كتاب مفتوح إلى الرئيس نبيه بري

جبران عريجي
جريدة السفير (لبنان)
الخميس، 26 شباط «فبراير» 2004
جبران عريجي

دولة الرئيس 

تحية الصداقة والاحترام، وبعد 

كان من الأفضل، يا دولة، الرئيس، ان لا تقفل دُرجك على المعاهدة التي احيلت الى مجلس النواب... والتي تقضي بانضمام لبنان الى “المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة”، وتدعو الى “جعل الثقافة الإسلامية محور مناهج التعليم في جميع مراحله ومستوياته، وإضفاء الصبغة الإسلامية على مظاهر الفن والثقافة والحضارة”، برغم تقديرنا للخلفيات الوطنية التي حكمت قرارك، وأنت الساهر على وحدة الوطن وتلاقي بنيه. 

إنها، يا دولة الرئيس، فرصة نادرة، قد تكون الأولى في لبنان، لحسم المسألة فكريا وثقافيا، بدلا من إخمادها سياسيا، وإبقاء نارها تأكل العقول والقلوب، وتزرع الخوف هنا والشك هناك، فيسجَّل عليك أنك أرجأت الحرائق ولم تطفئها. 

فالسياسة الرائدة، وأنت من أسيادها، لا تكون في تجنّب ما يثير الجدل، بل في اقحام العقل في المسائل المعقّدة، فينكشف للجميع ما فيها من حق ومن ضلال. لذا كان الأجدى لو طرحت 

المعاهدة المذكورة للنقاش في مجلس النواب، وفي الاعلام وفي المنتديات الفكرية، فيعرف الناس الحقائق وينتفي الهمس، وتخرج السموم التي في الصدور، وتستقر الحال على نور اليقين. 

دولة الرئيس 

كمواطن من هذه الأرض، علماني، مسلم لرب العالمين بالمسيحية والمحمدية، مؤمن بأن اقتتالنا على السماء أفقدنا الأرض، أرى في المعاهدة مناسبة لحوار مسؤول، عقلاني، مسكون بهاجس بناء وطن لا يتمزّق كل عشرين سنة بحجة الخلل في التوازنات الطائفية، والتعايش المنافق، والصيغة “الفذة” التي لا تنتج إلا شللا وأزمات وويلات. 

وإذا كنا قد درجنا في تاريخنا الاستقلالي على الخوف من مقاربة المسائل البنيوية الخطيرة، وطمرها تحت رماد التوجس فلا يلامسها حوار، فأنت وأنا وكل ذي بصيرة نعرف ماذا جنينا من هذا الأسلوب الذي يخبئ الألغام فلا يعطلها. وجميعنا يعرف كيف حوّلت تلك الألغام بلادنا الى مقابر، وشوارعنا الى متاريس، وقلوبنا الى “فقّاسات” عقارب وثعابين. 

والخبرة تعلّمنا ان الكلام المكشوف الناصع أفيد من الغرائز المكبوتة. 

والقول عندي واحد، لو كانت المعاهدة تقضي بانضمام لبنان الى “المنظمة المسيحية للتربية والعلوم والثقافة” (لو وُجدت) وتطالب “بإضفاء الصبغة المسيحية على مظاهر الفن والثقافة والحضارة”. هذا.. حتى لا يقع أحد في التباس، ولا يذهب الخيال الى أي استنتاج مشبوه، فأنا لست ممن يقرأون بعيون الطائفيين والمذهبيين والنافخين بنار العصبيات القاتلة. 

دولة الرئيس 

السؤال عندي، والذي أطرحه على أهل العقل والعلم والرؤية والصفاء الوطني، والذي أريده مادة لحوار هادئ ورصين بين النخب والغيارى على الوطن والمستقبل، السؤال عندي هو: أي ثقافة إسلامية (او مسيحية) يجب ان نجعلها محور مناهج التعليم، وان نصبغ بها الفن والحضارة؟ 

فإذا كانت الثقافة هي القيم المادية والروحية التي تولّدها المجتمعات عبر التاريخ، والتي تتجسد في أنماط متكاملة من الفهم والإبداعات والسلوك، فهل يمكننا الحديث عن ثقافة إسلامية او ثقافة مسيحية في ضوء الفروقات الضوئية في فهم الإسلام والمسيحية، وفي التعبير عنهما عبر العصور، وفي كل عصر؟ 

ألا ترى معي ان الإسلام اليوم، كما عبر التاريخ، “إسلامات” وان المسيحية “مسيحيات”، وان أزمة فكر وفقه وثقافة ومصطلحات ومرجعيات وسلوك وممارسات تحكم الإسلام كما تحكم المسيحية؟ 

فأي ثقافة إسلامية نصبغ بها الفن والحضارة؟ 

ثقافة نور الرسالة ونقائها أم ثقافة ما بعدها،.. يوم أفسدت السياسة والمصالح صفاء الدعوة وحوّلتها حصصا تتقاسم وغنائم تتناتش؟ 

ثقافة أبي العلاء المعري والمأمون وابن رشد أم ثقافة بن لادن؟ 

ثقافة أفغانستان وباكستان، أم ثقافة الإسلام السعودي، أم ثقافة الأزهر أم ثقافة الإسلام الإيراني؟ 

ثقافة الإسلام العثماني، أم ثقافة الإسلام العلماني التركي والتونسي، أم ثقافة الإسلام الافريقي؟ 

وفي لبنان هل نصبغ الفن والحضارة بثقافات الطوائف، أم المذاهب، أم الملل والنحل، أم بفتاوى الفرق المفارقة الى عقائد التكفير وقتل الآخر؟ 

وفي المسيحية نسأل: هل مسيحية بوش هي نفسها مسيحية الحبر الأعظم؟ 

وهل المسيحية البروتستانتية، بكل تشعباتها وكنائسها، هي نفسها المسيحية الأورثوذكسية او الكاثوليكية؟ 

وهل مسيحية من صفع المطران غريغوار حداد هي نفسها مسيحية البطريرك صفير؟ 

ثم نسأل: وهل آلاف، بل ملايين القتلى الذين سقطوا في صراعات “الإسلامات” و”المسيحيات” المتناقضة عبر التاريخ هم تعبير عن ثقافة إسلامية او ثقافة مسيحية واحدة؟ 

وقبل هذا وبعده نسأل: أين،.. ومن هي المرجعيات الدينية التي تستطيع ان تحتكر النطق باسم “الإسلامات” و”المسيحيات” المتعددة والمتناقضة،.. حتى نحتكم إليها ونعتمد توجهاتها؟ 

وأين،.. ومن هي المرجعيات الدينية التي تراقب بعض من يعلّمون الدين في المدارس والبيوت، فيسمّون العقول والقلوب بدلا من تنقيتها وتقريبها من الله؟ 

وأبعد من هذا نسأل: هل ثمة فهم واحد للثقافة الإسلامية عند رؤساء الدول الإسلامية الذين اقترحوا إضفاء الصبغة الإسلامية على مظاهر الفن والحضارة؟ 

أفلم يكن أولى بهم، وبمستشاريهم، ان يحددوا ملامح هذه الثقافة ويوحّدوا رؤيتهم لها، فنرى ونتعلّم ونستفيد؟ 

يا دولة الرئيس 

إن الدين بطبيعته إنساني عالمي. والإسلام، كما المسيحية، اعتنقته شعوب من مشارق الأرض ومغاربها، فكان مكونا من مكونات ثقافة كل شعب، ولا يعكس. وبهذا المعنى يصحّ الكلام عن ثقافة عربية من روافدها الإسلام، ولا يصح الكلام عن ثقافة إسلامية من مكوناتها العروبة. وبهذا المعنى، فإن الحديث عن ثقافة إسلامية او مسيحية هو من خارج قوانين العلم والحقائق الاجتماعية الثابتة. 

دولة الرئيس 

لعلك أقفلت الدُرج على المعاهدة لحكمة منك، ونحن نرى لهذه الحكمة ان تتعمم، وان تأخذ طريقها الى النسيج الاجتماعي العام. إذ من الأنجع ان تُثار الأسئلة حولها من ان تبقى مطمورة في الصدور؟ وان تطوى المعاهدة تحت وضوح الأجوبة العقلانية الراقية بدلا من ان تطوى منعا للأسئلة والأجوبة؟ 

دولة الرئيس 

أنت تعرف، ونحن نعرف، والعالم يعرف ان في لبنان اليوم (ناهيك عن محيطه والعالم) ألف إسلام وألف مسيحية.

أنت تعرف، ونحن نعرف، ان في لبنان مسلمين يرون في المسيحية كفّارا يجب اقصاؤهم، وان في لبنان مسيحيين، مشبعين بالعقيدة اليهودية وبالتاريخ الصليبي، يرون في المسلمين ندا يجب القضاء عليه. 

وأنت تعرف، ونحن نعرف ان هؤلاء يتشرّبون هذه المفاهيم في البيوت وفي المدارس علنا ولا رقيب ولا حسيب. 

إن وحدة الحياة والمجتمع هي قضيتك وقضية المؤمنين بلبنان وطنا للتعدد المتفاعل الخلاق. ولكن، كيف نحقق هذه الوحدة في ظل التعدد المتناقض والمتحارب بين الطوائف، وفي داخل الطائفة الواحدة إن لم نواجهها بقوة العقل وصراحته؟ 

وحدة الحياة يا دولة الرئيس لا يحققها إلا أهل عقل ورؤيا، وأهل ايمان بيسوع رسول محبة وغفران، وبمحمد رسول سماح ورحمة. أما الدخلاء على يسوع ومحمد، المسلحون بعقيدة القتل والكراهية، فهم أعداء لبنان وأعداء المسيحية والإسلام. 

ولأنك يا دولة الرئيس مسكون حقا بالخوف على مسيحية يسوع من ان تفترسها المسيحية المتصهينة، وعلى إسلام محمد من ان يفترسه الإسلام الوثني، أدعوك الى ان تُخرج المعاهدة من الدُرج، وتطرحها على العقل والعقلاء، فتجيء الأجوبة صافعة للحاقدين والمتعصبين، ويسجَّل لك انك، للمرة الأولى في لبنان، عطّلت اللغم وأبطله المجتمع، ولم يسمح له بأن يختار زمانه لينفجر في الناس والوطن والمستقبل.

* رئيس الحزب السوري القومي الإجتماعي

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic