 

قرابة الثانية عشرة ليلا، كان عمال شركة سوكلين يجهدون في إزالة مئات الأكياس. 

ليل اليوم سيكون، إلى حد ما، شبيها بليل الأول من أمس. هو ليل يتكرر عشر مرات من كل سنة في الضاحية الجنوبية... وفي العاشر تفيق الضاحية صباحا لإتمام مراسم الذكرى... 

مجرد ذكرى؟ ليست كذلك. عاشوراء ليست مجرد تقليد سنوي. إسألوا عنها قائد الثورة الإسلامية الإمام الراحل آية الله الخميني... كان قد عوّل على هذه الأيام العشرة... وبشدة.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic