نسبي ينتهي إلى آدم عليه السلام ، أو إلى الشجرة المنتهية بقرود أفريقيا. هذا لا يهم. المهم أني لم أكن حاضرا يوم ولد جدي الاول.
إحدى جداتي نال منها ذكور تيمور لانك في حملتهم. وكان جدي رجلا يعيش السهول. تمر على جسده أحذية الولاة والباشوات والعسكر والاقطاعيين.
أنا لم أكن طفلا يحبو عندما قامت الحرب العالمية الاولى، ولا فتى عند الثانية. لم أكن حاضرا عندما تناول الصهيونيون فلسطين من بريطانيا والأمم المتحدة. ولا كنت جنديا في الجيش العربي المهزوم. لم أكن حاضرا عندما مزق الرصاص جسد جون كندي وسلفادور ألليندي. لم أكن حاضرا عندما اجتمع بريجينيف ونكسون في فلاديفوستوك، ولا عندما افترقا في بكين. لم أكن حاضرا عندما قامت الثورة البلشفية. ولا عندما أعلن ماو الثورة الثقافية. لم أكن تروتسكيا ولا ستالينيا. ولم أكن حاضرا عند بناء جدار برلين.
غالبا أنا لم أحضر شيئا. لم أحضر موت انسان جوعا فكيف يتقلص لحمي حتى يتلاشى ويلتصق الجلد بالعظم، وأنتهي دون أن أكون قادرا على الشعور بالموت.
أنا لم أحضر موت انسان في المعتقلات. فكيف تصفعني أسلاك الكهرباء المتدلية من السماء؟ أو تذيبني المواد الكيميائية حتى أتعفن في غرفتي اللعينة؟ لم أحضر حربا ولا مؤامرة، ولا اغتيالا. ولا مفاوضات، ولا انقلابا عسكريا ولا مجزرة جماعية ولا سقوط طاغية ولا عملية تجسس مثيرة. ولا سرقة و لا رشوة، باختصار.. أنا لم أكن حاضرا في هذا الكون.
لكن على الرغم من هذا الغياب الأبدي حضرت أمي ذات يوم إلى المستشفى وولدتني. وأصبحت رقما في هذه الحياة . وكان ذلك بعد انسحاب جيش اسرائيل من بيروت بعامين. وقبل ستة عشر عاما من انسحابها نهائيا من لبنان . ومع أني لم أحضر يوم أكتشف الانسان النار فقد وضعوني في مياه سخنت بها. لم أكن لحظة اخترعت الكهرباء لكن بعدما أخرجوني من أمي وجدت منزلي مضاء بواسطتها. و لا يوم إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما فأنا أخاف منها. ولا يوم هبوط الانسان الى القمر.
إذن على هذه الارض المكونة من خمس قارات وخمسة محيطات وعدد من الجزر والبحيرات الاصطناعية والطبيعية. وبين أناس تشكلوا منذ عشرات الاف السنين بشرا مختلف على أصلهم. أصبحت “أنا” متحملا ومهموما بكل ما صنعه الانسان والطبيعة على هذه الارض.
ومنذ فترة قصيرة أصبح عندي شعور بأن كل أصدقائي والناس التي أعرفها متحملة ومهمومة مثلي برغم غيابها الابدي. فهل نحن مسؤولون عن كل ما حصل في التاريخ؟