حماس على الطريق

نايف كرَيـِّم
جريدة السفير (لبنان)
الأربعاء، 24 آذار «مارس» 2004
نايف كريم

     كما عبدت دماء الشهيد السيد عباس الموسوي الامين العام السابق لحزب الله الذي اغتالته اسرائيل عام 1992، الطريق لتحرير جنوب لبنان من الاحتلال الاسرائيلي بعدما ساهمت في تعظيم المقاومة وشأنها وقوة فعلها، فإن دماء الشهيد الشيخ احمد ياسين ستعبد الطريق الذي شقه آلاف الشهداء لبداية تحرير الأراضي الفلسطينية ابتداء من غزة. 

من الواضح ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون يستمد وجوده في السلطة من خلال العنف والقتل وممارسة لعبة خلط الاوراق لجعل الامور تسير دائما في منحى اجهاض اي بحث سياسي تفاوضي مع الفلسطينيين، وترك الحرية له في المصادرة والعزل والفصل والجرف والتدمير والقتل المتواصل للفلسطينيين وللمبادرات السياسية ايا كانت، طمعا في فرض استسلام كامل. 

ربما كان صحيحا ان لعملية اشدود النوعية التي هزت الأمن الاسرائيلي في العمق والصميم وانطلق منفذاها من غزة، دوراً في تسريع اغتيال الشيخ ياسين، إلا ان الحقيقة ان قرار اغتياله اتخذ منذ مدة كجزء لا يتجزأ عن خطة الفصل من جانب واحد. فاسرائيل لن تترك قطاع غزة قبل ان تحاول قتل اكبر عدد ممكن من قيادات المقاومة الفلسطينية وكوادرها، وفي ظنها ان ذلك يمنع تكرار صورة الهزيمة والانكسار غداة تحرير جنوب لبنان ويوجه رسالة الى الداخل الاسرائيلي اولا لمنعه من استعادة تلك الصورة السلبية ومنع معارضي شارون من تصوير مشروعه كهزيمة ثانية بعد هزيمة جنوب لبنان. 

وهي تعتقد ان قتل قادة المقاومة قبيل الانسحاب من غزة سيترك القطاع مهمشا وضعيفا ومن دون قيادات قادرة على الإمساك بدفة الامور او الاستمرار بتهديد اسرائيل. 

تبدو اسرائيل هنا كأنها لا تتعلم من تجاربها، او انها لا تمانع في تكرار تجارب انقلبت عليها بصورة اكثر سلبية. وكأنها لم تع تماما ما الذي يغذي خصومها ويقويهم وما الذي يضعفهم وتحديداً في هذا الجانب، جانب اغتيال قادة المقاومة الاسلامية الذي لم يؤد في حالتي فلسطين ولبنان الا الى تقوية شوكة المقاومة بدلا من إضعافها، وترسيخ حضورها بدلا من تهميشها، وتعزيز الالتفاف الشعبي حولها بدلا من عزلها. ذلك ان دماء الشهداء بحد ذاتها في المنطق الاسلامي المقاوم تعطي دفعا وزخما وتشحذ الهمم على الثبات والصمود والاستمرار فكيف اذا كانت دماء قادة. 

اين كان “حزب الله” قبل استشهاد السيد عباس الموسوي عام 1992 واين اصبح بعد الاستشهاد بحجمه ودوره وقدرته على الفعل. ودماء الشيخ احمد ياسين قادرة على ان تعطي ل”حماس” نفس الامتيازات التي اعطتها دماء السيد الموسوي ل”حزب الله” شرط ان تعرف “حماس” كيف تقدم قيادة جديدة قادرة على الاستقطاب والاستيعاب وتفهّم الظروف ودراسة الخطوات بدقة وتصنيف اوراق القوة وتفاوتات استعمالها في الزمان والمكان ونسج العلاقات داخل الساحة الفلسطينية وخارجها ومع الشعوب العربية وعدد من الانظمة العربية على علاّتها. وهي ان فعلت ذلك ستجد نفسها متوجة بطلة للتحرير يبايعها في ذلك الشعب والسلطة إن عرفت كيف تتجنب استفزاز السلطة، وتفصل بين دورها ودور السلطة مع توطين النفس على تحمل تجاوزات السلطة ان حصلت وعدم الرد بما يتجاوز دورها. 

ليس في الامر تبسيط. صحيح ان ظروف الشعب الفلسطيني اقصى من ظروف الشعب اللبناني إبان الاحتلال، والدعم الاقليمي لمقاومة “حزب الله” كان مرتاحاً اكثر وقنواته مفتوحة قياساً بالحصار الاسرائيلي والعربي والدولي الذي تعانيه مقاومة الشعب الفلسطيني، لكن الفلسطينيين تعودوا التكيف مع الصعاب حتى التغلب عليها فكيف اذا رأوا في اشتدادها تباشير فجر قادم ولو بعد حين. 

مع دفن الشهيد الشيخ احمد ياسين دُفنت الى غير رجعة كل أشكال الهدنة المطروحة لعمليات المقاومة والتي كان الشيخ ياسين مصراً على رفضها لأن التجربة السابقة لم تكن مشجعة. وإذا كان من مجال لامكانية عودة الحديث عن هدنة فليس قبل ان تثمر دماء الشيخ ياسين في تحرير قطاع غزة او معظمه. ولئن احتاجت دماء الشهيد السيد عباس الموسوي لثماني سنوات لتثمر تحريراً فإن دماء الشيخ ياسين ستثمر قبل انقضاء هذه المدة بكثير. 

هي دماء القادة المميزين دائما مدعاة للتفاؤل بامكانية ان تساهم بانجاز ما لم يستطع القائد انجازه في حياته فيكمل الانجاز باستشهاده، وهكذا يكون القادة الذين يدفعون الناس للتمسك بقيمهم والسير على خطاهم لأنهم دفعوا حياتهم ثمناً ليحيا شعبهم، وهم غير الذين ضحوا بشعبهم ليقيموا سلطانهم فإذا جاء المحتل استسلموا أذلاء. 
“حماس” على الطريق الصحيح لكن الحماسة المدروسة هي التي تساهم بتحقيق الاهداف.
 

(*) إعلامي لبناني مقيم في دبي

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic