عاد يزيد بن معاوية، حفيد هند آكلة الأكباد، في العاشر من محرم هذا العام.
عاد “فاتحاً” على نحو ما كان. عاد “مقاوماً” على غير ما كان. أتحفنا بعمليات يسمّيها البعض “استشهادية” في موضع دون آخر، ويسمّيها البعض الآخر “استشهادية” في كل موضع.
عاد يزيد مجاهداً ضد اليهود والصليبيين والرافضة في آن. عاد هازئاً بكل أنواع التفريق “النظري والعملاني” بين انتحاري يتفجر في الجماهير والأضرحة وبين آخر يتفجر في دوريات الاحتلال. كيف يمكن أن ندخل في حسابنا مثل هذا التفريق ان كان الانتحاري هنا وهناك من جماعة واحدة وذهنية واحدة وعشق للموت واحد وكره واحد أيضاً للحياة. كيف التفريق بين هذه العملية وتلك ان كان الآمر بهما واحداً في يزيديته حيثما دار، في نيويورك ومانهاتن أم في كربلاء والكاظمية وكويتا لا فرق؟!
عاد يزيد بن معاوية بسلسلة عمليات “استشهادية” عدّها السيد حسن نصر الله “سابقة” وقد أجاد التوصيف. والحق أن مثل هذه السابقة ترتكز على مفارقة أشدّ إيلاماً، وهي أن “العمليات الاستشهادية” التي كانت لصيقة بتراث الجماعات الشيعية، تاريخياً، وصولاً الى تجربة “حزب الله” في آخر المطاف، سرعان ما انتقلت الى الجماعات السنية، من “حماس” و”الجهاد” الى “تنظيم القاعدة”. انتقل العنف القرباني من دائرة مهدوية الى دائرة لامهدوية ليطرح على نحو دموي حقيقة الصراع المذهبي من العراق والجزيرة العربية وصولاً الى باكستان وأفغانستان، وهو صراع لا يمكن نفيه بسهولة عبر جلسات “التقريب بين المذاهب” أو عبر تحميل “الاستكبار العالمي” كل المسؤولية.
ثمة “سابقة” إذاً، وهي تستتبع سابقة أخرى حملتها كلمة السيد حسن نصر الله في عاشوراء. لقد وصف السيد نصرالله تلك الجماعات المسؤولة عن الهجمات بأنها “ظلامية” تعيش في “القرون الوسطى”. تلك سابقة خطيرة، فالسيد حسن نصر الله بدأ يتحدث بلسان “التنوير والعقلانية” ضد “الظلامية” أي ضد ما كان حزب الله يُتهم به قبل سنوات قليلة وما زال. طبعاً، تتحول السابقة على يد قائلها الى مفارقة إشكالية لا سيما في المناسبة التي وردت فيها. ثم ما معنى اتهام الطرف الآخر بأنه يعيش في “القرون الوسطى” ان لم تكن مثل هذه التهمة تنتصر أصلاً للتنوير والحداثة، بل تعتمد التاريخ مقياساً؟ ألا يشكل ذلك اعترافاً بالتحقيب الغربي للتاريخ، بين عصر قديم وعصر وسيط فنهضة فحداثة، وذلك بعد طول نفي من جانب المؤرخين العرب والمسلمين لنجاعة مثل هذا التحقيب؟
انتقلت التقنية الاستشهادية من دائرة التشيّع الى دائرة التسنّن. ثم راحت تستهدف دائرة التشيع نفسها، فظهرت ضمن الدائرة الأخيرة، ووسط التفجع العاشورائي، لحظة تنوير عابرة على لسان السيد حسن نصر الله: ضد الظلامية والقرون الوسطى أي ضد السلفية بعامة وليس فقط ضد سلفية ما.
وهذا إن دلّ على شيء، فعلى وجوب التعامل بجدية وعناية مع كل أبعاد الصراع المذهبي بدلاً من الاكتفاء بلعن أميركا وإسرائيل. بديهي أن تكون لأميركا واسرائيل مصلحة في ايقاظ الفتنة المذهبية، الا أن هذه الفتنة سابقة على اكتشاف أميركا أو ولادة ثيودور هرتسل. وهذه الفتنة آن لها أن تبحث في صيرورتها الراهنة، لا سيما في العراق، حيث لا يمكن الاكتفاء بتلفيقية تأييد العمليات ضد الاحتلال وشجب العمليات ضد المدنيين، ولا يمكن في نفس الوقت اعتبار الجماعات الارهابية الناشطة في هذا البلد مجرد جماعات تسلّلت الى العراق من الفضاء الخارجي. ينبغي الخروج من الخبث المذهبي في طبعتيه، ولن يتأتى ذلك دون الاشارة الى خطأين استراتيجيين “شيعي وسني” في العراق:
الخطأ الاستراتيجي الأول، هو خطأ قواعد الأقلية السنية العربية، التي لم تتكيّف مع المتغيرات وتحوّلت الى “قاعدة آمنة” لجماعات ارهابية لا ترى في الاحتلال الا مناسبة للجهاد على كافة الصعد، ضد الصليبيين والرافضيين لا فرق.
الخطأ الاستراتيجي الثاني يتمثل في خطأ نخب الأكثرية من الشيعة، التي رأت بدورها الى الاحتلال كمناسبة للخروج من حرمان قديم، فكانت النتيجة أن بقيت الأكثرية في نطاق “الأكثرية الطرفية”، لا بل رفعت من منسوب طرفيتها، بحيث تمضي يومها في طلب “ضمانات” سواء من المحتل، أو من الشركاء في الوطن، أو من الدول المجاورة.