شكراً أرييل شارون!

فهمي هويدي
جريدة السفير (لبنان)
الثلاثاء، 30 آذار «مارس» 2004
فهمي هويدي

     هذا شكر معجون بالكراهية. الشكر له أسباب متعددة سأوردها حالاً. أما الكراهية فسوف يغنيني عن أي شرح لأسبابها أن أشير إلى أن الأمر متعلق بأرييل شارون وممارساته، التي كان أحدثها إشرافه الشخصي على قتل الشيخ أحمد ياسين، لثقتي في أن مجرد ذكر الاسم يستدعي تلقائياً سيلاً من معاني الكراهية ومتردافاتها. 

قبل سنتين كان زميلنا الأستاذ عادل حسين الأمين العام لحزب العمل المصري، رحمه الله، يقول ضاحكاً إن ارييل شارون هو “مبعوث العناية الإلهية لإيقاظ الأمة العربية”. وفي بداية هذا العام كنت في العاصمة الأردنية عمان، سمعت من الأستاذ منير شفيق المحلل الاستراتيجي الفلسطيني الفكرة نفسها، وقد زاد عليها أن نجاح الرئيس الأميركي جورج بوش في انتخابات الرئاسة القادمة لن يخلو من مصلحة استراتيجية، لان ذلك سيكون كفيلاً بالقضاء على هيبة الولايات المتحدة وتدمير سمعتها في العالم، وهو ما “أنجزت” إدارته فيه الكثير خلال الولاية الأولى. وإذا ما قدر له أن يستمر في ولاية ثانية، فإن ذلك سيكون انتصاراً كبيراً لكل الذين يكرهون الولايات المتحدة وينقمون عليها. 

كنت في الكويت حين وقع اغتيال الشيخ أحمد ياسين (22/3)، ولاحظت الغضب والاستنفار لدى قطاعات عريضة من الناس، كانت محسوبة إلى عهد قريب ضمن الذين استشعروا خليطاً من الحساسية والاستياء إزاء الموقف الفلسطيني، متأثرين في الأغلب بالتعبئة الإعلامية السلبية التي ما برحت تتهم الفلسطينيين بتأييد صدام حسين ونظامه، خصوصاً في غزوه للكويت عام 1990. يوم ذاع خبر اغتيال الشيخ وجدت الصورة قد اختلفت، في الشارع على الأقل، حيث نسي كثيرون مشاعر الحساسية والاستياء، وشهدت المدينة في اليوم ذاته مؤتمرين كبيرين للتضامن مع الفلسطينيين والدعوة إلى مواصلة المقاومة و “الجهاد” من أجل تحرير الأرض المحتلة، أحدهما طالبي في الجامعة والآخر شعبي عام دعت إليه جمعية الإصلاح. وقالت لي محامية كويتية إن القلوب التي ماتت فلسطينياً، دبت فيها الحياة وانتفضت بعد قتل الشيخ ياسين. 

أدركت مما رأيت وسمعت أن المرارة التي رانت على قلوب كثيرين قد انكسرت في أعقاب ذيوع خبر الجريمة البشعة، فاستعدت نبوءة عادل حسين وتحليل منير شفيق، وبدأت في قراءة السلوك الإسرائيلي من زاوية أخرى، لا تقف عند وقائع الجرائم التي ترتكب في الدم الغزير الذي يراق كل يوم، إلى هدم البيوت وتجريف الأراضي، وإنما تتجاوزها إلى ما ينجم عنها من أصداء وغايات، لم تكن في حسبان البغاة والقتلة الذين خططوا للجرائم أو نفذوها. 

سيدخل شارون التاريخ باعتباره رجل الإبادة والاستئصال، الذي أوغل إلى أبعد مدى في الدم الفلسطيني، بل والعربي أيضاً. صحيح أن أمثاله كثيرون في إسرائيل، إلا أن بعضهم فعلها ثم أقلع عن القتل بالسلاح أو آثر أن يمارسه بأساليب أخرى، كالخنق بقفازات ناعمة أو بالتركيع “السلمي”، كما يفعل أركان حزب العمل. ولكن من الثابت أن شارون نجح في أن يقدم نفسه باعتباره القاتل “الأصولي” الذي أغمد السلاح في القلب الفلسطيني حتى آخر لحظة في حياته، غير مكتف في ذلك بالإجهاز على البشر وإنما متطلعاً إلى اغتيال الحلم الفلسطيني أيضاً. 

