الإسلاميون وأولى خطى التغيير

جعفر محمد حسين فضل الله
جريدة النهار (لبنان)
الخميس، 15 نيسان «أبريل» 2004

     منذ أحداث 11 ايلول برزت أشكال جديدة للعنف التدميري بدت خلفياته المباشرة أكثر صراحة ووضوحا من ذي قبل، كما انها بدت اكثر انحرافا عن بعض المعايير السائدة في تقويم مثل هذه العمليات لتضعها في خانة الاستشهاد او الجريمة. 

ومما لا شك فيه ان تلك العمليات قد ساهمت، الى حد كبير، في تشويه صورة الاسلام كفكر وكنظام مؤهل للحكم او الحضور في الحياة المجتمعية عموما بعدما كانت صورته آخذة في ان تغدو أكثر تقبلا من قبل الآخر كشريك في مسيرة الانسانية. 

والحقيقة ان تلك العمليات ساهمت ايضا في الحد من قدرة الدعوات الاسلامية الفكرية الى تغيير النظرة المستجدة الى الاسلام عبر صوغ الادبيات الفكرية التي تنـظّر للرفق واللين كمبدأين اساسيين من مبادئ الحركة الاسلامية مع الاخر، وتلك التي تعتبر العنف من آليات الدفاع عن النفس وليس للعدوان. 

وربما نلاحظ ان حركات العنف التدميري تلقى قبولا في بعض الاجواء الشعورية والانفعالية نتيجة الاحباط الذي أصاب الامة والنهش الداخلي والخارجي في حاضرها ومستقبلها على كل الأصعدة، مما يزيد الطين بلة في ما يخص صورة الاسلام لدى الآخرين. 

وربما يبرز هذا التفكير القائل بأنه ما الفائدة من التوقف عند نظرة الآخرين ما دمنا على يقين من رفضنا العنف ضد الابرياء، وما دام الاسلام يؤكد على الحوار كأسلوب لادارة الخلافات في الدرجة الاولى، الى بقية مفاهيمنا وقيمنا الواضحة لدينا. ولكنه تفكير ساذج في ظل تشعب حركة الصراع بين العالم الاسلامي من جهة والقوى المستكبرة والطاغية من جهة اخرى، هذه القوى التي تتسغل قوة اعلامها لتكون صورة مشوهة في الخيال الشعبي لدى قواعدها الانتخابية، مما يؤثر، الى حد كبير، في تقبل أي قرار للحرب ضد الخصم المفترض. فضلا عن ان المسلمين معنيون بايصال صورة الاسلام الى الآخر على الوجه الذي يعتقدون بصحته، لأن في الاسلام بعدين: الاول عام يتصل بحركة الاسلام وحضوره في الواقع الاجتماعي عموما، سواء اتخذ شكل الجماعة أو الحزب او المنظمة او الدولة او الاقليم أو الامة، والآخر هو البعد الفردي، اذ ان المسلم معني بالدعوة الى الاسلام وان لم تلق دعوته الا شخصا واحدا يستمع اليها، بل ولو لم تلق أحدا ما دام يحتمل التأثير ولو في المستقبل. 

وقد لا يكون مفيدا، في خطابنا مع الآخر عن انفسنا وما يجري مما ينسب الينا، ان نغرق في تحليل لخلفيات العنف التدميري ينسب الى الاستكبار الاميركي وأجهزة مخابراته التي تحاول ان تثير الفتن بين المسلمين للوصول الى أكثر من مطمع اقتصادي او سياسي او أمني، او نحيلها الى الصهيونية التي ما فتئت تظهر أطماعها بأكثر من شكل وعنوان. فمهما تعددت التحليلات تبق خلفيتها الابرز خلفية التخلف الفكري والتعصب والتحجر التي تسمح باستغلال اللاعبين. 

وربما يحسن هنا ان نشير الى نقاط عدة امام هذا المشهد المتنوع: 

1- ان هناك حقيقة، هي ضعف القدرة الفردية على مواجهة ترسانة الاسلحة الموجهة الى الاسلام والمسلمين. لا أقصد الاسلحة العسكرية فحسب، بل اسلحة الاعلام والدعاية المضادة التي تحوكها أجهزة المخابرات وما الى ذلك. كما لا اقصد بالقدرة الفردية مفهوم الكلمة، بل كل ما هو ضد الجماعة، لأن التمزقات التي تشهدها الساحة الاسلامية عبر دوائر مصطنعة في شكل مخيف، تفوت على المسلمين فرص الافادة من مواطن القوة لديهم عبر تجميع الطاقات والامكانات في بوتقة واحدة تخدم الجميع في أهدافها الكلية. 

وهذا الواقع يفرض على جميع المسلمين ان يتعالوا على الخلافات الضيقة ويحتكموا الى آليات ادارة الخلاف عبر تحريك الثوابت والتركيز عليها، كما في الرجوع الى الكتاب والسنّة في الدائرة الاسلامية: (فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول) عبر الحوار والجدال بالتي هي أحسن، والرجوع الى الادبيات والاخلاقيات الوطنية في الدائرة الوطنية، والقومية في الدائرة القومية وما الى ذلك. 

2- العمل على ايجاد فرص لانشاء اعلام اسلامي متميز ومنفتح ينقل الصورة الصحيحة للاسلام الى الآخر بلغته التي يفهمها. وهذه المسألة حيوية جدا لاننا لا نزال في عالمنا الاسلامي نعمل على انتاج اعلام داخلي متميز ولا نفكر في انتاج اعلام اجنبي (باللغات الاجنبية) يترجم للآخرين افكارنا حول كل قضايانا فلا يحتكر الاعلام الصهيوني تقديم المفاهيم والافكار اليهم. ويتطلب ذلك ضرورة العمل على اعادة تثقيف المال العربي والاسلامي ليهتم - الى جانب اهتمامه بالقضايا الحياتية الملحة للطبقات المحرومة في المجتمع والتي تشكل نقاط القوة الذاتية لتماسك المجتمع - بقطاعات اخرى كالاعلام المتلفز والفضائي على وجه الخصوص، ومراكز الدراسات القائمة على المناهج العلمية السليمة، مما يستأهل ان تتوجه الاوقاف الاسلامية اليه. 

3- العمل على مواجهة كل منابع التخلف التفكري والتحجر والعصبية في العالم الاسلامي عبر التأكيد على آليات الانفتاح كالحوار واللقاء مع الآخر، وعلى آليات حل النزاعات نظريا وعمليا، لأن التقوقع ينذر بعملية اجترار ذاتي للفكر، تتضخم فيه الخلافات، وتنحرف فيه العواطف، وتنجرف فيه الانفعالات، ما يسمح بتقدم الحالة العاطفية والغريزية والانفعالية على حساب الجانب العقلي الناقد، ويحل مبدأ التلقي محل مبدأ التفكير المشترك، ما قد يفسح في المجال امام كثير من القوى المستغلة لتنفذ الى داخل الجماعات الآخذة بهذه المناهج باسم النتائج المقدسة التي حصلت عليها، والخلاصات الممجدة التي توصلت اليها في نظرتها لنفسها وللآخرين، لتضرب على الاوتار الحساسة، او لتقلب مفاهيمها باسم الحق والعدل والانسانية. 

ان مقولة تبرر العمليات الانتحارية ضد المسلمين كالتي تقول بأن من كان محسنا - ممن يقتلون جرّاءها - عجّلنا به الى الجنة، ومن كان مسيئا أرحنا الأمة منه. ان أمثال هذه المقولات هي من أخطر ما يمكن ان يقع فيه الفكر التبريري، ليس لأنه يؤدي الى أعمال عدوانية ضد الابرياء وحسب، بل لأنه يعكس انقلابا حادا في الذهنية التي تنسب نفسها الى الاسلام، مما يزيد الامر تعقيدا وسوءا وترديا على الواقع الاسلامي داخليا وخارجيا، وخصوصا عندما يلقى هؤلاء قبولا على المستوى الشعوري في مواقع مختلفة من العالم الاسلامي. 

4- ان الاحجام عن عمليات الاغتيال المعنوي التي يمارسها بعض المسلمين بعضهم ضد بعض انطلاقا من قصر النظر او ضيق الافق او غياب العناوين الكبرى في حركتهم، لأن أي فراغ في الساحة لا تستطيع ان تملأه سوف تملأه قوة أخرى حكما. فالحياة لا تتحمل الفراغ. وضرب قوى الوعي والتقدم والانفتاح الفكري في الأمة يسمح - طبيعيا - لقوى التخلف في ان تتصدر الواقع القيادي في صياغة فكر الأمة وحركتها في أكثر من جانب. 

هذه بعض الاصوات المكتوبة خطرت على ساحة الوجدان فخطتها ريشة القلم علها تجد اقلاما اخرى تنضج الفكرة وتغني التجربة، في حركة واعية تفتح أكثر من أفق لتغيير ذهنيتنا في النظر الى الامور، وهي أول خطوة في عملية التغيير، والله يقول: "ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic