وقف العراقيون أول من أمس وجهاً لوجه أمام الحرب الأهلية. رأوا الهول. اقتربوا من حافة الهاوية. غير أن الحكمة أنقذتهم. لقد كانت مطلوبة بإلحاح. وكانت حاضرة بوفرة.
الانفجارات، تلك التي وقعت أو التي أمكن تجنبها، عمليات إرهابية بامتياز. لكنها، في ذهن المخططين لها، حلقة في سلسلة. غير أن الذي حصل، فعلياً، هو أن العراقيين ليسوا في وضعية الموصل الفعال للكهرباء. ما كان يفترض أن يكون حلقة في سلسلة توقف عند حد.
المناسبة ذات حساسية خاصة واستثنائية. تحتشد فيها طاقة رمزية هائلة تتيح لاستعادة التاريخ أن تتحول فعلاً في الواقع المباشر إذا ما جرى استفزازها. حصل الاستفزاز ولكنه لم يطلق رد الفعل الآلي المتوقع من جانب الذين اعتقدوا أن الغابة باتت جافة إلى حد أن عود ثقاب يشعلها كلها. ويمكن لمن يستعيد تجربة الحروب الأهلية اللبنانية أن يدرك معنى ذلك حيث القصف لا يستدعي قصفاً مضاداً، والخطف خطفاً مضاداً، والقتل على الهوية قتلاً على الهوية مضاداً.
صحيح أن تدخلات سريعة صبّت ماءً بارداً على وضع ملتهب، ولكن الأصح هو أن كتلة شعبية عراقية هائلة الحجم لم تحدد كتلة أخرى بصفتها العدو الذي يتوجب الرد عليه والاقتصاص منه. لقد أمكن، عفوياً، تبرئة المواطنين الآخرين من الجريمة ورمي مسؤوليتها على آخرين غرباء. بات هؤلاء في قفص الاتهام سواء لجهة التراخي في حفظ الأمن أو لجهة تدبير المجازر. لقد مارس العراقيون، بأسلوب لافت، نظرية “حروب الآخرين فوق أرضنا”. والترجمة الفعلية لذلك هي تصنيف “الفتنة” باعتبارها العدو، وتنزيه المواطنين عنها، واعتبار أن الرد يكون بعدم الانجرار نحو رد.
إن اللغة السياسية السائدة في العراق هي لغة انقسام. والواضح أن السجالات تقوم حول المحاصصة المذهبية والعرقية، وأن المسافة ليست واحدة من الاحتلال، والوضع السابق، والمستقبل المنظور. ولم يكن صعباً اكتشاف حساسيات متباينة حتى في لحظة الإجماع على إدانة العمليات الإرهابية وتعيين المسؤولين المباشرين وغير المباشرين عنها.
غير أن ما كشفه هدوء ما بعد المجازر هو أن هذا الانقسام، وهذه اللغة المذهبية والعرقية العارية، لم يوجدا الأرض الخصبة لتحويل حدث بهول ما جرى إلى منطلق لمواجهات أهلية. لقد غادر العراق انصهاره المزعوم في بوتقة الوحدة الوطنية، (والمقابر الجماعية وجهها الآخر)، وباتت تمايزاته أكثر قدرة عن أن تعبّر عن نفسها بحرية، وتشكلت لوحة فسيفسائية لم تستقر على مشهد نهائي حتى الآن، ولكن ذلك باق، حتى إشعار آخر، من دون تجاوز الخط الأحمر ومن دون الدخول في أتون تحويل الشعائر العاشورائية إلى عنف ضد آخر يُراد له أن يبدو كمن يجدد اضطهاداً تاريخياً تدعمه ممارسات قمعية دامت عقوداً من الزمن.
لا يعني ذلك أن الوضع العراقي سليم. كما أنه لا يعني أن البنية الهشة قادرة على تحمّل ضغط مستمر ومتصاعد. إن الانكسار وارد علماً بأن مرور “قطوع” الثلاثاء يمكن له، عكس ما أراد الإرهابيون، أن يكون وفّر مناعة إضافية.
إن التأسيس على لحظة الوعي ممكن. ولكنه ليس تلقائياً. فما زال في الإمكان تجنب الكارثة كما أن السقوط فيها ممكن.
ثمة حقائق لا بد من التسليم بها من أجل التمكّن من إدارة الوضع العراقي الجديد، وهو وضع ما زالت معالمه مجهولة بعض الشيء.
أولاً يجب الحسم، مرة وإلى الأبد، بأن زلزالاً سياسياً أصاب العراق. إنه زلزال أحدثته حرب وأدى إلى تداول للسلطة بالمعنى الذي شهدناه في لبنان: ليس من حزب إلى حزب بل من بيئة طائفية إلى بيئة طائفية. لقد انتقل مركز الثقل في تقرير المصير العراقي إلى البيئة الشيعية. هذه حقيقة لا عودة عنها. لا مجال لردها. والسؤال الجوهري يتناول كيفية التعاطي مع هذه الحالة غير المسبوقة. إن النموذج اللبناني غير مشجع كثيراً لأن “الوافدين الجدد” عجزوا عن بناء موقع يصلح لأن يشكّل عموداً فقرياً يتوحّد البلد، بتنوعه، حوله.
ثانياً إن الأكثرية المذهبية في العراق هي، في الواقع، أقلية إسلامية. والتغني بوحدة المسلمين لا يكفي علاجاً. وبما أن تحوّل الأكثرية المذهبية إلى أكثرية سياسية جاء نتيجة حرب عدوانية وغير شرعية ومن جانب دولة ذات سياسة مكروهة، فإن ممارسة السلطة قابلة للتحول إلى عبء يولد متاعب تدوم فوق التصور.
ثالثاً كل من يتماهى مع النظام السابق يخطئ. وكل من يتصرف وكأن “طائفة” خسرت السلطة يخطئ. لا يعني ذلك إسقاط أي حق في رفض الاحتلال الأميركي، ولكنه يعني التسليم بأن لا عودة إلى الوراء، وبأن المطلوب توظيف العلاقات العربية والإسلامية لمنع الانفراد الأميركي، والسعي، قدر الإمكان وبالسرعة اللازمة، إلى الخروج من أسر الحياة السياسية المبنية على الانتماءات التقليدية. إن تطوير كتلة عربية غير طائفية ولاشوفينية هو في مصلحة قوى يبدو، أحياناً، أن الانغلاق البن لادني يخاطبها.
رابعاً إن هزيمة السياسة الأميركية الحالية ضرورة إقليمية ودولية و... أميركية.
ولكن ذلك لا يجب أن يكون حائلاً دون طرح السؤال التالي: هل تخليع العراق هو الممر الإجباري الوحيد لهذه الهزيمة؟ وهل في الإمكان مطالبة العراقيين بذلك إذا كان لا بديل في الأفق؟ قد يكون الجواب أن الهزيمة ممكنة من دون هذا الثمن الفادح وبشرط توليد توافقات تراعي الممكن في هذه الظروف الصعبة. إن المتاح فعلاً هو التدويل الجدي للأزمة والحل. وفي الإمكان الضغط من أجل توفير بُعد عربي وإسلامي جدي لهذا التدويل.
إن ما حصل في العراق يوم الثلاثاء أمران: المجازر أولاً والرد عليها، أو عدم الرد، ثانياً. ويتساوى الأمران في الأهمية لجهة تأشيرهما على احتمالات لتطور الوضع. البناء على الرد هو طريق الخلاص.
*
رئيس تحرير جريدة السفير