فيلم: "آلام المسيح"

جوزفين حبشي
جريدة النهار (لبنان)
الجمعة، 19 آذار «مارس» 2004
فيلم آلام المسيح - Passion of Christ
THE PASSIONS OF THE CHRIST

     "مع آلامك أيها المسيح" عبارة كم مرة رددناها ونرددها في حياتنا اليومية عندما نتعرض لوجع ما او ظلم او اضطهاد. كثيرا طبعا رددناها لكننا حتما سنتردد الف مرة في قولها مجددا بعد مشاهدتنا فيلم THE PASSION OF THE CHRIST لأننا لن نجرؤ بعد اليوم على مقارنة ما نعايشه يوميا من آلام قد تبدو لا تحتمل، مع ما ذاقه السيد المسيح في الاثنتي عشرة ساعة التي سبقت تعليقه على خشبة الصليب.

شريط مختلف تماما عن كل ما شاهدنا سابقا وسنشاهد لاحقا في السينما العالمية، وخصوصا عن اهم ما شاهدنا حتى الآن اي فيلم فرانكو زيفيريللي الشهير "يسوع الناصري" الذي اصبح تقليدا سنويا على شاشاتنا التلفزيونية في اسبوع الآلام.

مخرج فيلم "قلب شجاع" وبطله ميل غيبسون احتاج حتما الى شجاعة فائقة ليقدم رؤيته الخاصة لمرحلة الآلام الاخيرة من حياة السيد المسيح. بشجاعة نحسده عليها فلا شيء اصعب من "عيش" تجربة كهذه من اختبار التعذيب بكل عنفه وقسوته وواقعيته، ولا شيء اصعب ايضا من فتح وكر الدبابير في عالم غربي يتحاشى مجرد "زكزكة" اليهود. ميل غيبسون الكاثوليكي المؤمن رد على الاتهامات التي وصفت فيلمه بأنه ادانة جديدة وقاسية لليهود، قائلا: "آلاف الناس شاهدوا فيلم "لائحة شيندلر" (يروي مأساة محرقة اليهود على يد هتلر) لكنني لا اتصور ان الناس يكرهون الالمان اليوم".

وكما منعت الرقابة عندنا عرض فيلم "لائحة شيندلر" كذلك تحرك اليهود في العالم لمنع عرض فيلم PASSION OF THE CHRIST (كما هو حاصل في اوروبا وتحديداً بلجيكا).

اتهاماتكم بأن الفيلم عنيف بشكل مبالغ فيه ومضخم ووحشي وغير واقعي، ستسقط عند مشاهدة الفيلم. فرغم فظاعة ما "سنعيشه" من تعذيب سيجعلنا نصرخ مرارا وتكرارا ونغمض عيوننا ونمسح دموعنا طوال مدة الفيلم البالغة ساعتين وعشر دقائق، ورغم صعوبة تصديقنا ورفضنا ان تكون وحشية كهذه قد مورست فعلا على يسوع، الا اننا عندما نتذكر ان البشر كانوا يُرمَون بين انياب الاسود المفترسة فقط من اجل تسلية القيصر في ذلك الزمان، وان خبث الكهنة اليهود قد يدفعهم الى القيام بأي شيء في سبيل الاحتفاظ بكراسيهم ومكاناتهم، كيف يعقل ان نأمل بأنهم "رحموا" المسيح وعذبوه بشكل انساني؟ 

وبالعودة الى الفيلم الحدث الذي اعتمد كل من ميل غيبسون وبنديكت فيتزجيرالد في كتابتهما السيناريو على الاناجيل الاربعة لمتى ولوقا ومرقص ويوحنا اضافة الى مذكرات الراهبتين آن كاترين ايميريش (1774 - 1824) وماري اغريدا، نقول انه من الصعب جدا ان نراه بمجرد عين ناقدة لعمل سينمائي. فمهما حاولنا التركيز على مقوماته الفنية وتركيبته، الا اننا سنفشل في فصل انفسنا عن كل ما سيفجره فينا من انفعالات وحالات نفسية. ومهما قلنا عنه، لا شيء سيوازي مشاهدته و..."عيشه" لأنه اكثر من قصة واكثر من فيلم، انه تجربة سنعيشها بكل عذاباتها والمها وصرخة الجلد وهو ينفلع تحت سوط جنود هازئين وحرقة الدم وهو يتطاير ليصبغ كل ما حوله بلون من الوحشية وعظمة قلب ام رافقت المراحل حاملة ابنها بصبر يمجّد مشيئة الرب. ولأنه قاس جدا كان القرار الصائب بمنع من هم دون السادسة عشرة من مشاهدته، فالفيلم ليس دعوة لتمضية وقت ممتع او تسلية، ولا هو نداء ديني او صدقية تاريخية او حتى عمل فني جميل بعيد عن معانيه. 

ساعتان وعشر دقائق، وبلغة آرامية تتخللها بعض اللاتينية (وهما اللغتان اللتان كانتا معتمدتين في ذلك الزمن) نعيش جلجلة حقيقية هذه المرة مع مجموعة من الممثلين الذين التحموا مع درامية الوقائع مثل الممثل الكندي الرائع جيم كافيزيل الذي من الصعب ان نتعرف الى قسماته الجميلة التي عرفناها في افلام مثل COUNT OF MONTE CRISTO و HIGH CRIMES وANGEL EYES. كافيزيل وبفضل الماكياج الخاص لوجهه المرمم وجسده الممزق من كثرة الجلد، وبفضل اعداده الطويل ودراسته لشخصية المسيح مع المخرج ميل غيبسون، نجح في تجسيد كل معاني الفداء والتواضع والحنان والمسامحة والمحبة التي اختصرها بحياته السيد المسيح. بدورها الممثلة ميا مورغنسترن قدمت صورة جديدة لمريم العذراء الجلودة والصبورة والمتعالية عن الانهيار رغم فظاعة ما عاشته. وفي دور مريم المجدلية الممثلة الايطالية مونيكا بلوتشي في شخصية تناسبها وتناسب جمالها. اما دور الشيطان الذي سيظهر تباعا للمسيح اثناء مراحله الصعبة في بستان الزيتون ولحظة تسليم يوضاس له الى الجلد وجلجلة الصليب حتى تعليقه على الخشبة وتسمير جسده الممزق، فقد قدمته الممثلة روزاليندا سيلتانو بكثير من الغموض الذي يوحي البرودة في الاوصال. في اي حال معظم الممثلين المشاركين في الفيلم هم من الايطاليين فالتصوير تم في جنوب ايطاليا حيث اختار غيبسون احد المواقع القديمة لاعادة بناء معالم اورشليم. 

ساعتان وعشر دقائق من مأساة آلام السيد المسيح جسدتها رؤية ميل غيبسون الخاصة والجدية والواقعية والقاسية جدا. ساعتان وعشر دقائق من العذاب غير المحتمل في مشاهدة ما يجري، تقابله ثوان قليلة للقيامة كانت اكثر من كافية لمنحنا العزاء ولمنح الشريط الخاتمة الرائعة.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic