ماذا تنتظر القيادات الفلسطينية؟!

ماجد كيالي
جريدة المستقبل (لبنان)
الجمعة، 27 شباط «فبراير» 2004
ماجد كيالي

     باتت إسرائيل تتحرك ضد الفلسطينيين بحرية واسعة، أكثر من أي وقت مضى، فهي تستفرد بهم وتحاصرهم وتمعن فيهم قتلاً وتدميراً، وهي توسع نشاطها الاستيطاني بصيغة النقاط "العشوائية"، وتقتطع مساحة كبيرة من الأراضي المحتلة، في شرق الضفة وغربها، في إطار "جدار الفصل العنصري".

اما على الصعيد الخارجي فتتمتع إسرائيل بجبهات يسودها الهدوء المطلق! وبلغ التحالف بينها وبين الولايات المتحدة، في عهد إدارتي بوش وشارون، أكثر مما بلغه في أية مرحلة.

وبالتوازي مع ما تقدم، فإن إسرائيل تقوم يومياً بصنع معادلات ووقائع على الأرض، تمكّنها من فرض املاءاتها ومخططاتها على الفلسطينيين ولو من طرف واحد، وهو ما أفصح عنه شارون مؤخراً، في محاولته للتملّص من استحقاقات خطة "خريطة الطريق" بعد ان دفن نهائياً اتفاقات أوسلو.

في مقابل ذلك يعيش الفلسطينيون في حال من الاضطراب والفوضى السياسية والميدانية، فهم لا يمتلكون أية مخططات عملية، قابلة للتنفيذ، وحتى انهم لا يمتلكون القدرة على وقف المخططات الإسرائيلية، تماماً، خصوصاً انهم، من الأصل، يعملون في إطار معادلة صراعية جد مجحفة، فثمة فجوة نوعية وكبيرة لصالح إسرائيل: في موازين القوى، وفي مدى السيطرة الإقليمية، وفي مستوى الإدارة، وفي المعطيات الإقليمية والدولية، كما قدمنا.

اما عنصر التفوّق الذي يملكه الفلسطينيون، في هذه الظروف المختلة والمعقدة، فيتمثل، فقط، في عنادهم وتضحياتهم وبطولاتهم، وعدا ذلك فهم لا يملكون إلا طرح الشعارات وخوض المجادلات السياسية والتسلّي بالمبادرات المتعلقة بطرح خيارات مختلفة ومتباينة!

ولعل هذا الوضع هو الذي يظهر كفاح الفلسطينيين بمختلف تجلياته، بدون إنجازات، وكأنه غاية في ذاته، لكأن الغرض منه الاستمرار في الصراع والاستنزاف المتبادل (مع حفظ الفارق)، نظراً لاستحالة تحقيق الإنجازات والانتصارات. في إطار المعطيات الحالية، مهما بلغت التضحيات الفلسطينية.

وهكذا بينما تتقدم حكومة شارون بالتلويح بخطة الانسحاب الأحادي لجانب، الذي يتأسس على ضم نحو 40 في المئة من الأراضي الفلسطينية المحتلة (خلف الجدار)، وترك الفلسطينيين يتخبطون في تحديد مصيرهم وتدبير امورهم في دولة أو "امبراطورية"، في ما تبقى لهم (بحسب شارون)، فإن الفلسطينيين لا يجدون مخرجاً من الوضع الحالي سوى التلويح بخيارات نظرية، تتضمن العديد من الاشكاليات، ضمنها: 1 ـ الاعلان عن دولة فلسطينية من جانب واحد، في الأراضي المحتلة عام 1967، 2 ـ التخلي عن مطلب الدولة المستقلة لمصلحة خيار الدولة "ثنائية القومية". 3 ـ خيار حل السلطة الفلسطينية وفتح الصراع على مصراعيه وترك اسرائيل لتدبر أمورها مع المجتمع الفلسطيني، في هذه الأوضاع.

والواضح ان مشكلة الفلسطينيين لا تكمن في الخيارات، فعدا تعقيدات الصراع ضد المشروع الصهيوني، فإن مشكلتهم تكمن في ضعف تنظيمهم وتخلف ادارتهم لأوضاعهم وعدم استعدادهم للاجماع على أي من هذه الخيارات، في ظل الفوضى الحالية التي تسود ساحتهم، وغياب الأطر التشريعية فيها، وسيادة الروح الشعاراتية العاطفية في الشارع الفلسطيني، وطغيان البعد التنافسي بين الفصائل الفلسطينية لا سيما بين السلطة والمعارضة على حساب المصلحة الوطنية.

عموماً فإن مشكلة الحركة الوطنية الفلسطينية هذه ليست جديدة فهي تعاني الجمود والتكلس في بناها وشعاراتها وطرق عملها وعلاقاتها الداخلية والخارجية. وأصلاً فهي (على الرغم من خبراتها وخبرائها) لم تبد ميلاً لمراجعة أحوالها، على الرغم مما حصل من تطورات وتحولات اقليمية ودولية، في العقد الماضي، يمكن تمثلها بالنواحي التالية:

1 ـ انهيار الاتحاد السوفياتي (السابق) وهيمنة الولايات المتحدة على المجالين الدولي والاقليمي، وتفردها في معالجة الملفات الشرق أوسطية.

2 ـ انكفاء البعد العربي في الصراع مع اسرائيل وتراجع مستوى التضامن العربي، على خلفية غزو العراق للكويت (1990) وتداعياته.

3 ـ اهتمام الدول العربية بشؤونها الداخلية: الاقتصادية والاجتماعية، لمواجهة التحديات الناشئة عن مسارات العولمة والتحديات الخارجية.

4 ـ اطلاق عملية التسوية من مدريد (أواخر 1991) ما جعل الصراع محدوداً، أولاً، بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وثانياً، انه بات يتعلق بمصير الأراضي المحتلة عام 1967، وثالثاً، اقتصاره على المفاوضات والوسائل السياسية والديبلوماسية، وقد نجم عن ذلك انتهاء الدور التقليدي لفصائل المقاومة الفلسطينية في الخارج، بأشكالها وطرق عملها.

5 ـ قيام السلطة، ما حمل الحركة الوطنية الفلسطينية طابعاً مزدوجاً، فهي سلطة وحركة تحرر في آن معاً، على الرغم ما لذلك من تبعات وتناقضات.

6 ـ اخفاق التسوية المتمثلة باتفاق أوسلو (1993)، واندلاع الانتفاضة (أواخر 2000)، نتيجة يأس الفلسطينيين من مماطلات اسرائيل ومحاولاتها فرض الاحتلال والتهويد والاستيطان كأمر واقع.

7 ـ تحول الانتفاضة من حركة شعبية تتوسل وسائل العصيان المدني، الى حركة مقاومة للمحترفين تتوسل العمليات المسلحة، وضمنها العمليات الاستشهادية، ما ادخل الانتفاضة في حال من التجاذب السياسي والميداني. انعكس على صورتها وعلى امكاناتها سلبا، وادخل الفلسطينيين في حال من الفوضى والانهاك، رغم كل العناد والتضحيات التي يبذلونها.

8 ـ التحولات في السياسة الاميركية والدولية الناجمة عن تداعيات الهجوم الارهابي الذي استهدف الولايات المتحدة في ايلول2001، وانعكاسات ذلك سلبا على المقاومة الفلسطينية والصراع العربي، الاسرائيلي، مع بروز سياسة اميركية تدخلية وتغييرية في المنطقة.

9 ـ نشوء واقع دولي جديد يتمثل بتقبل العالم، لضرورة نشوء دولة فلسطينية، مع الرفض المطلق لعمليات المقاومة المسلحة، خصوصاً تلك التي تستهدف المدنيين في المدن الاسرائيلية، لا سيما ان حدث ايلول (2001) في الولايات المتحدة، سهل على اسرائيل وصم المقاومة الفلسطينية المسلحة بالارهاب.

10 ـ احتلال الولايات المتحدة للعراق ووجودها بشكل مباشر في المنطقة، وهو ما يمكن ان يعزز وجود اسرائيل كما يمكن ان يشكل اضعافاً لها في المنطقة، اذ انها لم تثبت جدارتها في الدفاع عن المصالح الاميركية بل انها تبدو يوماً بعد يوم عالة وعبئاً عليها.

اللافت ان كل هذه التحولات لم تجد تمثلاً لها في السياسة الفلسطينية، التي تبدو وكأنها جامدة عند نقطة انطلاقها في الستينيات، في شيء من المكابرة والعناد، ليس لهما علاقة بعالم السياسة وموازين القوى.

واللافت ايضاً انه رغم كل الظروف الحرجة والصعبة فانه لا يمكن تلمس نوع من مراجعة جادة وحقيقية لأحوال الساحة الفلسطينية في الاطر المعنية، فإلى متى؟ وما الذي تنتظره حقاً القيادات المتحكمة في هذه الساحة؟"!

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic