خواطر لاقتراع بلدي موعود

أحمد جابر
جريدة السفير (لبنان)
السبت، 6 آذار «مارس» 2004

     موسم الانتخابات البلدية على الأبواب، هذا إذا لم يستنسب اصحاب الشأن تأخير قطافه... بالتأجيل! وكما في كل موسم، ثمة مالكون متصرفون، ومغارسون ومرابعون، وثمة ايضا عاملون بالسخرة. تكاد “المواسم السياسية” المتعاقبة في بلادنا تحول اللبنانيين الى دافعي جزية اقتراع، والى جمهور يذهب الى “السخرة” ويقدم عليها، خلف يافطات “المشاركة” ووسط ضجيج طبول “التنمية والتغيير”... ثم يعود الجميع “بخفي حنين” سياسي، لتبدأ “حلقات ذكر” المراجعة “النقدية”، وطاولات الكلام على الثغرات والشوائب... مما يشير الى المناخ “الديموقراطي جدا” الذي يسبق كل ممارسة سياسية محلية، ويعقبها! 

استهل البعض “النقاش البلدي” بالدعوة الى الفصل، بلديا، بين السياسي والتنموي، او بعبارة اخرى، التمييز بين العام النيابي الوطني، والخاص البلدي المحلي. نعتقد أن الفصل المقترح ينطوي على تعسف وقطع، يلغيان التواصل الفعلي، والترابط المكين، بين الخاص والعام، خاصة على صعيد القوى السياسية التي تفترض ان برامجها عابرة للمناطق، وأن شعاراتها تتوجه الى المدى الوطني بأبعاده الشاملة، هنا السياسي تنموي، والتنموي سياسي. ومثلما نقرأ في كل سياسة، تنمية محددة، تترجمها توجهات وأهداف، كذلك نرى في كل تنمية قاعدة اجتماعية وفكرية واقتصادية لتعديلات في بنى وتوجهات السياسة ايضا. 

يتناول البعض مسألة التكامل، هذه، عندما يتعرض لدور الدولة والمجتمع المدني والعلاقة بينهما. للنقاش هذا صداه اللبناني حيث تجهد تيارات ومواقع سلطوية نافذة، للتخفف من “دور الدولة”، وحيث يعمل في المقابل، جمهور واسع ضمن هيئات “أهلية” متعددة، يؤكد على دور الدولة، كضامن اجتماعي، ويؤسس في الوقت ذاته لنهوض مجتمع مدني يشارك في أعباء البناء الوطني، دون نيابة من الدور المركزي المنوط بالدولة. يقع في مدى “التخفف الرسمي” من الأعباء الاجتماعية، تعريف المواطن اللبناني كرقم ناخب في حاسوب شركة انتخابية رسمية، ويظل المواطن إياه، هدفا لكل “تنمية مستديمة”، يتصدى لمهماتها أولئك الذين يعتقدون ان الانسان هو رأس المال الاول، وأن “التنمية البشرية” توظيف مجز في بلد مثل لبنان. 

على هذا المعنى، تشكل الانتخابات البلدية، وما شاكلها من عمليات انتخابية، مناسبة لطرح المفاهيم المتقابلة، والمتناقضة، والمتقاطعة، ومجالا للتفنيد وللتبويب ولترتيب الأولويات، وميدانا للإقدام على ممارسة تكون أمينة أمانة سياسية واقعية، لمقدماتها ولمنطلقاتها.

يمكن اختصار ما تقدم واختزاله بمفردة وحيدة هي: الوضوح. وهذا يفترض ان يضيء كل العناوين، فالالتباس هو أقصر الطرق الى “الخسارة” وهو المناخ المناسب لكل التبريرات والالتواءات، ولكل ادعاءات النجاح “الموهوم” لاحقا. يستدعي السياسي البلدي، استحضارا لسمات السياسي الأعم، ينقدها، ويفضح نقاط ضعفها، ويتهمها حيث تكون في موضوع يستدعي الاتهام. استحضار “السلبي العام” لا يعتبر تجنيا على الواقع السياسي اللبناني الراهن، وطلب الاقتراع لإدانة “السلبي”، وللانضمام الى محاولة بناء “الايجابي”، هما مظلة “السياسة البلدية” ودليلها العملي العام المرشد.

تأسيسا على ذلك، سيكون ضروريا إعادة تقديم مرتكزات النظام اللبناني الحالي، القائمة على أرضية الطائفية والعائلية والإلحاق والاستتباع، اي على الموروث، الذي يندر ان يقيم صلة مع انفتاح على “سياسي عصري”، بل يظل على تناحر مصيري مع كل بارقة تشير الى تجاوز “عصر البنية” الى “عصر آخر”، حتى ولو من باب تحجيم التشوهات ومحاصرة سيئاتها. سيكون من الضروري ايضا لحظ النقاش لمسألة المحاصصة العامة، التي تفرخ محاصصات خاصة، تتناسب مع كل منطقة، وتتلاءم مع توجهات القيمين عليها. 

