نحن لا نحتاج إلى قيادات ملهمة تقودنا في المنعطفات التاريخية واللحظات المصيرية وتواجه التحديات الخطيرة والتهديدات الكبيرة وتأخذ بيدنا الى العلى وترفعنا بين الأمم والشعوب وغير ذلك من الكلام الممجوح الذي ملت منه آذاننا واستخدم طويلا لاستعبادنا.
وإنما نحن بحاجة لنتحرر من ذهنية اننا قطيع يحتاج الى من يقوده ويتولى أمره من دون محاسبة او مساءلة. ولتحقيق ذلك فإن كل ما نحتاج اليه هو شعوب كالشعب الاسباني وبرلمانات كالبرلمان الكوري الجنوبي.
في كوريا الجنوبية اخطأ الرئيس روه موهيون بدعوته الناخبين الى التصويت لحزب “أوري” الموالي له فما كان من البرلمان إلا ان أقال الرئيس لانه انتهك الدستور الذي يلزمه بالحياد خلال الفترات الانتخابية ولأنه رفض الاعتذار عن تصريحاته واكتفى بإبداء الاسف لتسببه بإثارة الجدل.
أما في بلاد العرب والمسلمين فإن كلام الرئيس هو الدستور وما يطلبه هو المصلحة بعينها لانه صاحب رؤية ثاقبة لا يجاريه بها احد. ومن يزكيهم للانتخابات هم النخبة الصالحة لخير الوطن والشعب.
وإن كان النظام دينيا فإن كلام رأس النظام يتحول الى تكليف شرعي لا تجوز مخالفته ولا حتى قلبيا لان الله يعلم السر وأخفى. وكلامه فصل ككلام المعصومين والراد عليه كالراد على الله. وهو الذي يحاسب البرلمان ان وجد ولا يملك البرلمان ان يحاسبه ولو كان كل اعضائه من علماء الدين، وكأننا في حالة صلاة جماعة دائمة لا يجوز للمأموم الا ان يتبع الامام في كل حركاته وسكناته وأقواله وإلا فسد ايمانه كما تفسد صلاته.
اما في اسبانيا فرغم السجل الاقتصادي الايجابي لرئيس الحكومة خوسيه ماريا ازنار تجاه شعبه وبلده الا ان شعورا انتشر بين الناخبين الاسبان بأنه حاول تضليلهم وخداعهم في ما يتعلق بالمسؤولية عن انفجارات مدريد بتوجيهها سريعا نحو منظمة “ايتا” الانفصالية ليعزز مصالحه الانتخابية. قبل انكشاف مسؤولية سياسته الخارجية المرتمية في احضان السياسة الاميركية والتي استقدمت “القاعدة” للضرب في قلب مدريد.
وبسرعة دفع ازنار ثمن تسرعه ومحاولات التضليل والخداع لان الشعب سيد قراره ولا يرضى برؤساء يخدعونه.
ولو جرى الامر في بلادنا العربية لانطلقت الدعوات من كل حدب وصوب للالتفاف حول القيادة ودعمها لتفويت الفرصة على الاعداء ولطلب من كل معارض (ان وجد) ان يؤكد انتماءه الوطني بالتعالي عن معارضته واعتراضه والالتفاف مع الملتفين. او بالحد الأدنى ان يلزم الصمت حتى لا يخدم الاعداء ويهدد الوحدة الوطنية القسرية والتي تتمظهر قسريتها اضطرابات وقلاقل متنقلة بين بلد عربي وآخر من المحيط الى الخليج.
وإن تجرأ معارض او تجرأت المعارضة (إن وجدت طبعا) على الاستمرار في رفع الصوت وخالفت رواية الحاكم او النظام فلا يبقى الا الاتهام بخدمة الاعداء والإضرار بصورة الوطن ومصالحه العليا وبث الفرقة والتشويش وشق الامة.. وكلها تهم لا ترجمة لها بأقل من السجن والحرمان من الحقوق المدنية كافة.
بحسب المنطق العربي فإن الشعب الاسباني خذل قائده وأسقطه محققا اهداف تنظيم “القاعدة” بدل ان يلتف حوله ويرد كيد القاعدة الى نحرها.
لكن الفارق بين الشعب الاسباني والشعوب العربية ان الاول لا يحيا بالشعارات ولا تأخذه الحمية والعصبية الى تجاهل الحقائق والتدقيق في الوقائع ولا ينصر رئيسه ظالما او مظلوما لانه يدرك ان الذي يدفع الثمن هو الشعب والدولة والمبادئ التي تسيرهما وأن الرئيس الحاكم لا يختصر هؤلاء جميعا مهما علا شأنه.
نعم، لو ان شعبا عربيا مر بهذه التجربة، وما اكثر الشواهد. لخشي من شماتة الاعداء ولما وجد وسيلة لكيدهم والرد على عدوانهم افضل من تجديد البيعة والولاء وإعانة الحاكم والنظام على اختلاق الاعذار وتبرير الاجراءات والاعمال.
وبعد ذلك يصر كثيرون تغافلا على اعتبار ان الشعوب العربية لا تنتج الاستبداد ولا تألفه. وكأن الاستبداد الاموي ثم الاستبداد العباسي وصولا الى الاستبداد العثماني جاء من خارج الامة وفرض عليها. بل ان الاستبداد في تاريخنا وصولا الى حاضرنا هو الاصل.
وكما حارب العباسيون استبداد الامويين ليقيموا استبدادهم ما زالت كل جماعة الى اليوم لا تخرج على استبداد الا لتقيم استبدادها مكانه، وحال الشعوب العربية مع الاحزاب القومية التي حاربت الاستعمار ووصلت الى السلطة دليل على ذلك. وحال الجماعات الاسلامية التي قاتلت اكثر من نظام عربي وما زالت دليل آخر. صحيح ان لدى الشعوب العربية حساسية تجاه الاحتلال الاجنبي واستبداده. ولكنها اقل حساسية تجاه الاستبداد الداخلي الذي سرعان ما يحصن نفسه بالعشيرة والطائفة والمؤسسة الامنية والعسكرية. وخصوصا الاستبداد الديني الذي يصل مستوى الرضوخ له الى درجة التعبد لله بطاعة الحاكم وطلب رضاه استنادا إلى احاديث مدسوسة وما أكثرها.
يقول تعالى “ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” لكن يبدو ان انفسنا عصية على التغيير. وكيف نتغير ونحن نعتبر ان الخير كله في ما وجدنا عليه آباءنا من دون تعديل او تطوير. أما والحال هذه فلا بد من آية اخرى اذ يقول تعالى: “وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم”. وقد يبدو هذا هو الحل والعلاج فإذا كان متعذرا تغيير الحكام وتغيير الاوضاع الاقتصادية المتدهورة والعلمية المتخلفة وثقافة التمذهب والتعصب، ولا امكانية لتعميم حرية الرأي والتعبير والتجديد والابداع، فلم يعد من مجال الا لطرح وحيد وهو تغيير الشعوب العربية لانها اضحت جسدا ميتا لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ضرا ولا ان يجلب لها نفعا. وبطن الارض خير للميت من ظاهرها.
الآن وبعد ان قال الشعب الاسباني كلمته هل فهمنا سر الارقام الاسبانية التي ذكرها تقرير التنمية الانسانية العربية في مقاربته لاوضاع البلاد العربية؟
هل ادركنا لماذا يساوي الناتج المحلي الاجمالي في اسبانيا الناتج المحلي الاجمالي للدول العربية مجتمعة؟ وهل عرضنا معنى ان تترجم اسبانيا سنويا 920 كتابا لكل مليون من السكان فيما يترجم العرب اقل من كتاب سنويا لكل مليون من السكان؟ قد يقول البعض ما علاقة هذه بتلك!
(*) إعلامي لبناني مقيم في دبي