طغت الانتخابات البلدية على كل ما عداها. ولم يتحرر الجسم النيابي من هذا الطغيان، حتى انه تناسى ان افتتاح الدورة العادية الأولى للمجلس يوم الثلاثاء الماضي لم يكن مسبوقا بما كان مقرراً في اختتام الدورة الاستثنائية يوم الاثنين لجهة عقد الاجتماع الثاني لهيئة مكتب المجلس ولجنة الإدارة والعدل لمتابعة درس تفسير المادتين 60 و70 من الدستور بعد الجلستين العامتين اللتين عقدتا في هذا الإطار.
ويرى مراقبون ان الانتخابات البلدية تستحقّ مثل هذا الاهتمام وأكثر كونها الاستحقاق الوحيد الذي لا يخضع للأحكام الطائفية والمذهبية المنصوص عنها والمستترة من بين كل المؤسسات ومن دون استثناء. ولكن الاهتمام الحاصل بالانتخابات البلدية يبدو وكأنه عكس المطلوب تماما مما يفترض تصويبه كي يأخذ مجراه الصحيح.
وما يلفت اليه المراقبون في هذا الخصوص المحاولات الجارية للايحاء بأن مشكلة هذه الانتخابات الأساسية تكمن في عدم تطييفها قانوناً. فهناك من يضع يده على قلبه كل يوم خوفا من ان يتشكل مجلس بلدي في بلدة او مدينة او العاصمة من فريق طائفي واحد فيرفع راية العيش المشترك لمواجهة قانون البلديات الذي “شذّ عن احترام هذا العيش” ويطرح أكثر من صيغة للالتفاف عليه كي ينضم الى بقية القوانين المحكومة بالطائفية. واللافت في هذا “العطف” على الطوائف والحرص “على حقوقها” والتمسّك بالعيش المشترك معها انه يصدر عن جهات تملك القوة الانتخابية الضاربة في البلديات التي تخاف من ان تتجاوز نتائج الانتخابات فيها قواعد العيش فإذا كان تباكيها ليس على “الهريسة” كما يقال، فإن مجرد الإشارة لمؤيديها باختيار أسماء تمثل كل المذاهب في الانتخابات سيكون كافياً لتكريس صيغة العيش المشترك في النتائج. وقد أثبتت وقائع الانتخابات النيابية والبلدية السابقة ذلك بصورة أكثر من واضحة.
لهذا يرى مراقبون ان هذا المنحى من الاهتمام السياسي بالانتخابات البلدية يكمن في طياته العمل لتحقيق ثلاثة أهداف في آن: ترسيخ الأبعاد الطائفية بتحويل البعد الوطني لهذا الاستحقاق عن مفهومه وإظهار أن قانون البلديات يشكل حجر عثرة في وجه المسلّمات الوطنية مما يستوجب تغييره بالإجهاز على الخطوة الرائدة التي أقدم عليها رجالات الاستقلال ومن ثم الدعاية الشخصية في الأوساط التي تنتمي الى الطوائف والمذاهب “المهدّدة بفعل قانون البلديات اللاطائفي من الطرد من جنة العيش المشترك”.
ويتوقّف مراقبون عند منحى آخر من عملية التسييس والممثلة بتشكيل اللوائح الائتلافية بين بعض القوى حرصا على أمن العمليات الانتخابية والمحافظة على ممارسة الديموقراطية فيها. ومما لا شكّ فيه ان الانتخابات البلدية مهيأة لفرز الكثير من المشكلات الأمنية التي وان كانت ذات انتشار أفقي واسع إلا انها تبقى في معظم الأحيان محاصرة في مكانها. ولكن من الثابت ان حل مثل هذه المشكلات لا يتحقق لا بإعلانات التوافق ولا بتشكيل اللوائح الائتلافية وقد ظهر ذلك جليا في استحقاقات سابقة. فالإعداد او التخطيط لمواجهة الاشكالات الأمنية لا يتحقق بالتسمية المشتركة لأسماء المرشحين إنما في اتخاذ الاجراءات مسبقا لضبط العناصر التي يمكن ان تكون مهيأة لافتعال الإشكال او ان تفقد اعصابها وتنجرّ اليه. وبهذا المعنى فإن الجانب الآخر الكامن وراء عملية التسييس يستهدف منع القوى التي يمكن ان تصل الى المجالس البلدية وتكون قادرة على إحداث حالة من شأنها بناء استقلالية ذاتية تخاطب بها القوى الفاعلة. وهذا يعني محاولة تشكيل أكثرية ظرفية او آنية لسحق أكثرية قائمة فعلا باعتبار انه لو وجدت أكثرية من فريق سياسي واحد في بلدة معينة لما كان للائتلاف معنى ولعمد هذا الفريق الى فرض نفسه بالوصول الى المجلس البلدي من دون أن يشاركه في ذلك أي فريق آخر.
ويرى بعض المراقبين ان عملية التسييس في الانتخابات البلدية تنصب في طياتها فخاً لاصطياد المحاولات التي تجري لانماء القرى والبلدات. ففي حال فشل لائحة التوافق السياسي فإنه لن يكون للمجلس البلدي المنتخب لا حول ولا قوة لأن معظم بلديات لبنان وخصوصا التي لا يزيد مجلس بلديتها عن 15 عضوا لا تملك امكانات القيام بعمليات إنمائية حقيقية اتكالا على مواردها. فهي دائما بحاجة الى مد اليد الى الدولة والوزارات لمساندتها في المشاريع. والسؤال هنا من هو الوزير وأي دولة عندنا تمكن ان تفصل بين المساندة المطلوبة والموقف الانتخابي لبلدة لم تساند اللائحة المدعومة من الجهة السياسية التي يمثلها الوزير؟ أما في حال فوز اللائحة المغطاة سياسياً فإن عملية الإنماء وإدارة شؤون البلدة وشجونها تتحوّل الى قبضة السياسة وحتى اليوم لم تثبت السياسة مرة واحدة انها تعمل في الإنماء والإدارة إلا وفق ما يحقق مصلحة أفرادها وما يعتبر “نكداً” و”حرقصة” بالآخرين الأمر الذي يمكن معه القول استناداً الى مقولة ان الشر يبقى اهون من الشرّين ان تعطيل الإنماء أفضل من ان يتحول الى سبيل للتحدي و”الحرقصة” والسيطرة على الإرادات في آن.
وهنا لا بدّ من الإشارة الى ان ضرورة ان يبتعد الناخبون البلديون عن الانخراط في تسييس الانتخابات او يتجاوبوا معها لا يعني مطلقا مواجهة سياسة ما وعدم تأييدها. فالقوى السياسية قائمة على برامج ولها تطلعاتها على المستوى الوطني العام كما أن تترك وراءها مواقف وإنجازات وطنية تفرض ذاتها. لذلك فإن الابتعاد عما هو سياسي في الانتخابات البلدية لا يعني التخلي عن الالتزامات وعن إهمال المواقف والانجازات ذات الأبعاد الوطنية.
والانتخابات البلدية كونها تشكل الدرجة الأولى من سلم ممارسة الديموقراطية فهي تتحول الى مقياس يمكن القياس عليه في رصد مستقبل الاستحقاقات الانتخابية الأخرى. فضبط الانتخابات البلدية في كل المجالات سيان ان كان من قبل الجهات الرسمية المعنية أم من جهة التعاطي معها وخصوصا لناحية ماهيتها يمكن ان يشكل مراهنة على انضباط الاستحقاقات الأخرى والعكس صحيح. ولهذا فإن الانتخابات البلدية لا تكتسب أهمية بذاتها إنما كونها مؤشرا أيضا. وهنا يبدو الفارق في فهم البعد الثاني لهذه الانتخابات بين السياسة وحقيقة هذا المؤشر. فالسياسة ترى في تدخّلها وانخراطها في الانتخابات البلدية عملية إحصاء لتطور الاتجاهات عند المقترعين سلباً أم ايجاباً، ويرى فيها آخرون مناسبة ل”تسخين” ماكينتها الانتخابية بعد مرور حوالى أربع سنوات على توقفها من دون أي “تزييت” لأدواتها. بينما هي مؤشر على كيفية التعامل والأداء لكل من يعنيهم الأمر في الاستحقاقات المقبلة. ولا يتصور أحد ان انتخابات نيابية مثلاً يمكن ان تكون وفق ما هو مطلوب إذا ما كانت الانتخابات البلدية والتعاطي معها على عكس ما هو مطلوب. فهذه بنت ذاك والابن كما يُقال هو ابن أبيه إلا في حال وجود الزنى.