يذكر الجميع اشتراكه في المذبحة التي قام بها الإسرائيليون في قرية “قبية” الفلسطينية عام 1953، التي قتل فيها 69 مدنياً، وقيامه بالهجوم على غزة وقتله 37 مصرياً (عام 55)، وقيادته للهجوم على شواطئ بحيرة “طبريا” السورية قبل حرب عام 67، ما أسفر عن قتل 50 جندياً سورياً. أما دوره في احتلال لبنان عام 82، وفي مذبحة صبرا وشاتيلا التي قتل فيها ألفان من الفلسطينيين، فإنه يحسب عليه باعتباره من أفظع جرائمه وأكثرها وحشية، الأمر الذي فضح أمره حتى بين الإسرائيليين، فتوارى بعض الوقت بعد إدانته رسمياً وحرمانه من تولي وزارة الدفاع ثم ظهر مرة أخرى رافعاً لواء التوسع في الاستيطان والتعجل في التخلص من الفلسطينيين، بالترويع والطرد والإبادة. وهي الأساليب التي أتبعها بدقة منذ توليه رئاسة الحكومة قبل أكثر من ثلاث سنوات، واعداً بأنه سوف يقضي على الانتفاضة خلال مئة يوم. وشاء ربك أن يخيب أمله، فلا تنطفئ جذوة الانتفاضة، وإنما تتواصل وتتأجج حيناً بعد حين. بل شاء ربك أن يوقعه في شر أعماله، ليرتكب حماقته الكبرى، التي جعلته يقرر قتل الشيخ أحمد ياسين، ويشرف بنفسه على ذلك، ويهنئ رجاله علناً على نجاحهم في ارتكاب الفعل الفاضح. 

هي مفارقة لا ريب، إذ يأتي شارون مستعلياً ومستقوياً بترسانة الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، ومحتمياً بالغطاء الأميركي، ويظل يلاحق الانتفاضة الفلسطينية محاولاً سحقها طيلة سنوات ثلاث، مستخدماً في ذلك أمضى أسلحته وراكباً أعلى خيله، ثم يفشل في بلوغ مراده، ولا يجد مفراً في النهاية من الاختباء من بطولة الشباب الفلسطيني المسلح بقوة الإيمان وعدالة القضية وراء السور الذي شرع في بنائه. ويلجأ إلى إطلاق ثلاث طائرات بعد فجر ذلك اليوم لكي ترمي الشيخ العاجز بثلاث صواريخ فتاكة، بينما هو خارج من صلاة الفجر فوق مقعده المتحرك، في عمل خسيس لا هو من شيم المحاربين الشرفاء، ولا هو من ممارسات الأقوياء. وهو مشهد قلب الصورة رأساً على عقب، وجدنا فيه شارون هو العاجز اليائس، في حين طالت قامة الشيخ حتى رأيناه مارداً عملاقاً استحق لقب “الشهيد المنتصر”، ذلك الذي أطلق على الحسين بن علي بعد المقتلة التي أوقعها به يزيد بن معاوية شارون زمانه في كربلاء. 
 

**********

     شكرنا المغموس في الكراهية جد وما هو بالهزل، وإذا سألتني لماذا الشكر أصلاً، فعندي في الرد أسباب كثيرة في مقدمتها ما يلي: 

- انه كشف لنا عن الكثير من المستور والمخبوء في إسرائيل. ذلك انه منذ جاء إلى السلطة نجح في إقناعنا بأن المزاج الإسرائيلي يتبنى التطرف ويحتمي به، وان الأصوات التي تتحدث عن السلام أو تراهن عليه لا تمثل سوى شرائح استثنائية، لا وزن لها ولا قيمة. وحين تكشف استطلاعات الرأي بعد وقوع جريمة القتل عن أن 61% من الإسرائيليين يؤيدون سياسته، فإن الرسالة هنا تصبح شديدة الوضوح في التعبير عن استحالة التعايش بين العرب والإسرائيليين، الأمر الذي يترجم لنا الشعار الذي رفعه البعض عندنا يوماً ما، ممن قالوا بأن ما بيننا وبين إسرائيل هو صراع وجود لا صراع حدود. مع فارق أساسي هو أننا رفعنا الشعار وهتفنا له، في حين انهم نفذوا الشعار على الأرض، دون أن يرفعوه أو يهتفوا له. 

- وإذ اعتدنا في أدبياتنا السياسية أن نفرق بين الإسرائيليين الصهاينة وعموم اليهود، وحرصنا على أن نبين أن مشكلتنا الحقيقية مع الأولين دون الأخيرين، فإن ممارسات شارون والتأييد الواسع لسياساته من أغلب الجاليات اليهودية في الخارج غيرت من ذلك التقدير. إذ فتحت أعيننا على حقيقة أن المسافة بين الطرفين ليست بالبعد الذي افترضناه، الأمر الذي نبهنا إلى أننا بالغنا في إقامة ذلك التمييز الذي دأبنا على الالتزام به، ومن ثم تعين علينا أن نعيد النظر فيه وفي النتائج المترتبة عليه. 

- انه أقنع الجميع والشعب الفلسطيني في المقدمة بأن المقاومة المسلحة هي الخيار الوحيد. وهو بذلك أسدى خدمة جليلة لمنظمات المقاومة، خصوصاً تلك التي تتبنى العمليات الاستشهادية، من حيث انه بممارساته الاستئصالية صادر أية إمكانية للتفاوض والالتقاء حتى على نقطة وسط. ذلك أن نهجه يبعث إلى الفلسطينيين برسالة تقول: إما الاستسلام والركوع وإما الموت. وحين يغدو الموت هو الخيار الباقي أمام ذوي النظرة السوية الذين يستشعرون الحد العادي من المروءة والكرامة، فإن الاستباق إليه أولى من انتظاره. ولذلك لم أستغرب الأنباء التي ترددت عن مضاعفة أعداد المتطوعين للعمليات الاستشهادية في أعقاب قتل الشهيد أحمد ياسين. 

- انه ألغى كل اتفاقات الحلول السلمية التي تم توقيعها مع الحكومات الإسرائيلية السابقة، من أوسلو إلى خريطة الطريق. وهي الاتفاقات التي بذل كثيرون جهداً كبيراً لفضح ثغراتها والتنديد بتحيزها لإسرائيل، وضغطها المستمر على المقاومة لتقليص دورها وتجريدها من سلاحها وتجفيف منابع قوتها. هذا الجدل من جانبنا حسمه شارون بضربة واحدة، حينما لجأ إلى مشروع الحل من طرف واحد، الذي قررت إسرائيل أن تفرض بالقوة الحدود التي تريدها، مما يؤدي إلى ابتلاع 48 من أراضي الضفة الغربية دفعة واحدة. 

- بممارساته تلك فإنه وحّد الصف الفلسطيني إلى جانب خيار المقاومة، وأجبر الدوائر التي انخرطت في المسيرة السياسية، وتلك التي راهنت على الحوار مع الإسرائيليين على التراجع، والكف عن إطلاق دعاواهم. وهي الأجواء ذاتها التي قربت المسافات بين فصائل المقاومة، الأمر الذي تجلى في العملية النوعية الجريئة التي نفذت مؤخراً في سيناء بالتعاون بين منظمتي حماس وفتح. 

- لا تنس في هذا السياق أن شارون كان له “فضل” إطلاق الانتفاضة الثانية، التي عرفت باسم “انتفاضة الأقصى”. إذ كانت زيارته التي اقتحم فيها المسجد الأقصى، مع نفر من بطانته (ايلول 2000)، قد استفزت المسلمين، وكانت بمثابة الشرارة التي فجرت الانتفاضة، بعدما كانت الأمور قد هدأت نسبياً في أعقاب انتفاضة عام 87. وجاءت الانتفاضة الثانية أعنف من الأولى التي عرفت في حينها باسم “انتفاضة الحجارة”. 

- لا تنس أيضاً أن شارون وأفاعيله هي التي فضحت إسرائيل وكشفت عن وجهها القبيح أمام العالم الخارجي. وحين اعتبرت شعوب أوروبا أن إسرائيل هي الخطر الأكبر الذي يهدد السلام العالمي، فلم يكن ذلك نتيجة جهد دعائي بذلناه، وإنما ذلك “إنجاز” صنعه شارون على يديه، يحسب له ويشكر عليه. 

- لا تفوتك أيضاً ملاحظة إسهامه المتميز في فضح الإدارة الأميركية وتسويد صفحتها. ذلك انه بابتزازه المستمر لإدارة الرئيس بوش واستغلاله لحرج موقفها في سنة الانتخابات، فإنه وضعها في مربع التناقض مع العالم العربي. إذ انه بإقدامه على ارتكاب مختلف الجرائم بحق الفلسطينيين، واضطرار الإدارة الأميركية إلى تغطية ممارساته بذريعة “الدفاع الشرعي” أو غير ذلك، فإنه يمعن في توريطها كاشفاً للجميع تحيزها، عن غير قصد بطبيعة الحال. وهو ما يوفر علينا الجهد الذي نبذله لإثبات عدم جدارة السياسة الأميركية في المنطقة بالثقة، ورفض التعويل عليها من أي باب. 
 

**********

     حين ارتكب شارون جريمته في أجواء الإعداد لعقد القمة العربية، وبعد ثلاثة أيام من اجتماعه مع الملك عبد الله بن الحسين ملك الأردن، وفي مناسبة مرور 25 عاماً على توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، فإن رسالته هنا تغدو مسكونة بإشارات عدة. 

- الإشارة الأولى تعبر عن استهانته بكل هذه الملابسات، وإبلاغ الكافة بأنها بالذات القمة العربية لا تعني شيئاً عنده، فلا هي تشكل عنصر ضغط ولا مصدراً للحرج أو إعادة الحسابات. 

- الإشارة الثانية انه بفعلته تلك كان صريحاً في إغلاقه الباب في وجه الحديث عن مبادرات السلام عبر القمة أو غيرها. حيث يتعذر من الناحيتين السياسية والأدبية أن يطرح العرب أية أفكار تتعلق بالسلام، في حين أن إسرائيل تواصل اجتياح غزة وتقتل شيخ المجاهدين، وتتباهى أمام الملأ بذلك، بل وتذهب إلى حد القول بأن 70 قيادياً فلسطينياً مدرجون على قائمة الاغتيالات. 

- الإشارة الثالثة انه بما فعل أحرج جميع الذين راهنوا على السلام مع إسرائيل، دولاً كانت أم منظمات عربية. من ثم فلم يعد أحد مستعداً لاستمرار تلك المراهنة. وقد لاحظنا في الآونة الأخيرة أن كثيراً ممن عملوا على تسويق مشروعات السلام الإسرائيلي التزموا الصمت. بل ان منهم من اضطر إلى مهاجمة السياسة الإسرائيلية ومقاطعة ما سمي بالأنشطة المشتركة مع الإسرائيليين. 

- الإشارة الرابعة أن شارون أراد بهذا الإحراج المفترض أن يعمق الفجوة بين الحكومات العربية وشعوبها. وكأنه بعث برسالة تقول: ها هي حكوماتكم عاجزة عن أن تفعل شيئاً في الرد على إسرائيل. كما أنها لن تكون قادرة على الدفاع عنكم ضد أي عدوان آخر، من ثم فالمراهنة عليها مراهنة على جواد خاسر. 

- الإشارة الخامسة أن شارون بما فعله أراد أن يبلغ الفلسطينيين بأن العرب لن يفيدوهم في شيء، وسيظلون عاجزين عن أن يمنعوا عنهم شراً أو يقدموا لهم خيراً، وبتصوير المأزق الفلسطيني على ذلك النحو، فإنه أراد أن يشيع اليأس في نفوسهم، أملاً في فرض الركوع والاستسلام عليهم في نهاية المطاف. 

- الإشارة السادسة هي أن شارون بما فعل أراد أن يبلغ الجميع بأنه لا مكان للمقاومة في الخرائط الجديدة، سواء تعلقت بالشرق الأوسط بصيغته الراهنة، أو ذلك “الكبير” الذي يصل إلى اندونيسيا. 

سوف نضاعف الشكر للسيد شارون إذا تسلمت الأطراف العربية رسالته وردت عليها بما تستحقه. وهو استحقاق ليس مكلفاً كما قد يبدو لأول وهلة، لان قطع العلاقات مع من أغلق الباب أمام أي حديث عن السلام هو في حقيقة الأمر من قبيل تحصيل الحاصل. وبسبب من ذلك فقد استسخفت كثيراً ما قرأته قبل أيام عن أن الإدارة الأميركية تطلب من العرب “تجاوز” جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين، بمعنى اعتبار الحادث كأن لم يكن. (هل يجرؤ أحد على مطالبة واشنطن بالتجاوز عما جرى في 11 سبتمبر؟). ولم يكن أقل من ذلك سخفاً ما نشرته الصحف في وقت لاحق عن ترتيبات جارية الآن لعقد مؤتمر عالمي في المغرب “من أجل السلام”(!) بين أئمة المسلمين وحاخامات اليهود، ربما من باب “العفو عما سلف” واعتبار ما جرى كأن لم يكن. 

السؤال الذي ألح علي بعد الذي قرأت هو: إذا لم نستلم رسالة الجريمة التي ارتكبها شارون ونستوعب مضمونها الآن، فمتى يحدث ذلك إذن؟ 
 

* كاتب مصري

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic