بدا من مسار العلاقة بين "حركة أمل" و"حزب الله" بعد "لقاء القمّة" بين الرئيس نبيه برّي والسيّد حسن نصرالله الذي أعلن توافق طرفي الثنائيّة الشيعيّة في الاستحقاق البلديّ، أن الأمور تسلك منحى متأزماً في كل المناطق، حيث لم يتوصل الطرفان في أي منطقة الى اتفاق على لائحة بلديّة مشتركة أو الى اتفاق على رعاية لائحة واحدة. هكذا حصل في الضاحية الجنوبيّة لبيروت حيث يتواجهان في لوائح متنافسة، وهكذا تنحو الأمور بقاعاً وجنوباً.
وفي التعليق على ما آلت اليه الأوضاع، يبدو ان للطرفين نظرة مختلفة. فبينما تبدو "أمل" ميّالة الى اعتبار انّ انهيار التوافق بينها وبين "حزب الله" في الضاحية، إشارة الى إنهياره في سائر المناطق، أو انها بكلام أدقّ تميل الى اعتبار ان ثمّة انعكاساً لانهيار التوافق في الضاحية على مناطق أخرى، وهذا ما يعكسه قول مصادر قياديّة في الحركة "لتأخذ اللعبة الديموقراطية مجراها، وكما كان ممكناً أن ندير الاتفاق فبالإمكان أن ندير الخلاف"... يشدّد "حزب الله" على لسان معاون الأمين العام الحاج حسين الخليل على "لا مبرّر ربط شيء بشيء آخر"، وعلى "لا صحّة استنتاج ان ثمّة انتكاسة في العلاقة"، ودليله على ذلك انه غداة انفراط الاتفاق في الضاحية تم اتصال اليوم (أمس) مع الوزير علي حسن خليل جرى خلاله الاتفاق على "إحياء البحث بين اللجان القياديّة من الجانبين في المناطق كافة"، مستبعداً مع ذلك حصول "لقاء قمّة" ثانٍ بين الرئيس برّي والسيّد نصرالله.
ولا شكّ ان هذا التباين في النظرة الى التطوّرات، بين "أمل" التي تكاد المعادلة التي تبني عليها تقول: إما توافق عام بمعنى رعاية مشتركة ما للوائح توافقيّة في كلّ المناطق وإما منافسة ديموقراطية عامّة، وبين "حزب الله" الذي يعتمد معادلة تجزئة الملّفات بين منطقة واخرى، ان هذا التباين يستحقّ نقاشاً عميقاً.
الأصل في اتفاق برّي ـ نصرالله
بدايةً، تسجّل أوساط سياسيّة مستقلّة ان ما وصلت اليه أمور العلاقة بين الحركة والحزب على صعيد الاستحقاق البلديّ، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمضمون الاتفاق الذي أبرم بين برّي ونصرالله وبما يحتويه من "قُطب مخفيّة". فإذ أكد الجانبان في حينه ان اتفاقهما لا يؤسس لـ"محدلة"، وانهما ليسا في صدد تحالف ثنائيّ على حساب قوى سياسيّة وعائلية اخرى، وانهما لن يقوما بـ"محاصصة" بينهما على مقاعد المجالس البلديّة، فإنهما في واقع الأمر أسّسا بذلك لمواجهات انتخابية بينهما.
ذلك ان اتفاق برّي ـ نصرالله، حرّر كل طرف من التزامات مسبقة حيال الطرف الآخر، وسمح لكلّ منهما باسم ان الدور الرئيسي في الانتخابات البلديّة هو للعائلات وللمؤسسات الأهلية في المدن والبلدات، بأن يجرّب رعاية تحالفات عائلية ـ سياسيّة تؤدي الى قيام مجالس بلديّة "موالية" له أو تحت سقفه، وبأن يمارس كلّ منهما متسلّحاً بالعائلات والناس "لعبة" الاستبعاد العملي للآخر حيث يرى نفسه متمكّناً وبأن يحمل معه استطلاعاته الداعمة لوجهة نظره، الأمر الذي أدّى حتى الآن الى عدم الالتقاء إلا جزئياً وفي مناطق محدودة في بعض الجبل الشيعي (كيفون والقماطية) وفي قرى "غير كبيرة" في الجنوب، على ما ذُكر بسبب ضعف الوجود التنظيمي لكل منهما على الأرجح.
اتفاق على إدارة اللااتفاق
بكلام آخر، تبدي الأوساط السياسيّة المستقلّة اعتقادها ان في أصل ما يحصل الآن على صعيد العلاقة بين طرفي الثنائية الشيعية في الاستحقاق البلديّ، يكمن مضمون الاتفاق بين مرجعي التنظيمين، وهو الاتفاق الذي من دون الدخول في عمليّة تقويم له يُسجل انه استقبل في حينه بايجابية عامة. وتضيف الأوساط نفسها ان اتفاق برّي ـ نصرالله أخذ يكتسب بالتجربة معنى محدّداً هو الاتفاق على "التجاور" وعلى إدارة المعركة البلديّة، وعلى إدارة التنافس، أكثر من كونه اتفاقاً على تشكيل لوائح مشتركة أو رعاية تشكيلها.
ومع ان الأوساط تتحفّظ عن الحسم النهائي في الوجهة التي ستسلكها العلاقة بين الحركة والحزب، على اعتبار ان ثمّة احتمالاً لـ"استدراك" الضاحية بقاعاً وجنوباً وان ثمّة إمكاناً لافتراض أن يقوم "سعاة" معيّنون بإعادتهما الى "الطاولة"، ومع ان الأوساط لا تستبعد بالمطلق ما تقدّم ذكره من منطلق ان اتفاق برّي ـ نصرالله كان حجر الزاوية أصلاً في انطلاق الانتخابات البلديّة في كل لبنان، وان انتكاسه (الاتفاق) لن يكون أمراً سهلاً، فإنها (الأوساط) إذ تبدي تريّثاً في تحديد مَن مِن الطرفين أكثر استفادة من الاتفاق على إدارة الاختلاف كما استقرّ معناه في الأيام الأخيرة، ترى مع ذلك ان ثمّة استفادة واضحة لـ"حزب الله"... في انتظار أن "تتكلم" النتائج. وذلك على الرغم من أهميّة استذكار ان الانتخابات البلدية في العام 1998 لم تجرِ في مناخٍ مختلف جذريّاً عن المناخ اليوم، وإن كان الوضع آنذاك أقلّ احتشاداً بالدلالات والأبعاد.
أين يستفيد "حزب الله"؟
فـ"حزب الله" الذي راح خطابه السياسيّ خلال الشهور الماضية يزاوج الى حدّ معيّن بين الشأنين الوطني (المقاومة والصراع العربي ـ الإسرائيلي) والداخلي، هو اليوم أمام أوّل فرصة شعبيّة، لا شكّ انه يرغب من خلالها في توجيه عدد لا يستهان به من الرسائل السياسيّة محليّاً وخارجيّاً توكيداً لكونه حزباً ذا نفوذ شعبيّ مؤثّر.
و"حزب الله" الذي "اشتكت" قواعده مراراً من أن تجارب 1992 و1996 و2000 "ظلمته" على ما قيل آنذاك، ومن ان ظروف تلك المناسبات الانتخابية "فرضت" عليه قبول ما كان ليرفض قبوله لولا الظروف و"الضغوط" والأولويات، يبدو راغباً من وجهة نظر الأوساط بتعديل التوازن ضمن المعادلة الشيعيّة بحيث لا تبقى كما هي الآن. ولذلك فإن التمهيد للأمر على مسافة عام من الانتخابات النيابيّة، يتم عبر إثبات انه يمكن لعملية انتخابية أن تجري من دون تحالف مع "أمل" بـ"محاصصة" معينة، وأن تكون آمنة سياسيّاً وأمنيّاً من جهة، وعبر إثبات ان للحزب حضوراً وازناً من جهة أخرى.
و"حزب الله" الذي تتردّد في قواعده "شكوى" تُسمع كثيراً من المعادلة القائمة حالياً والتي أدّت الى نوع من "تقسيم العمل" تحصد "أمل" بموجبه "غنائم" التمثيل الشيعي وامتيازاته وخدماته في مقابل ان الحزب محكوم الى ممرّ "أمل" في الخدمات لجمهور الشيعة، يتطلّع برأي الأوساط نفسها الى تطليق هذا الوضع.
و"حزب الله" الذي "يصطفّ" في "اللحظة المفروضة" الى جانب العهد وعدد من خياراته في الإطار السياسي الداخلي، يميل ـ دائماً بحسب الأوساط المستقلّة ـ الى "احتلال" موقع تفاضلي ضمن الوضع الشيعي، يستطيع فريق العهد أن يعتمد عليه أكثر، خاصة إذا تبيّن ان للتمديد أو التجديد أفقاً، وان هذا التمديد يحمل معه "رياح" إعادة النظر في الخارطة السياسية الرسمية وغير الرسمية، لكن الرسمية خصوصاً.
.. في انتظار النتائج
وهنا، تقول الأوساط نفسها ان ترجيحها أن يكون "حزب الله" الأكثر استفادة من اتفاق بريّ ـ نصرالله كما استقرّ معناه أخيراً، مبنيّ على الفرضيّات الآنفة المبنيّة هي نفسها على "مناخ" ومعطيات (تبقى على محك الاختبار)، ممّا يمكن معه استنتاج ان المعركة البلديّة هي بالفعل مدخل الى توازن شيعي جديد. ذلك ان حصد مجالس بلديّة بكثرة عبر تحالفات عائلية ـ سياسيّة يشكّل مدخلاً مهمّاً الى تصحيح العلاقة بالناس وفتح الأفق "الخدماتي" أمام الحزب في زمن الإشكاليّات العديدة المحيطة بالعمل المقاوم.
وبصرف النظر عمّا يقوله قادة الجانبين أو ما يمكن أن يقولوه في المباشر، فإن الأوساط تعتقد ان العلاقة بين "أمل" و"حزب الله" تدخل طوراً جديداً. وتختم بالقول انه مهما يكن من أمر فإن "أزمة" العلاقة قد تكون ضروريّة للطرفين ليعيدا تصحيح علاقتهما بالناس وفي خدمة الناس، وانه إذا تمكّن الطرفان من إدارة الاختلاف ديموقراطياً، فإن الحياة السياسيّة في الجنوب خاصة بعد نتائج البلديات ستكون بلا شكّ أمام مفترق جديد... والرئيس نبيه برّي أوّل المراقبين. فهل ينطبق "حساب الحقل على حساب البيدر"؟