في هذا الجو تفقد “المعارك السياسية” المجزأة، إمكانية جمع زخمها العام، لتوظيفه في مجرى “مدني” مغاير. والحاصل، ان التشوهات بالجملة، تتشظى على مناطق النفوذ، بالمفرق، لتعيد انتاج نفسها من مادته، وفق نسخ يزداد بؤسها وتتفاقم هشاشتها مرة تلو المرة. يتطلب تلزيم المناطق لأصحابها، خطاب الذات المتمحور على ذاته فقط، ومن أجل الحفاظ على “النقاء” المناطقي تُستنفر العصبيات المحلية، العائلية وسواها، ويُقدم “فرض” النتائج في قوالب “وفاقية”، ومن ضمن “منظومة” الحفاظ على “الوحدة” ولضرورات القضايا الوطنية الكبرى!!... 

ينطلي بعض هذا الكلام، على منطق خطب اعتراضية متعبة، ويجري التعتيم على معظمه، من قبل “وجهاء” جدد يركبون الى قطار الالتحاق، بعض “الجمل الثقافية”، ويزينون طرحهم بشيء من “ماض نضالي”، يكون كفيلا، في ظنهم، بإضفاء مسحة من المصداقية على ما يصبون اليه. هكذا تسقط المساءلة والمحاسبة عن المحلي، لدى “الأفراد” مثلما هي مغيبة فعليا، عن العام، لدى “الافراد” والاحزاب. يدعو ذلك الى التركيز على ضرورة الشفافية وما تفترضه من تقويم نقدي ومن تعيين للمسؤوليات، ومن تحديد للمسؤولين عما تم، خلال الحقبة الماضية من عمر البلديات. وفي ذلك، استنكار عملي، للاستهتار بالقوانين، والتجاوز عليها، وللفساد الذي استشرى في مفاصل الحياة العامة اللبنانية، فلم تنج منه (إلا استثناء) الادارات المعنية بالشأنين العام والخاص، في مركز البلد او في أطرافه. 

جلاء موقع الاعتراض العام على السياسة العامة مهم، ومثله مهم جلاء موقع الاعتراض المحلي، وللاعتراضين موادهما الملموسة، التي يدلى بها في كل مجلس. يبقى ان الأهم هو تحويل الاعتراض، من مادة للتسلية والدردشة وتسريب الغيظ، الى مادة بناء تراكم حركة اعتراض سياسية حقيقية. هذا، في حال الاندراج في سبله، يشكل أداة قياس للنجاح ومقاديره، ووسيلة معاينة للتقصير وحجمه، مما يجعل بالتالي، كل اقتراع مفهوما، مهما كانت نسبة الاصوات، اي يجعل الفوز ذا مضمون، والخسارة ذات معنى، والأمران يسمحان بدراسة الوضع الفعلي وبإعادة تعيين الخطوات. 

هذا السقف العام، اللازم والضروري، يترك المجال مفتوحا امام ادارات موضعية، متنوعة بتنوع وقائعها. إذ ليس من مهمة “العام” تكبيل “الخاص” او قولبة حركته او ممارسة الاسقاط عليه، بل إن بعضا من مقتضيات دوره، يفترض الاضافة الى هذا “الخاص” من خلال تعيين أفقه العام، وتوضيح الحركة السياسية الأشمل التي ينتمي اليها وشرح الاهداف البعيدة التي يعمل في سبيلها. 

من البديهي ان يكون موضوع الائتلافات مطروحا، وكذلك موضوع تبادل الاصوات، وكذلك كل “المناورات الانتخابية”... إنما بالاستناد الى خطاب سياسي واضح، وبالاتكاء على “قوة اجتماعية” تتبنى هذا الخطاب. شرط “القوة الذاتية” لا مهرب منه، فطبيعة اي اتفاق، يحددها ميزان القوى، وفي غياب “القوة الخاصة” لكل “رأي ديموقراطي”، يعبر اصحاب الرأي هذا، ملحقين، بالقوى “المحلية” الاساسية، او مستشارين لديها... يستوي في ذلك كل من “خف وزنه” الاجتماعي، حزبا كان أم فردا... “كروم البلديات” أشرعت على خفر، نأمل ان يحسن “كرامو” الاعتراض اتقاء “الدببة” كي يكون ممكنا فوز السلال ببعض من... عناقيد. 
 

* كاتب لبناني

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic