
"الضـرًّيبة"
في عـاشوراء النبطية |
|
في الطريق الى النبطية نبدأ في السيارة الاحتفال العاشورائي. الاذاعة اذاعة النور بيت للمناسبة، وهي منذ الصباح في جو العزاء الحسيني. برامجها هي الحداد وقراءات التعزية وبث وقائع الاحتفال لا في لبنان فحسب ولكن ايضا في كربلاء التي كانت تلك الصبيحة تتخبط بدمها. المذيع يتنقل بين المراسلين ويسألهم ونسمعهم يتتابعون جميعا على مراسم واحدة للكلام. بعد البسملة والتحميد والتسليم يسترسل الواحد في ديباجة لا يصل إلينا منها سوى الالفاظ النورانية السبحانية الاستشهادية التي تدور في فوران جمل غير مكتملة وصور ممحوّة ومعان ضائعة. ما يهم وحده هو التصويت بهذه الألفاظ المقدسة بأي بناء وبأي ترتيب. من مذيع الى مذيع لم يشذ أحد عن هذا التقليد ولم يبدأ واحد “الاخبار” قبل ان يسترسل في هذه المقدمة الاحتفالية وقبل ان ينصب من نفسه “مقرئا” افتراضيا. اذا جمعنا هذه المقدمة وجدناها في الاكثر نوعا من رطانة واحدة. انها الالفاظ المباركة ذاتها يتعسف المذيع منها وحولها “نصاً” لا اول له ولا آخر ولا وسط ولا رسالة فعلية. فالمعنى والرسالة قائمان في الالفاظ ذاتها ماثلان فيها بجملة او بدون جملة، بنص او بدون نص، وما الديباجة سوى ترنيم لها وذكر وإعادة.
في الطريق الى النبطية كانت تلك الرطانة على سمعي، تواكب ما أراه من مظاهر الحداد. النسوة بالسواد واللافتات السود والعبارات التي بعضها تاريخ وبعضها رطانة مماثلة. وفي هذا اليوم الذي كان سخيا بشمسه وبحره كان واضحا ان شيئا من الصحراء موجود في الهواء والجو. لم نكن تبينّا بوضوح الخبر الكربلائي، فقد نقله لنا المذيع بتلك اللغة السائلة الملبدة التي تحتاج الى غسل لفرز ذرة الواقع المدفونة فيها، لكنه مع ذلك بدا مهولا بقدر ما بدا منتظرا بل في محله تماما من الطقس الكربلائي. دم ليس غريباً عن المناسبة إن لم يكن مدداً جديداً لها فالأرجح ان المسيرة الكربلائية “كل يوم كربلاء وكل ارض عاشوراء” لا تنقطع عند زمن ما او بلد ما. إنها سارية متجددة الى كل ارض والى كل عصر. ربما لهذا بدا خبر الصواريخ على كربلاء جزءا من المراسم الكربلائية. بكى المذيع تقريبا لكنه بكاء مقرئي العزاء الحسيني نفسه بلا فرق. سمعنا الخبر وكأنه ضائع في الزمن اذ كنا جميعا ضائعين في الزمن والحاضر تقريبا بعيد عنا. ربما لهذا لم تتوقف المحطة كثيراً عند الخبر. تابعت دورتها وتابعنا سماعنا في السيارة الذاهبة الى النبطية. قال السائق “فجروا كربلاء” وسكت. كان بحاجة الى وقت آخر ليفهم ماذا يعني ذلك.
ترجلت للمسير الى السوق والى الساحة التي يدور فيها الاحتفال، كان الناس محشودين على جانبي الطريق وسرت باتجاه الحشد وقبل ان اصل تندفع امامي كوكبة من جيش “الضريبة”، لم أستطع أن أحدق إلا بجهد وضغط إرادي، رأيت وجوه الفتيان مخططة غالبا بأزياح دم متجمد كثيف التصق بالوجه فيما لا يزال طريا في الجبين حيث تتكفل الشمس والحر بتسييله. لم اهتم كثيرا بالتفاصيل. الذين لا يزالون يضربون بالاسياخ الكبيرة على جباههم لاعتصار الدم. الاطفال المدمون وجوها وملابس على ايدي الآباء. كانوا كثراً وكان الدم ايضا كثيراً. الدم الذي يشبه اي دم بالطبع. الدم الذي هو نفسه عند كل ذبح، ومن كل كائن تقطع شرايينه. اذا كانت هناك من ميزة لدم على دم فهي لا تبدو على الاطلاق عند رؤيته حرا نازفا أحمر كثيفا متجمدا فوق الشفة وعلى الوجه كله.
افهم معاني التضحية والقربان. افهم اكثر كيف تؤسس الواقعة الكربلائية للحضور الشيعي وكيف يؤثر هذا الحضور بها في كل محطاته. وكيف يبدو الزمن الشيعي حلقات متسعة اكثر فأكثر حول المركز الكربلائي. افهم هذا لكنه رموز ومعان تفهم بالتأويل وتستحضر بالطقس. إنها صور ومجازات ورموز. الدم رمز اساسي لكنه يبقى رمزاً. المذبحة الكربلائية ليست هذا الدم وحده بالطبع فالموت في الله يشير دائما الى قيامة ما، ولا تنقص الرواية الكربلائية هذه الاشارة. لا نفهم بسهولة كيف يغدو الدم حقيقة مباشرة ويؤخذ لا بحرفه فحسب، بل بمادته وكميته وغزارته، وكلما انسكب عزيرا وواسعا تمت الاستعادة الكربلائية واقترب التحقق الكربلائي. بعد “المصرع” توزع الهريسة ويؤذن بالزفاف. أليس هذا اشارة الى العرس، الى القيامة، الى الربيع بعد الآلام. هذه الاشارة تكاد تغفل اليوم ولا يبقى عمليا إلا الترداد الحرفي والمادي والمباشر للدم، الذي ايضا يملك الجواب. تتحقق كربلاء في دفقه وفيضانه. هذه القراءة لا يبدو انها كانت دائما بذات الحدة والافراط. في طفولتي ومراهقتي كنت اشهد الاحتفال العاشورائي كل عام في بلدة “جباع” القريبة من النبطية، ومن ضمنه الضريبة والتمثيل. لم تكن غزارة الدم مطلوبة الى هذا الحد تلك الايام اذ لا اذكر انني رأيت يومها وجها ملطخا بالدم الناشف الى هذه الدرجة. ليس هذا بمستصعب وخاصة في الشمس والحر لكنه لم يكن مرغوبا ولا مطلوبا. كان الجرح الصغير في الجبهة يلطخ في موضعه وحوله محتفظا الى حد ما بدلالته الرمزية. ما رأيته في النبطية يختلف تماما. إفراط ومبالغة جعلا الامر عاديا. الصديقة التي نظرت الى الوجوه المدماة مصدومة ما لبثت ان اعتادت وقدرت على ان ترى، بدون ان تدركها الغشية، الطفل الذي لم يبلغ العام وقد حمله ابوه مدمى على ذراعه، لا يلبث المرء ان ينسى فلا يكلف نفسه ان يحدق في الكوكبة الثانية من جيش الضريبة. جيش وحجمه ايضا مفرط كالدم الذي يتقصد ان يكون ايضا سخيا وبمقادير بالغة. تتساءل اذا لم يكن في هذا الافراط قدر من “المشهدية” من “روح العرض”، ومن إتحاف الجمهور وبهره وإشباع دهشته، اذا لم يكن في ذلك قدر من الترويج للمناسبة، وربما لها في المكان الذي تنعقد فيه اي النبطية وهي عاصمة تجارية وليس استقبال الآلاف فيها غير مجز على هذا الصعيد.
كنت افكر على نحو آخر. هل يستمد رفض هذه الدموية من ذائقة ذات انحراف غربي. لقد توقف المصورون الغربيون شيئا فشيئا عن تمثيل المعاناة الجسدية والتعذيب الدموي والوحشي اللذين يمكن تخيلهما في رواية المسيح. في فن النهضة غلب على التصوير ذوق ينبو عن التمثيل الحرفي لمسيرة الصليب المأساوية. بدا وجه المسيح حتى على الصليب ودرب الجلجلة منوراً جميلاً وإن بقدر من الإنهاك والشحوب، ولم يبق من التعذيب الدموي عليه سوى اثر المسامير في يديه ورجليه وخيط من الدم والألم على جسد يحافظ على فتوته وجماله. كان اكثر ما يتجنبه هؤلاء المصورون هو تصوير المسيح في تلك اللحظة مشوها او مبقورا او مدمى في كل جانب منه. اتساءل اذا لم يكن هذا مثالي الجمالي الذي يجعلني لا اشعر بأن التمثيل الوحشي والدموي (الذي لم يغب عن الفن الغربي إلا بالتدريج) يمكن ان يكون ايضا لغة وأن يكون ايضا جميلا على نحو ما. ألست انظر الى الدم ربما بالعين التي سأرى فيها الأقنعة الافريقية لولا ان سبق بيكاسو وآخرون الى إقحامي بجمالها. ألست أرى المشهد بدون التفات الى ان المبالغة الدموية موجودة في المسرح الآسيوي مثلاً. الغريب ان فيلم ميل غيبسون “آلام المسيح” يبدو كأنه ضجر من جماليات عصر النهضة ومن انعكاسها في السينما (تذكر مسيح زفيريللي مثلاً) وعاد إلى ما قبل ذلك، إلى التمثيل الوحشي الدموي المخيف لمعاناة المسيح. ربما اتساءل اذا لم يكن ما يصدمني في هذه الحرفية هو تواترها وامكانية تردادها ولعلي اتساءل اذا لم تكن العمليات الانتحارية في جانب منها جزءاً من هذا الترداد، حيث يبدو ان دفق الدم، دم الضحايا او دم القائمين بالعمليات، هو الذي يحمل بحد ذاته اشارة التحقق والقيامة، وحيث يبدو ان التضحية بالذات هي الترداد الشخصي الوحيد الحرفي.
أنباء مجزرة كربلاء تتواتر. العدد الذي ارهقته صواريخ “المقاومين الانتحاريين” يتجاوز ضعفي قتلى الطف. ألا يبدو هذا كأنه المسيرة الدموية والعرض الدموي يتحققان بالحرف في مكان آخر، في مدينة الطف نفسها، حيث يزول الفارق نهائيا بين الرمز والواقع، بين الحرفي والمجازي، بين الصورة والحقيقة، وحيث يبدو الدم وحده السائد والسيّد يعتصر ويستحلب ويطلب بغزارة لا تفرق بين روح العرض وطقس القربان البشري. لا اعرف اذا كان العابرون في المسيرة الدموية، المشاركون والمتفرجون، يعرفون ان ما يشيرون إليه هنا في النبطية يتحقق على نحو فظيع هائل في دمويته وقسوته في مكان آخر. كأن الجواب يأتي فوراً من كربلاء، وهو جواب يبلبل بالطبع ؟؟ ايضا. هل الدم الناشف الذي غطى الوجوه في النبطية سال حقيقيا حرفيا في كربلاء، وهل هذا هو الدم المطلوب لتستمر المسيرة الكربلائية، هل هو جزء من قدر وحلقة اضافية من حلقات الدم التي لا بد ان تتسع وتتسع، وبمقادير هائلة، حول المركز الكربلائي.
النص الكربلائي
ماذا فعل رئيف كرم في تمثيل عاشوراء. كان عليه ان يأخذ النص بالطبع كما هو بحرفه وبروحه كما يقال. لن يكون رئيف اول من يزيل حرفا من النص بالطبع. لا يشفع له شيء في هذا السبيل. مع ذلك يبدو مضحكا في القرن الواحد والعشرين ان يستمر هجاء يزيد بملاعبة القرود (وماذا في ذلك، اسألوا الاطفال) او شرب الخمر (من لا يشرب). كان في حوزة رئيف كرم هذا النص الذي ليس مواربا. اذ يصف يزيد يصف نفسه بما يصفه به الحسين ويصف الحسين كما يصف الإمام نفسه. ما هو حقيقة عند الحسين حقيقة عند يزيد. لهما الحكم نفسه والخلاف ليس بين رأيين وإنما هو بين خلقين. يسعى الحسين الى الخير الذي لا ريب فيه ويسعى يزيد الى الشر الذي لا ريب فيه والذي لا يماري هو في انه شر. يقول قادة يزيد في انفسهم ما يقوله اصحاب الحسين فيهم ولا جدال هنا. ليس النص مع ذلك فاوستياً، ففاوست يعارض المعرفة بالابدية، والله بالانسان، وليس النص العاشورائي هكذا. كان لا بد من ان يتعرض النص العاشورائي لشيء من تحريك لا اقول تعديل على الاقل. وهذا بالتأكيد ما لم يتسنّ لرئيف كرم ان يفعله. اقول تحريك لأني ضنين بروح النص وبرؤيته. ذلك ان ملحميته لا تتجلى إلا بقدر من مونتاج مختلف وتقطيع مختلف على الاقل. يمكننا ان نفكر مثلا في امر سبقنا إليه قراء التعزية. تحويل النص الى لوحات (عرس القاسم الذي حذف من التمثيل، مقتل علي الاكبر، قصة العباس، الحوار مع زينب، مقتل الطفل) ثم إن رئيف لم يحتف كما ينبغي بملحمة العطش التي بدأت مع ملحمة القتال. تركها الى الاخير ولا ادري إن كان في هذا ظل لرواية الصلب التي يأتي العطش (اسفنجة الخل التي رفعت الى الصليب) في آخرها لكن ملحمة العطش في المخيلة الاسلامية والعربية لها بالتأكيد مجرى خاص ومختلف.
من الواضح ان النص أعيا رئيف كرم، وأنه لاعتبارات لا ترحم، التزمه كما هو، والارجح انه تعامل معه باحتياط واحتراز شديدين وبحرفية كاملة، ولاعتبارات لا ترحم ايضا. حاول ان يكسر وتيرته التردادية المتسلسلة بنوع من التشخيص، أي ان يلعب البطل دوراً شبه إيمائي بينما يتردد صوته كأنه يصدر من مكان آخر. حاول بجو شبه تهريجي في معسكر يزيد وجو شبه احتفالي في معسكر الحسين ان يعطي طابعاً ملحمياً. اعتمد على مخيلة سينمائية في مشاهد القتال يسمح بها حجم الميدان الذي يتخذ كمسرح ومساحته. كل هذا جعل المسرح ضاجاً هائجاً متوتراً طوال الوقت، لكن هذا سرعان ما يغدو عاديا ومألوفا وتعود الرتابة لتستحكم بالموقف فالنص حاكم ولا يمكن اختراقه إلا بمقدار.
لكن ما استطاع رئيف كرم ان يتصرف بحرية فيه، وهو الذي اعطى لإخراجه شخصية ما، هو تقريبا في السينوغرافيا اذا جاز ان ندرج الصوت وهندسة المسرح في السينوغرافيا. في هذا يمكن ان نستشف رؤية المخرج. لم يقدر على المسرح لكن فهم ان العامل الصوتي القائم في إنشاد مجالس العزاء عنصر أساسي في المشهد العاشورائي. لم يكن كرم الاول الذي مزج المشهد بالتمثيل الصوتي في العزاء لكنه تطرف في ذلك اكثر من سواه بحيث حول التسجيل الصوتي الى مسرح مقابل، الى نوع من كورس هادر يمنح التمثيل الشجي وشبه الايمائي (وأيضا بسبب سعة المسرح) عمقا صوتيا هائلاً. كأن في الأداء الصوتي زلزلة الحدث البعيد ومأسويته ودويّه غير المسموع. شيء كالجوقة بالمعنى اليوناني بدون ان يكون جوقة. أهمل رئيف كرم، وربما لاعتبارات لا ترحم، ان يحول النساء المتجمعات بثيابهن السود في جانب الميدان الى جوقة بالمعنى اليوناني للكلمة. لم يكن التسجيل الصوتي جوقة، كان مزجا للمشهد مع العزاء. للتمثيل الصوتي مع التمثيل البصري. يجتذب فيه المسرح الى الصوتي بقدر يعادل اجتذابه الى البصري.
كانت هذه ملحمة والقتال أساسها. هكذا فهم كرم بذكاء المسألة. الميدان وسيع، وإذا كان بروك فاجأ بإدخاله الجياد الى عرضه للمهابهاراتا فإن الامر عادي هنا. الخيول تجول وتصول في التمثيل العاشورائي منذ البداية، وبإمكانك ان تحضر الى المسرح كتائب كاملة. من هنا يسعى كرم الى مشهد بين المسرح والسينما: الحشد النسبي للجنود والخيول الصائلة الدائرة حول ساحة المعركة مع معارك اقرب الى الطابع الايمائي. أراد ان يبقى المسرح مشغولاً بتلك الجياد الحائمة مسرعة حول الساحة. في هذا نجح كرم. لم يستطيع ان يخلق المسرح من قلب النص فخلقه من اطرافه. مع ذلك اتساءل اذ لم يكن كرم اخذ برؤية اكزوتيكية للنص. اذ ان التركيز على التمثيل الصوتي يستدعي في احيان طقوسا شامانية، بما فيها من الصخب والعلو والحدة، كما ان دوران الخيول الصائلة يستدعي فوراً وبلا تردد مقاطع تصور الهنود الحمر من افلام وسترن.
كان امام رئيف كرم تحدّ غالبه كثيرا، تحايل عليه كثيرا، واحتاط كثيرا بقدر ما انطلق حين تسنّى له ذلك، لكن ما فعله كرم يلائم المشهد القاسي لكوكبة “الضريبة”. لقد هداه شيء الى ان المبالغة هنا هي الاصل وأن التطرف والقسوة والذهاب الى ابعد ما يمكن هما المناسبان الآن، فبدا عمله مطروقا بهذه الروح، صخب وحده ونحيب في أداء صوتي لا يرحم، ودوران خيول لا يهدأ. هذه هي المسرحية الحقيقية ولينقذ النص نفسه.
آلام المسيح

"آلام المسيح لميل غيبسون |
|
ما كنت أنتظر في أسبوعي العاشورائي ان اصطدم بفيلم ميل غيبسون “آلام المسيح”. كنت اظن ان المسألة هي إدانة اليهود، بفعلة مضى عليها أكثر من ألفي سنة فاعتقدت انها لا تهم الا من لم يشعروا بمرورها. فيلم ميل غيسون يتبع الرواية الانجيلية. في هذا لا يجازف بمسيح سامي كما فعل بازوليني. مسيحه يشبه الى حد ما صورة في عصر النهضة غير ان ما لم يسبق إليه في السينما كان في العنف والدموية اللذين ختما على نحو لا يصدق اسبوعي الذي بدأ بالضريبة ومذبحة صواريخ كربلاء.
يعرفنا غيبسون فقط على عذاب المسيح منذ اعتقاله الى صلبه. رحلة شاهدناها من قبل في افلام تروي مسيرة المسيح وهو يجر الصليب والمسامير التي دخلت في قدميه والعطش الذي أصابه والألم الفظيع الذي خط عليه فوق الصليب. لكن الصورة الإلهية للمسيح بقيت مصونة تقريباً. جماله، فتوته، كماله الجسدي، لونه. المسامير تترك ندوباً لا حفراً. التعذيب يترك جروحاً وآثاراً لكن يبقى الوجه الإلهي والجسد الإلهي عامرين بحسنهما، في فيلم ميل غيبسون نرى المسيح المتوتر المتألم حتى العظم في انتظار تسليمه. يشرق بدموعه ولهاثه وخوفه كما قال بطرس. أما ما يتعرض له بعد توقيفه فهو تعذيب خرافي. من اللحظة الأولى يلكم في عينه فتنطبق طوال الفيلم ونراه دائما بهذه العين المشوّهة. يسقط من على الجسر بقيوده فيرفع بالحبل الذي يشد على عنقه ويكاد يخنقه بل يخنقه مرات. يؤخذ للجلد فيجلد على ظهره وبطنه ونسمع لفح وأزيز كل جلدة تهوي على جلده الذي يتقطع رويدا رويدا حتى يبدو بعد ذلك محزوزا بجراح صغيرة تغطيه شبه مربعات صغيرة مسامه بكامله. يجبر على حمل صليب هائل ينوء به ويسقط مراراً تحته قبل ان يصلب عليه. يتلقى باستمرار الرفس العنيف واللكمات والجلد. تدق يداه وقدماه بمسامير طويلة ناشبة. يرفع الصليب وهو معلق فوقه ليلقى به من عل على الحصى الجارحة. يطعن بحربة فيتدفق دمه رشاشاً على وجه الجندي.
الدم... الدم، مباشراً صريحاً والجراح تذهب عميقة في الجلد والجسد والاحشاء. كأن المشهد العاشورائي هنا صار الى الكمال والدموية والعنف غدت بحساب دقيق فناً. نرى المسيح مشوّهاً ممزق الجلد دامياً بائساً الى الاخير. لن نستطيع امام العين المتورمة المطبقة والجنب المبقور والجراح التي لا تعد ان نتكلم عن الوجه الإلهي. كلما زاد الألم والجراح زادت حسية المشهد وجسديته. سيتوارى المقدس عند ذاك وسيبقى الانساني. الانساني حتى الالتواء والتحطم والنزف النهائي.
الغريب ان ميل غيبسون لم يشر في تداعيات المسيح المعذب القليلة الى أي من معجزاته. كان يتذكر لحظات رائعة إنسانية وعلى المائدة غالبا يحدث تلامذته ويبتسم ويأكل. أي يستعيد لحظات إنسانية بسيطة بامتياز. لقد رأينا الانسان بكل وحشية ألمه بل قدرات العنف والتعذيب عليه. رأينا المسيح مثله مثل اي سجين في دولة مستبدة لا حدود لعنفها. يمكننا ان نتذكر ضحايا المنصور وهتلر وستالين وبينوشيه وصدام حسين مثلا.
فيلم غيبسون مخيف عن تحطيم كامل وكلي لإنسان. هل نلاحظ ان الدم الغزير يلغي المقدس؟ تحت الدم نجد الانسان. فوق وجوه “الضريبة” كان البؤس الانساني هو الذي أخافنا ولا اعرف كيف صمدت امام “الوثيقة الكاملة” عن قتل المسيح لحظة بلحظة. قال البطريرك “ان هذه هي الحقيقة كما هي”. هذا الكلام قد يتجاوز الحقيقة التاريخية الى حقيقة اكثر انطولوجية. هل علينا ان نذهب ابعد في حقول الوحشة الانسانية غير المكتشفة بعد. حصد فيلم غيبسون 125 مليون دولار في اسبوعه الاول. هل نفهم من ذلك ان “الضرّيبة” لم يفعلوا عجبا، أن هناك من يشترون الدم هنا ايضا وأن “ترداد” الدم هو نفسه في كل مكان.