أما وقد بلغ الجنون والوحشية ذروتهما، في حالة من الاهتزاز المستشري في عقل الأمة، فإنه يحسن بنا ان نهدأ، ان لا نضطرب ونصرخ إلا في مخادعنا، لعلنا نثبت، وهيهات، ان في هذه الأمة من قرروا ان يبقوا على عقلهم ما استطاعوا الى ذلك سبيلا، او إن استطاعوا الى ذلك سبيلا..
إذاً فإلى كلام هادئ هدوء الأجساد التي هدأت بعدما خطفت منها أرواحها خلسة، وإذاً فعندما نهدأ تكون أرواحنا قد تحررت من أجسادنا، ولو كانت لنا أرواح حية لملأنا أرض العرب وأجواءها، من الخليج الى المحيط، صراخا وزعيقا، خاصة اذا ما كان قد تبقى لدينا شيء من بصر وبصيرة تستشرف مستقبلنا الأسود، والذي أصبح الآن بين أيدينا وفي مدى عيوننا المغمضة. أو المكسوفة بنور الحقيقة البشعة، حقيقة أننا نمارس مسخا على كل شيء: على الأفكار والقيم والقضايا، ونمتلئ شعورا بالامتلاء بالمجد، ونحن زاحفون زحفا الى بؤسنا وموتنا ومهانتنا.
يبدو أني ألتف على ذاتي، فقد انتهيت الى عكس ما بدأت به! وكيف أفي بوعدي المراوغ بأن أهدأ؟ وأنا مهدد غدا او بعد غد، ومن المحيط الى الخليج بأن أستل خنجري محلى بالآيات الكريمة والسنة النبوية وشعر المتنبي وبيان الجاحظ، لأنحر صديقي في محرابه، لأنه يهدم الدين ويسيء للأمة في صلاته التي تختلف عن صلاتي في حدود الواحد في المئة من شكلياتها! إذن هكذا، فقد أنجزنا إفراغ ديننا من مضامين الانسانية والروحية والحضارية، وهل يمكن لجورج بوش ان يحلم بأعداء يخدمونه اكثر. لو بقي الملك فيصل الثاني والملك إدريس السنوسي حيين ورجعيين كما كانا مع نظاميهما، أكان يمكن ان يقدما خدمات جلى للأعداء، وللصهاينة اولا وبالذات، أكثر مما قدم صدام حسين والقذافي؟ وما زالت امتداداته تتوالى لتضيف الى المقابر الجماعية التي كانت تتم سرا وبالتدريج أحيانا، مقابر جماعية تنجز في لحظة واحدة وجهارا في ذكرى شهيد يجمعنا فرضا ولكننا نفترق فيه وعليه وكأننا نريد ان نعاقبه على ما ارتكب من شهادة للحق والحقيقة والحرية!
أما وقد حدث ما حدث في العراق، بقتل الذات في الآخرين وقتل الآخرين في الذات، بالتفجير الذي تبلغ الجرأة فيه نهاية الجبن والخسّة، وسوف يكون موضع اختلاف فقهي وقانوني وسياسي، ويدعوه البعض استشهادا والبعض انتحارا، اي مزيداً من التشويه لعمليات حماس والجهاد ضد الصهاينة، مع تحفظي، لأنه كان يجب ان يكون هناك حرص شديد وتدقيق حتى لا نصل الى هذا التشويه الذي سوف يتكرر وسوف ندفع أثمانا غالية بسببه... وأنا هنا سوف أجهر بقناعتي وشهادتي، إن لي من الاستشهاديين قريبين جميلين أحببتهما حيين وميتين في سبيل الله والحرية، حرية الوطن كل الوطن والمواطنين، كل المواطنين، عربا ولبنانيين، أرادوا أم لم يريدوا، ولكني على اقتناعي ببهاء دمهما وخلوص نواياهما، مقتنع بأن التحرير في لبنان لم يتم إلا بسواعد المقاومين الذين ذهبوا الى عملياتهم ليحيوا، لينتصروا، أحياء او أمواتا عند ربهم يرزقون، وأن المقاومة كادت ان توصم بأنها فوضى مسلحة أحيانا، لولا ان حزب الله عاد فنظمها على رؤية فكرية وسياسية وطنية، نقلته من موقع المحتكر او الحصرية، الى موقع الوطنية وموقع المبادر نيابة عن الشعب والوطن، الى موقع الوطنية، وأتى ذلك في سياق انعطاف سياسي مقاوم قدم خطابا مرنا مسؤولا ومتواصلا مع كل الحساسيات الوطنية والقومية، ما أدى الى التفاف الجميع، وإسقاط الحساسيات والحسابات مع المقاومين... وكان التحرير الذي قدمه قائده صادقا مصدقا الى اللبنايين كلهم دولة وشعبا، والى العرب والمسلمين والأحرار في العالم، فقبلت منه الهدية ولم يبق عليه إلا ان يحفظ مستقبل المقاومة بنفس الاسلوب الذي تحقق به التحرير.
ما الذي حدث في العراق؟
انها الفوضى المسلحة، المشبوهة، ولو لم تكن مشبوهة لجاهرت بهويتها وحاولت جادة ان تتحول الى فعل وطني عراقي والى الشراكة التامة مع التركيز على تنوع الادوار المقاومة وتنوع اساليب المقاومة وإعطاء الأولوية لتوحيد العراقيين تحت العنوان العريض للمقاومة، لا تجزئتهم وتفريقهم والفتنة بينهم عن طريق المقاومة، التي تتحول في هذا الحال الى قتل مجاني، ولا تلبث ان تقلب سلم اولوياتها، كما حصل، تحولت عن الجنود الاميركيين الى المصلين في النجف والكاظم وزوار الحسين في كربلاء، الفقراء البسطاء المعادين بالفطرة لكل الأعداء وغير المستعدين للمساومة على حبة تراب او لحظة كرامة.
الاحتلال الاميركي مسؤول؟ حسنا، وهو المستفيد وحده، من هو الفاعل؟ من هو هذا الذي يستشهد بأمر اميركي وكرمى لعيون بوش؟ الاميركيون مهملون للأمن؟ حسنا وهم متعمدون للإهمال. ولكن من هو الفاعل؟ ونفس الكلام نكرره، لأن الحب والدم لا يصب إلا في طاحونة الاحتلال، الذي يحكم قبضته اكثر ويتحول من محتل الى منقذ! ويطيل أمده بحجة الضرورة الأمنية.
وإذا ما كان هناك اختراقات أمنية من قبل المحتل، فلنبحث عنها، لا في صفوف الناس العاديين، لنبحث عنها في صفوف أهل السياسة، وفي صفوف المعارضة أو المقاومة اولا، بل اولا وأخيرا، وعفوا عفوا على هذه الجرأة.. لأن أسوأ الارتكابات في صفوف المقاومة على مر تاريخنا في لبنان منذ ثلث قرن لم تكن تأتي من جهة الأعداء إلا مارة في صفوفنا!!!
ولولا المقاومة العشوائية، الغامضة، والعشوائية والغموض كمجال خصب للالتباسات والاختراقات والانحرافات والارتكابات، لولا الفوضى المسلحة لما حصل الذي حصل.
يا عقلاء العرب، بادروا الى شيء، قبل ان تفقدوا عقولكم، قبل ان يعم الجهل والجنون، وتفقدوا حاجتكم الى عقولكم وأديانكم، لأن المجرمين ليسوا بحاجة إليها.
يا عقلاء المسلمين كفانا خدمة للدين بقتل المتدينيين، كفانا مشيا الى الجنة على طريق الفتن والجثث، جثث الابرياء من أهل القبلة والصلاة، الذين ليس لهم ذنب إلا أنهم قالوا ربنا الله ثم ذهبوا الى الحسين يتنسمون في دمه الزكي رائحة جده “ص”.
أيها العقلاء، أيها المصلون، أيها المتضرعون الى الله طلبا للرحمة، ارحموا انفسكم، أنقذونا تعالوا الى كلمة سواء بيننا... ان الذين قتلوا في الجزائر ليسوا شيعة والذين قتلوهم لم يأتوا من الخارج، وأنا أوافق ان يبيد المسلمون في البلاد العربية كل المسيحيين فهل يسلم المسلمون من المسلمين بعدها؟ وكذلك السؤال الى المسيحيين والى السنة في مقابل الشيعة والى الشيعة في مقابل السنة.
عن ابن الاثير: كانت المعركة محتدمة بين مصعب بن الزبير والأمويين فجاء علماء الروم وزعماؤهم الى ملكهم وحثوه على اغتنام فرصة الصراع للهجوم على المسلمين فعارضهم فأصروا وعندئذ دعا بكلبين ودفعهما الى العراك فتعاركا وأثناء عراكهما أتى بثعلب وأطلقه فترك الكلبان عراكهما ولحقا بالثعلب، فقال الملك: أرأيتم؟ فاستحسنوا رأيه.. ما أحلى ان يكون بعضنا أحيانا ولكن أحيانا، كلابا !!! عفوا.. فالقتل الذي حصل أقل ذوقا وأبشع من اي حديث عن الكلاب.