بالأمس، وأيام عيد رأس السنة والميلاد، شيعناهم عشراتٍ من شباب الوطن المنعم بالحياة والطموح·
واليوم بعد مرور أكثر من شهرين تتبدى لنا بوضوح صورة الحياة، وتؤكد لنا أن أيامها تمر مرّ السحاب، وأن فرحها دوماً مشوب بالحزن وسرورها بالألم، وسعادتها وان وجدت بالشقاء والكدر·
فالفطن من هضم هذه الحقيقة ووعاها وكيّف حياته على أساسها، وعرف أن الليل والنهار يجريان بتتابع ورتابة دونما بطء أو توقف وهما أبداً يعملان في المرء ويؤثران فيه وينقلانه من حالٍ إلى حال، ومن طور إلى طور آخر·· فعليه وهذه هي الحقيقة ساطعة أن يعمل هو أيضاً فيهما ليخرج من معركة الحياة منتصراً·
مع صدمة الحادث المفجع أكبرنا يومها جميعاً، إلى جانب التعاطف الأسري والتأثر البالغ الذي أبداه الشعب اللبناني بكل مستوياته الحضور الرسمي وجهوزية الدولة وأداءها الجيد في مواكبة الحادث، وفتحها ضمن هذا الإطار ملف تحقيق للكشف عن الأسباب التي أدت إلى وقوعه، مؤكدة عزمها على وضع كل مجريات التحقيق تحت أنظار الرأي العام، واعدة بالوصول إلى التعويض على أسر الضحايا تمشياً مع ما يحتّمه القانون الدولي في مثل هذه القضية·
وتمنينا يومها لو تنسحب هذه الروح المسؤولة اللافتة التي تجلت في معالجة حادث الطائرة على كل المسائل والمشاكل الداخلية العالقة، وتكون نموذجاً يحتذى بالنسبة إليها جميعاً، وذلك كمسألة تنشيط القطاعات العامة المختلفة لرفد ودعم الإقتصاد الوطني الذي ينوء تحت ديون ثقيلة متزايدة، ومسألة هجرة الشباب وبينها العقول المتخصصة إلى الخارج، ومسألة الإصلاح الإداري وغيرها من المسائل، علّ الوطن يضع قدميه على طريق التماسك والتقدم ومواكبة العصر··
ولكن ويا للأسف، راح هذا الأمل وهذا التمني مع الأيام القلائل، وبدل أن يتحول أو تلوح للمواطن بعض ملامح تحويله إلى حقيقة يستعيد من خلالها ثقته بالدولة وترتسم على شفتيه ابتسامة الأمل، راح هذا الأمل والتمني يتبدد سريعاً حين أخذ الوهن والفتور يغلفان التحقيق، ويعودان بكارثة الطائرة إلى مكانها الطبيعي بين المسائل الأخرى العالقة لتنضم إليها وتتحنط معها·· إذ وبعد أربعين يوماً من التحقيق في مسألة حساسة كهذه، لم يسفر التحقيق إلى الآن لا عن أسباب الكارثة، ولا حتى عن معرفة المالك الحقيقي للطائرة، أو ذوي الأسهم فيها، من هو أو من هم، ولا عن شركة التأمين لهذه الطائرة، علماً بأن أية طائرة لا تدخل مجال الخدمة الجوية في أي بلد من البلدان وعلى أي خط من خطوط الملاحة، إلا بعد أن تبرز وثيقة التأمين لجسم الطائرة والتأمين على الركاب·
ويظهر الوهن وخيبة الأمل في التحقيق غايته، حين نلتفت إلى حادث طائرة السيّاح الفرنسيين التي سقطت في البحر الأحمر بعد أيام من سقوط طائرة كوتونو، حيث لم يستغرق التحقيق سوى أيام قلائل ليكشف عن أسباب الحادث، وتستكمل الجهات الرسمية جميع الإجراءات المعنوية بعقد حفل جنائزي في مكان الحادث، حضره ذوو الضحايا، وألقيت فيه أكاليل الزهور وسط الماء حيث ارتطمت الطائرة، والمادية باعلان التعويض بـ (350 ألف دولار) لكل ضحية، ونقلت ذلك كله شاشات التلفزة العالمية·
نقدّر أن خيبة الأمل في مجرى التحقيق كانت مريرة لدى الرأي العام في لبنان، وخاصة وسط الإغتراب الذي كان على الدوام وفياً لوطنه، فقد وقف معه بثبات ونبل أيام السلم وأيام الحرب، دعم صموده وبندقيته حتى ساعة النصر·· فكان يأمل وكله ثقة أن يقف الوطن معه في مثل هذه المسألة المشجية أكثر جدية وهمة·
أيها الأحبة الذين فارقونا وهم في عنفوان الشباب·· كان وطنكم محباً وفياً لكم حين شيعتكم بلداته وجموع شعبه بالسواد والدموع والحزن والألم، وقد استأثر بكم هو فعانقكم وضمكم في أحشائه إلى الأبد·· هناك حيث نتماهى جميعاً مع حبات ترابه·· نعم يبقى وفاء الدولة وملف تحقيقها تحت المحك!·
* الشيخ عبد الحسين صادق، إمام مدينة النبطية