قد يكون موضوع التمثيل، والمقصود تمثيل الناس في نظام برلماني مدخلا صالحاً، وعاملا مساعداً لفهم بعد اساسي من ابعاد العملية الانتخابية. وهو البعد المتمثل بكشف المضمون الاجتماعي- السياسي الذي تحمله عناصر العلاقة القائمة بين المؤسسة الانتخابية والذهنية او الثقافة السياسية التي ينتظم فيها طرفا العملية الانتخابية: المنتخِب (المقترِع) والمنتخَب اي المقترَع له!
من اجل فهم مجال هذه العلاقة وفضائها الاجتماعي والسياسي، وبالتحديد لفهم توزع عناصر هذه العلاقة بين الفرد والمجتمع من جهة، والدولة كجهاز حكومي وسلطات نافذة من جهة اخرى قد يكون مقيدا التوقف عند لحظة من لحظات التقاطع التاريخي او (التمفصل التاريخي) بين عرف تمثيلي قديم مورس في مجتمعات الدولة السلطانية (من مواصفاته التمثيل العصباني والتمثيل الرعوي القائم على علاقة الولاء والطاعة والاستتباع الخ...) نص جديد اقتبس من قوانين المؤسسات التمثيلية في الغرب الحديث (في الدولة الوطنية او القومية الحديثة). ومن تجليات هذا النص المقتبس: الدستور وقانون الانتخاب.
المقصود بلحظة التقاطع التاريخي، الزمن الاجتماعي السياسي الذي اجتمع فيه حيزان: حيز الاجتماع السلطاني للتمثيل العصباني او الرعوي القائم على وسائط من السلطات الاهلية: الاقطاع، المشايخ، الاعيان، نقباء الاشراف اصناف الحرف.. وحيز الاجتماع المؤسسي (الحديث) القائم على خيار الوطن الفرد في اختيار من يمثله في سلطة التشريع والرقابة. هذا الزمن الاجتماعي هو الزمن الذي بدأ فيه الاختلاط بين الحيزين، ليولد صيغة توليفية جديدة: تمثيل برلماني يحمل معه معاني التمثيل البرلماني (التشريع والرقابة) كما اوصلت اليه الثورات الديموقراطية في الغرب، ويحمل معه ايضا معاني ووظائف التمثيل الرعوي والعصباني والاستتباعي (المشيخي والاخوي).
لتوضيح هذه الصيغة التوليفية اعطي مثلا على بدايات تشكلها في لحظة ممارسة اول مؤسسة برلمانية في العالم الاسلامي: مجلس المبعوثان العثماني في العام 876 ثم العام .1908 (شهادة النائب عن ولاية بيروت سليمان البستاني) يقول البستاني في العام 1908 مستذكرا تجربة برلمان :1876 "لقد ايد لنا الاختبار باجتماع المجلس الاول سنة 1876 ان ابناء كل ولاية كانوا يظنون مبعوثهم منتدبا عن منتخبيه لا غير، ومأمورا بانفاذ جميع رغائبهم وابلاغه تشكيات افرادهم مهما كانت، حتى لقد كانت الرسائل في بعض الولايات تنهمر كالمطر على رؤوس مبعوثيها حاملة من المطالب ما لو طرحه المبعوث للبحث لما ناله الا هزء رفاقه اجمعين (...).
على ان هذه البداية لا تفسر الاستمرار التاريخي لمفهوم التمثيل البرلماني كما كانت بدايته. فلا شك في ان الماضي وحده لا يفسر الحاضر كما ان الحاضر وحده لا يفسر الماضي. لكن حركة الذهاب والاياب الدائمة بين الزمنين تساعد على بلورة الافكار في اتجاه المقاربة العلمية والتي قد ينتج عنها بعض الافكار المفيدة.
ان مقاربة موضوع التمثيل من زاوية تاريخية لا تتوقف عند مسألة تطور النصوص وحدها ولا عند ثبات البنى التقليدية القائمة والمتعلقة بالذهنية وحدها. فالنصوص تغيرت وخاصة في اتجاه توسيع قاعدة التمثيل شعبيا، ولا شك في ان الذهنيات تغيرت ايضا وكذلك الثقافة السياسية المحصّلة والمكتسبة في مجال الثقافة الديموقراطية لدى شرائح واسعة من النخب والمتعلمين والمثقفين والمواطنين.
لكن الملاحظ انه داخل هذا التطور استمر نوع من الدينامية الداخلية المهيمنة، اي نوع من عناصر البنية الثقافية المتداخلة يفعل فعله في عملية الاقتراع، وبالتالي في عملية التمثيل وطبيعته ودوره. فالملاحظ في سلوك المقترِع وسلوك المقترَع له اي المنتخِب والمنتخَب ان العلاقة بين الطرفين هي علاقة عقد خدمات، لا عقد اجتماعي وطني يقوم في ظل مفهوم الدولة الوطنية ومؤسساتها التمثيلية. انه عقد راعي ورعية. وفي داخل هذه العلمية تنبني علاقة ولاء. والولاء قوامه الولاية والتولية اي السلطة.
هذا الولاء قد يبدأ، اياً كانت الدائرة الانتخابية سواء كانت قضاء ام محافظة، بايجاد وظيفة للمنتخب او توفير طبابة او تعليم او تزفيت طريق، الى ايصال ماء او كهرباء الى شق اوتوستراد او بناء جسر. وكل هذه الانجازات يُحرص ان تمر عبر قطب برلماني او تنسب الى جهود نائب الدائرة. وبفعل نسبة هذه الانجازات اليه قد يتحول الممثل الى نائب دائم ثم الى مشروع زعيم، بغض النظر عن اية سياسية عامة قد يقوم بها او اي ايديولوجية عامة قد يعتنقها. من امثلة ذلك، النموذج الذي يتحدث عنه ايليا حريق: النائب ناظم القادري. فالاخير ذو منطلق قومي عربي ترشح على لائحة صبري حمادة اختطّ لنفسه خطا خدميا في المنطقة جعل منه زعيما محبوبا دائم النجاح في الانتخابات، بغض النظر عما يمثله من افكار وايديولوجيات وسياسات عامة في هذا ويقدّم النواب المنتسبون (اليوم الى احزاب قومية عقائدية وعلمانية انموذجا اكثر دلالة على المقارنة الفجة بين الادعاء الايديولوجي وواقع التمثيل اللبناني الزبائني (تبادل الصوت والخدمة).
هذا النمط من التمثيل امّنت استمراريته التاريخية مجموعة من العوامل التي اعادت بدورها انتاج هذه الذهنية لدى المنتخِب والمنتخَب. وتتجلى هذه العوامل مجتمعة في ظاهرة التداخل الحاصل بين الادارة كسلطة تنفيذية والمجلس التمثيلي (البرلمان) والثروة (ارض ورأسمال)، حيث يمكن رسم مثلث تواطؤ ضمني او صريح بين الادارة والبرلمان ورأس المال.
هذا التداخل بين المواقع الثلاثة: الموقع التمثيلي ولنقل السياسي، والموقع الاداري التنفيذي وموقع رأس المال، يؤدي الى وضع تُستخدم فيه قوة السياسي الاداري (الجاه والنفوذ) لاجراء عملية التوزيع والتنفيع وتجميع الثروات بل للقيام بالسياسات الانمائية.
على ان عملية التوزيع او المحاصصة بين اقطاب الطبقة السياسية في النظام السياسي اللبناني، تأخذ الى جانب الخدمات للمواطن صيغة التوازن الطائفي ايضا وفقا لموازين القوى التي تمر بها الزعامات المتشكلة داخل كل طائفة من الطوائف، بحيث يبدو ان لكل طائفة قطباً او مجموعة من الاقطاب الذين يمثلونها، والذين يدخلون في ما بينهم في علاقات ميثاقية تكتسب صفة الوطنية (التعاقدية) القائمة على مبدأ التراضي او التعايش.
يمكن تلخيص دور التمثيل البرلماني المتداخل مع التمثيل الحكومي الوزاري، مع التمثيل الاداري، مع المواقع الاقتصادية والمالية بمستويين من التمثيل:
- تمثيل خدمي للمواطن الفرد عبر وسائط سلطة، قد تكون سلطة العائلة او سلطة تجمعات اهلية في القرية او المنطقة او سلطة الفرد بذاته لسبب من الاسباب مالية او تكنوقراطية...
- تمثيل اخلاقي ورمزي للطائفة كجماعة ثقافية ساسية واحدة وموحدة ومتمايزة. هذا التمثيل غالبا ما يدّعى، ويتوسل، من اجل تبريره وتدعيمه واكسابه الشرعية الشعبوية وسائل وادوات كثيرة. منها ادوات التنظيم الشعبي والحزبي، والحركات الشبابية والكشفية والنوادي والجمعيات العائلية، بل حتى المناسبات والاحتفالات الدينية هي مناسبات لتأكيد هذا التمايز.
