وأخيراً تمكنّا من التقاط الفضائية "الحرة" الأميركية التي تصدر بطبعة عربية، وبلكنة عربية، وبجهاز تقريباً عربي.
وصادف أن التقطنا هذه المحطة في الفترة الإخبارية (العالمية)، وهناك "أمعنّا" السمع، وأصغينا، لنتبيّن سياسة الأخبار (ولو كنّا نعرفها سلفاً)، والجوانب المهنية من إعداد وتقديم وتصوير وريبورتاجات ومراسلين وإيقاع...
اتضح لنا، ولو تقريبياً، (عدنا وحضرنا الأخبار مرات كشهود وكمتفرجين) أن "الحرة" لا بد أن تستحق صفة "الحرة" فالاسم يصير نعتاً أحياناً، والنعت يصير اسماً، والنتيجة واحدة، لأن المصدر واحد.
فالفضائية هذه جاءت من ضمن استراتيجية نقدية ضد بعض الأنظمة العربية التي لا ترضى عنها الولايات المتحدة الأميركية كلياً أو جزئياً، وجاءت أيضاً للترويج لنجاح "سياستها" الاحتلالية في العراق، ومدى البحبوحة والحرية والديموقراطية والعقلانية والوطنية التي بات يتمتع بها الشعب العراقي، بعد غزو القوات الأميركية أراضيه. هذه هي استراتيجية يبدو أنها بعيدة المدى.
فالنموذج العراقي الذي صار كانتونياً وكرتونياً، على قاعدة بدعة فيديرالية طائفية واثنية، والذي يهدد (كما يقول الأميركيون أنفسهم) باندلاع حرب أهلية، لا بد له، وبمساعدة "الحرة" من أن يعمم على أنظمة تختار بعينها، أي أنظمة، في نظر بتوع العم سام، تفتقد الحرية والديموقراطية وتمتهن فيها الكرامات وحقوق الإنسان... أما من تكون هذه الأنظمة؟ وإذا سمّيت اليوم فهل ستتغيّر غداً (نستحضر مسألة القذافي وكيف تحوّلت علاقته بواشنطن من صقيع الى دفء، ومن عداء الى صداقة، ومن نفور الى تفهّم)، فهذه أمور تحدّدها الأفلاك والمصالح والمغانم والشركات والأموال ونهب الثروات.
نعود الى "الحرة". سياستها مفهومة، عال! لكن ماذا عن وسائل تعبيرها: التقنيات، المهنية، والإيقاع...
ما زالت تفتقد "الحرة" من خلال ما شاهدنا الى التقنية الصحافية، والرشاقة، الاحتراف. وقد يكون طبيعياً، أنه في فترات البث الأولى، لا بد أن تعاني ضعف الإمكانيات المهنية عند المذيعين، وعند المعلّقين، وحتى في البرامج الحوارية. فالصيغ هي نفسها، التي تعودناها في "الجزيرة" و"العربية" وفضائية "دبي" و"أبو ظبي" وسائر الفضائيات. لكن هذه الفضائيات اكتسبت حداً معقولاً من المهنية، ومن إدارة الأخبار، والأحداث، والندوات. في حين ما زالت "الحرة" في البدايات، وهذا قد يتطلّب أشهراً لترسيخ الصورة الثابتة، في ضبط الإيقاع العام للبرامج.
أما التقنيات فيبدو أنها مقبولة ولا تقل عما هو موجود في سائر الفضائيات العربية لكن الى أي مدى يبدو استخدامها متقناً وحياً وجمالياً، أي الى أي مدى يلبي العاملون (من تقنيين ومذيعين) الحاجة الى تقديمات تغذي الصورة التلفزيونية وجمالياتها وضروراتها وإلحاحاتها؟ بل كأن ثمة انفصالاً ولو نسبياً بين التقنيات وبين المولجين بها، على مختلف الصعد. فالتقنيات لا تمشي وحدها. تحتاج الى من يدوزنها، ويضبطها ويكيّفها، ويرشدها، ويؤهلها...
أما الإيقاع فهو الطامة الكبرى: تطويل في الأخبار، وتشوّش في الاختيار، وفي التركيب. والتطويل يوحي أو يفرض نوعاً من البلادة في البث، يستدعي مللاً. فالنشرة أياً كان حجمها، لا بد أن تخضع لإيقاع ما، سريعاً كان أو متسارعاً، أو فلنقل "رشيقاً" وهذا ما تفتقر إليه "العالمية". ونظن أنه، حتى الآن، ما زال كل شيء في "الحرة" بلا إيقاع، ولا ضبط، أي كل شيء مشتتاً، ويحتاج الى كلمة تقنية وإيقاعاتية ومهنية.
الشيء الآخر الذي يلفت أنه إذا كانت "الحرة" قررت "الفصحى" العربية كلغة "رسمية" فالأجدر أن تؤهل مذيعيها ومقدمي برامجها تأهيلاً "لغوياً" أولياً. لا نطلب منهم أن يكونوا فقهاء لغة أو علماء، ولكن أن يمتلكوا الحد الأدنى من النطق السليم (المخارج)، ومن عدم تهشيم القواعد. فبعضهم يرتكب أخطاء رهيبة في النطق وفي التشكيل خصوصاً في الارتجال.
على كل بدأت "الحرة" وتلزمها "تحرر"، وبدأت "الحرة" ويلزمها تأهيل تقني وبشري... ولغوي! ومع هذا سننتظر الى أين ستؤدي حرية "الحرة" في هذا العام الملتبس الذي يتحكم به قطب امبراطوري واحد، نشكره لأنه تواضع وفتح محطة فضائية لنشر أحاديثه ومبادئه المعروفة، وتعليمنا معاني الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان، وان لم يبدأ لا من كوريا ولا من العراق ولا من كوانتنامو.