كما في الطب كذلك في الإرهاب.
في الطب هناك ما يعرف بعلاج "الرحم بالإيجار". بمعنى أن تؤجر امرأة ما رحمها لحمل جنين ملقح اصطناعياً من بويضة امرأة أخرى لا تستطيع ـ أو لعلها لا تريد ـ أن تتحمّل تبعات الحمل ومضاعفاته.
وفي الإرهاب هناك ما يعرف بعلاج "القتل بالإيجار" بمعنى أن يقوم رجل (أو امرأة) بعمل انتحاري ضد هدف محدد في دولة معيّنة بمساعدة من جهة لا تربطها بالانتحاري أي علاقة سوى العداء للضحية.
لعل آخر مثل على ذلك، العملية الانتحارية التي وقعت قرب البرلمان الروسي في موسكو. لقد قام بالعملية رجل من الشيشان يعصر قلبه الغضب والحقد على السياسة الروسية في بلاده. ولكن ما كان له أن يتمكن من تنفيذ تلك العملية التي ذهب ضحيتها عدد من عابري السبيل الأبرياء من المواطنين الروس لو لم توفر له التمويل والمساعدة اللوجستية اللازمة منظمة المافيا التي تطاردها السلطات الروسية.
لقد استغلّت المافيا الروسية حاجة شيشانية للانتقام، فكانت العملية الإرهابية في موسكو. لم توسخ المافيا يديها الوسختين أصلاً والتي تقطر بدماء الأبرياء الروس الذين تنهب خيراتهم وتمتصّ أرزاقهم. ولم تحقق القضية الشيشانية سوى مزيد من المضاعفات التي تنعكس سلباً على التعاطف الدولي معها.
ان المرأة التي تؤجر رحمها، تعتقد أنها بما تحصل عليه من أجر، سوف تحقق لنفسها السعادة التي تنشدها. ولكن سرعان ما يتبيّن لها أنها لا تحصل إلا على سعادة وهمية. وان هذه السعادة تؤدي فيما بعد الى أشدّ أنواع الشقاء والتعاسة في أمومة كاذبة.
كذلك الأمر بالنسبة للرجل (أو للمرأة) الذي يبيع حياته للقيام بعمل إرهابي يؤدي الى قتل النفس التي حرّم الله. فهو يعتقد أنه يخدم بذلك قضيته الوطنية عن طريق التحالف والتعاون حتى مع الشيطان، ولكنه لا يحقق لقضيته سوى مزيد من ردّات الفعل السلبية فيما يحصد الشيطان وحده كل المكاسب!!
حصل ذلك من قبل في أفغانستان عندما كانت ترزح تحت الاحتلال السوفياتي. فقد استطاعت المخابرات الأميركية تشكيل حركة الطالبان ومن ثم تحريضها لشنّ الحرب على المحتل. وزوّدتهم بالمال والسلاح وبالتغطية الإعلامية وأغدقت عليهم لقب "المجاهدين الأفغان"، حتى إذا قضى الأميركيون منهم وطراً، وهُزم السوفيات وانسحبوا، تخلّوا عنهم كما يتخلى المرء عن ليمونة معصورة. فكان رد الفعل، تلك السلسلة الطويلة من الهزات الارتدادية التي ضربت دولاً إسلامية متعددة، خصوصاً في الجزائر ومصر والباكستان، ثم في الولايات المتحدة نفسها، حتى وصلنا اليوم الى ما نحن فيه من بؤس وشقاء، ومن قلق واضطراب، تماماً كالأم بالوهم التي يُنتزع منها جنينها بعد أن تنتهي فترة تأجير رحمها.
تعرف أجهزة المخابرات وحتى منظمات الجريمة العالمية كيف تلتقط مشاعر الكراهية. وتعرف كيف تصطاد أصحاب هذه المشاعر من المؤمنين الأبرياء والسذّج، ثم كيف تسخرهم ـ من حيث لا يدرون ـ للقيام بعمليات تخدم مصالحها وأهدافها فيما توهمهم أنهم بذلك يحسنون صنعاً لأنفسهم ولقضيتهم!! ومن يدري فقد تكون جريمة 11 أيلول ـ سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن نتيجة من نتائج هذه السياسة. وقد تكون جرائم الرياض والدار البيضاء وقبل ذلك جرائم الجزائر والأقصر في مصر مظاهر أخرى لجرائم "القتل بالإيجار".
لا نعرف أي مجتمع سيقوم من خلال ممارسة "الرحم بالإيجار"، ولكن من الواضح أن ممارسة "القتل بالإيجار" أدّت حتى الآن الى أبشع النتائج وأكثرها وحشية، من نيويورك وواشنطن حتى موسكو، ومن بالي في أندونيسيا حتى الدار البيضاء في المغرب.
ان انتهاك حقوق الناس والاعتداء على مقدساتهم وكراماتهم جريمة لا يمكن أن تغطيها جريمة توظيف مشاعر استياء هؤلاء الناس من خلال استدراج بعضهم الى القيام بعمليات إرهابية مدمرة، لحساب فريق ثالث.
من هنا فإن الإرهاب ليس سيئاً في حدّ ذاته فقط، ولكن أسوأ ما فيه أنه غالباً ما يستبيح حياة الفاعل والمفعول به لخدمة أهداف لا علاقة لأي منهما بها. فالطرفان يخرجان من العمل الإرهابي خاسرين.. الأمر الذي يتطلب دوماً البحث عن الطرف الثالث!!
د. محمد السمّاك، أمين عام اللجنة الوطنية للحوار الإسلامي-المسيحي (لبنان)