هل هذا النمط من التمثيل المزدوج المركب من مستويين (مستوى المواطن الفرد الذي يظل ملاحقا بالحاجة الى الخدمة او الحماية او الترقي من طريق الواسطة ومستوى الطائفة التي تبقى ملاحقة ايضا في ظل العلاقات الميثاقية المتوترة وفي ظل تجاذب سياسات التوزيع والمحاصصة، بهاجس الخوف او هاجس الحرمان، او هاجس النقص في المشاركة، او هاجس الاحباط)، هل هذا النمط من التمثيل قادر على تأمين ديموقراطية تمثيلية فعلية ومستديمة؟
كثيرا ما شُدّد ولاسيما من اصحاب الرأي القائل بالديموقراطية التوافقية ان هذه التمثيل الطوائفي منع، ويمنع، تشكل ديكتاتوريات عسكرية وقيام انظمة توتاليتارية. فهو يشكل نوعا من الممانعة التي تقوم بها الطبقة السياسية اللبنانية الممثلة فعلا لطوائفها ومجتمعاتها الاهلية في وجه النزوع الاحادي الذي تتجه اليه قوى توحيدية صهرية وقسرية وقمعية للمجتمع.
لكن هذا المعطى الايجابي لـ"نعمة" التمثيل الطوائفي اي الطائفية السياسية وهو معطى مهم من دون شك في تأمين حد كبير من الحريات السياسية وحريات التعبير والكتابة والاجتماع على خلاف ما حصل في الجوار العربي، قد ينقلب في اي لحظة من لحظات الخلل في التوازن ما بين الطوائف الى عائق منيع قد تصطدم به محاولات الاصلاح والتطوير للنظام السياسي في لبنان. الامر الذي يؤدي الى انعدام الحياة السياسية التي هي شرط التطوير والاصلاح، فتنفتح الازمة، ازمة التغيير والتطوير والنقد على مخارج خطيرة:
- حرب اهلية اذا اتيح لها شروط اقليمية ودولية.
- او استقواء بالخارج لتثبيت امر واقع في الداخل.
- او افتعال فزّاعات تعيد هوامات الحرب عبر اخراج مشاهد مذكرة بها وملغية للحياة السياسية الصحية في البلد.
ما العمل؟ في حدود الموضوع المطروح لا بد من التفكير بأبعاد اخرى اضافية للتمثيل. فاذا كانت الطوائف بنى اجتماعية ثقافية وسياسية فعلا (اي جماعات بالمعنى الاتنولوجي تشكلت في التاريخ ولا تزال تتشكل) واذا كانت ذهنية التمثيل لا تزال تحمل ثقافة الرعوية او ثقافة الاجتماع الثقافي السلطاني او العصباني الذي يدعوه الباحثون باللغة الاجنبية Systeme clientelaire، فان هذا النمط من التمثيل قد يكون ضرورة للتوازن المجتمعي من دون شك ولكنه توازن منقوص وغير كاف، اذ لا بد من اضافة بعد آخر في هذا التمثيل لتستقيم عناصر التوازن لا بين الطوائف ككيانات اجتماعية سياسية فحسب بل بين الاخيرة مجتمعة وتمثيل اعم واشمل لكل المواطنين اللبنانيين من داخل طوائفهم ومن خارجها ايضا.
المشاريع الاصلاحية للقانون الانتخابي اللبناني كثيرة، ومداخلها من اجل توسيع القاعدة الانتخابية وتعزيز المشاركة وتصحيح التمثيل عديدة. لكن المشكلة تبقى في مدى الاقتدار على انقاذ تلك المشاريع من خلال بنية برلمانية لبنانية تعيد انتاج نفسها في حلقة مفرغة وإن تبدلت الاسماء وتغيرت الاجيال.
من بين تلك المداخل الاصلاحية:
- اعتماد نسبية التمثيل.
- اعتماد البطاقة الانتخابية في مكان سكن المنتخب.
- تخصيص عدد من المقاعد لتمثيل غير طائفي او الغاء التمثيل الطائفي في البرلمان واعتماده في مجلس شيوخ مستحدث. وتبقى المشكلة في من يحمل هذه المطالب، لتصبح تشريعا وفي ظل الذهنية المستحكمة في طبيعة العلاقة التمثيلية بين المنتخِب والمنتخَب؟
* د. وجيه كوثراني، مؤرخ وأستاذ جامعي