وجوه وشوارع يخفيها الأحمر القاني

 جهاد بزي
جريدة السفير (لبنان)
الخميس، 4 آذار «فبراير» 2004
عاشوراء النبطية
الدماء تقليد نبطاني تاريخي (مصطفى جمال الدين)

     بالكاد يعرف كيف يقف. طفل لم يكمل عامه الأول بعد. خلفه تقف أمه تحيطه بكفيها تحسبا لوقوعه أرضا. وأمامه ينتصب هاتف خلوي. الطفل، الذي ما زال يوصف بالرضيع، يقف مشدوها لهذه الإبتسامات العريضة من كل جانب. يرتدي الأسود من رأسه إلى أسفل قدميه.. وفي رأسه جرح ينزف. لو أن هذا الجرح وقع قضاء وقدرا لركض به أبواه كمجنونين إلى المستشفى. ولكن، وبما أنهما جرحا الرضيع بإرادتهما وعن سابق تصور وتصميم، ففعلتهما تستحق أن يحتفلا بها ويلتقطا ما أرادا من صور بأشد التقنيات تطورا، بالهواتف الخلوية. أما الطفل المسكين فما عليه إلا أن يتفرج على فرحة أهله بهذه الصور بعد تحقيق إنجاز أن يجرحا الرأس الصغير إيفاء لنذر في الهواء الطلق لمدينة النبطية. هذا الهواء الذي شبع برائحة الدم طوال ساعات صباح الثلاثاء الفائت، حيث التقليد سار منذ عقود في هذه المدينة الجنوبية.. 

لا أحد يعرف الرأس الذي كان أول رأس يشج في هذا الصباح. لكن الأكيد أن هناك المئات من الرؤوس التي تتراوح أعمارها بين السنة والسبعين سنة يجري منها الدم غزيرا أحيانا وشحيحا في أحيان أخرى. الأكيد أن الباحة الداخلية لحسينية النبطية ملئت ارضها بالدماء وأن رائحة الدم فيها صارت نافرة لا تطاق بعد مرور ساعتين على بدء اللطم على الرؤوس وتصاعدها حتى بلغت الذروة. 

الأكيد ايضا أن مشهد الدم لا يعود يثير فضول أحد بعد خروج المجموعة الأولى من الضاربين بسيوفها المرفوعة إلى السماء وبأكف أصحابها تنهال على الرؤوس المجروحة فوق وجوه اختفت من الدم. تتكرر الصورة إلى ما لا نهاية في ساعتين. مجموعة من الضاربين تسير خلفها، ومن دون تنظيم، مجموعة أخرى من الجمهور المشاهد للمراسم تليها مجموعة ضاربين تصرخ لحيدر.. وهكذا. 

حالات الإغماء لا تحصى بدورها. ومع أن عناصر الإسعافات الأولية المنتشرين بكثافة يركضون بالمغشى عليهم بأقصى سرعة ويطلقون صفارات الإنذار، إلا أن الجمهور يكتفي بالابتعاد قليلا من دربهم وإكمال طريقه من دون الإلتفات أحيانا. وما أن يعاد المغشى عليه إلى وعيه حتى يجد من يعطيه العلاج الناجع الوحيد في هذا اليوم.. هرم “بون جوس” الذي يتحول إلى أكسير حياة يشفي من كل شيء. وبعد أن يوضع القطن على الجرح.. يقف الضارب مع أصدقائه الضاربين يتحدثون وقد تخثر الدم على وجوههم وجف فوق ثيابهم يتحدثون ويدخنون. 

هو تقليد. والتقليد يجذب الناس ويجذب الأجانب. الأجانب على عادتهم: يتجولون متفاجئين بكل شيء ثم يقفزون بين فينة وأخرى لالتقاط صور للمشهد نفسه: اللون الأحمر القاني يغسلهم إلى أخماص أقدامهم. 

تقليد. والإجابة تأتي بلمح البصر عن سبب القيام به: فداء للحسين. الطرق الأخرى للفداء موجودة في النبطية.. خيمة أقامتها الهيئة الصحية الإسلامية للتبرع بالدم مثلا. لكن هذه العادة متأصلة وليس من السهل التخلي عنها. “ضربت عشر شطوبي” يقول ولد لم يبلغ الثالثة عشرة. هذه مرتك الأولى؟ “لا.. صرلي تلات سنين بضرب.. وهلق رايح اضرب بعد” يقول هو الذي ألصق رأسه بينما يعود إلى الحسينية.. وعلى مدخل الحسينية هذه الأبيات من الشعر: 

“هذي الدموع على الحسين دماء/ لم يكف دمع هاطل وبكاء/
نحيي لك الذكرى بفيض دمائنا/ أرواحنا لك يا حسين فداء”. 

النادي الحسيني في النبطية يحذر عبر منشورات وزعها “المتطبرين” بأن استعمل آلة التطبير (الموسى وغيره) الخاصة بك. لا تستعمل آلة غيرك ويضيف أن “السبيرتو والمطهرات المتداولة لا تكفي لتعقيم آلة التطبير بعد استعمالها من شخص آخر”. المنشور نفسه يشرح معنى كلمة التطبير وهي الضرب. 
ومن النصائح الأخرى: “استعمل كفنا خاصا بك ولا تستعمل كفن غيرك (الثوب الأبيض الذي يضعه الضاربون فوق أجسادهم). 

بالطبع يكتفي النادي بهذه النصائح ولا ينظم، مثلا، عملية شج الرؤوس حيث الأمور مفتوحة، حرفيا، على غاربها، وحيث ينادي أحد الشبان ولدا في الحسينية أن يقترب صوبه ليضربه بموسه الخاص ضربة ثانية بعدما أخفقت الأولى عن إخراج الدم من الرأس الصغير.. وقد كان الشاب قد ضرب ولدا لتوه.. ومسح الموس بأسفل قميصه. 

تقليد. والساعات القليلة كافية لتصبغ الشوارع وخيمات الوحدات الصحية وكل شيء باللون الأحمر. 

لكن النادي الحسيني نفسه، وإلى جانب تشجيع الضرب والحث عليه وتنظيم أموره كيفما اتفق وبأقل نصائح ممكنة، ينظم عرضا مسرحيا رفيع المستوى أعده المخرج رئيف كرم عرض في الساحة المواجهة للحسينية ولاقى إقبالا حاشدا واستحسانا ملموسا.. وبينما لم تذع عبر مكبرات الصوت المنتشرة في كل مكان أي نصيحة إلى الضاربين أو إلى الأهالي تمنعهم من شج رؤوس الرضع، فقد كان النادي الحسيني يكرر أنه حرام شرعا تسجيل العمل المسرحي إضافة إلى أن تصويره يعد خرقا لحقوق الملكية الفكرية التابعة للنادي يعرض صاحبه للملاحقة القانونية. 

الساحة التي تطل على طريق آخر انتصبت أمامها خيمة لحزب الله. في الخيمة معرض كتب ومعرض لوحات تحكي السيرة الحسينية وفي آخر الخيمة يجري عرض مسرحي قصير للسيرة على أرض رملية انتصبت عليها مجسمات لشهداء كرباء المعلقة رؤوسهم فوق الرماح ولنسوة متشحات بالسواد وجياد وغيرها.. وتعاد الواقعة الحزينة بالأصوات المسجلة بينما تدور الأضواء على المجسمات. 

بين خيمة الحزب وبين ساحة المسرحية، بين عملين فنيين يليقان بالذكرى، يمر الشارع المكتسي بالدم.. هنا تحديدا يقف الأجانب مدهوشين يلتقطون صور الدم.. وهنا أيضا يقف بعض الآباء يصورون أطفالهم في لقطات ستنضم إلى ألبومات هؤلاء ليتذكروا حين يكبرون كيف قام أهلهم يوما بشج رؤوسهم وراحوا يصورونهم بفرح هستيري.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic