اعطت الصورة النهائية لما آل اليه المشهد الانتخابي في الغبيري وحارة حريك وبرج البراجنة في الضاحية الجنوبية، مؤشرا بيناً الى تهافت آمال المراهنين على ائتلاف يمكن الحدوث، بين قطبي المعادلة الشيعية حركة "امل" و"حزب الله" في مناطق اخرى جنوبية او بقاعية، واظهرت تاليا ان الحزب لم يكن يعتزم منذ البداية اسقاط تجربة الانتخابات النيابية في دوراتها الثلاث، بل تجربة الانتخابات البلدية والاختيارية التي لها عنده حسابات اخرى.
ومنذ البداية سرت من داخل "حزب الله" معلومات تفيد ان قواعد هذا الحزب وجمهوره العريض يعيشان حالة رفض عارمة لأي ائتلاف في الانتخابات البلدية، وقد تناهى الى علم القيادة العليا للحزب اجواء فحواها ان فرض الائتلاف ربما قوبل بتفلت من القاعدة، يصعب ضبطه رغم "حديدية" هذا التنظيم وانضباطيته.
وعليه كان على قيادة الحزب ان تراعي امرين اساسيين هما: التوجه العام للقاعدة والرغبة التي تحكمها، وجموحها نحو رفض الائتلاف من جهة، وعدم الدخول في مواجهات ومعارك مباشرة مع حركة "امل" من فوق وعلى الارض. لذا كان اللقاء الطويل الذي عقد قبل فترة بين قيادتي الطرفين في حضور الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصرالله والذي خرج يومها ببيان ركز على خوض الانتخابات البلدية من منطلق التفاهم والوفاق بين الطرفين.
ورغم انهما افترقا في تفسير البيان، فأصرت الحركة على تفسيره بأنه دعوة الى الائتلاف، في حين بقي الحزب يركز في خطابه على انه دعوة الى التفاهم، ثمة من وجد في صوغ البيان نفسه، ان المصطلحات المستخدمة فيه لا تفضي الى ائتلاف، بل تسمح لمن يشاء ان يتفلت من اي ائتلاف، ويعطي هامش مناورة لمن لا يريد ان يفيء الى اي نوع من انواع الائتلاف.
وزاد في الامر وضوحا ان احد قادة الحزب البارزين خرج بعد خمسة ايام من الاجتماع القيادي وصدور البيان ليؤكد ان ثمة خمس بلدات هي خارج سياق اي توافق او تفاهم: الهرمل، شمسطار، النبي شيت في البقاع وبنت جبيل والنبطية في الجنوب.
بهذه الروحية، انطلق كل فريق الى تشكيل ماكينته الانتخابية، والى الطلب من اركانه النزول الى الميدان، فعاشت البلدات والقرى التي يتشارك الطرفان في الحضور فيها، حمى الاتصالات واللقاءات، فيما كانت الدوائر المغلقة تدرس بدقة لوائح الشطب، وتحسب ادق الحسابات وكل الاحتمالات.
لم يتهرب الحزب من اي لقاء مع الطرف الآخر، وفي كل بلدة وقرية كان الابتداء بالتفكير في لوائح ائتلافية مشتركة، ولكن الامور سرعان ما كانت تنفرط، بعد الاصطدام بالشروط والشروط المضادة.
وبدا واضحا لكثيرين ممن تابعوا الموضوع من كثب، ان الحزب كان يبدي مرونة غايتها تقطيع الوقت، وتلافي اي صدام في اي قرية او بلدة، وبالتالي استيعاب الوضع عموما.
كما بدا واضحا ان الحزب كان ينطلق من خريطة حسابات دقيقة وجلية تعرّفه مكامن قوته واماكن ضعفه، واجمالا تنبئه بأنه في الموقع الاقوى والممسك بزمام الامور، فيما منافسه يعيش عقدة ضعف تنظيمية، وتضاؤل حضوره الشعبي.
سوريا لا تتدخل
وتبين لاحقا للجميع ان سوريا لا تعتزم اطلاقا التدخل لفرض نوع من الائتلاف يحدد الاحجام ويرضي الجميع، رغم سريان معلومات افادت ان ثمة من طلب سابقا من دمشق علنا مثل هذا التدخل.
وقد فهم الجميع عبر اشارات عدة ان التدخل السوري الذي تجلى في معركة انتخابات بلدية بيروت كان بهدف اساسي هو وضع "طبقة عازلة" حول العاصمة، ترسم صورة سياسية تمنع الكسر الفاقع لطرف وتحول دون الربح الكامل لطرف آخر، وتحدد الاحجام سلفا على نحو لا ينعكس على المشهد السياسي العام والتوازنات الرئاسية، وهذه الخصوصية والفرادة تنطبق على بيروت وحدها ولن تطبق على سواها من المناطق حيث اللعبة مفتوحة على كل ابوابها واحتمالاتها.
وحيال هذه الوقائع والمعطيات، وجد البعض في طيات خطاب الرئيس نبيه بري في صور الجمعة الماضي، تعبيرا عن مرارة او عدم رضى عند كثير من الامور، ولا سيما لجهة عدم قبول الحزب بالائتلاف او بالتفاهم على العديد من الحدود والاحجام.
ووفق اكثر من مصدر ان ثمة من عرض في شكل خفي فكرة حل لهذا التجاذب، يقوم على مبدأ تجديد اللقاء بين بري ونصرالله لحل الامور على المستوى الاعلى، وطُرحت المسألة اعلاميا على نحو يفيد كأن هذا اللقاء وشيك الحصول ولا سيما بعدما انسدت السبل امام تحقق ائتلاف بين الطرفين في بلدية بعلبك، وبدا انهما على وشك الافتراق.
ورغم ان الايام الماضية اظهرت ان مسألة تلاقي الرجلين ليست واردة عمليا، فإن ثمة من لا يزال مقيما على اقتناع مفاده ان اقتراب موعد الانتخابات في الجنوب ربما اوجب حدوث اللقاء، في حين ان ثمة آخرين يستبعدون حصوله، ما دامت الامور تسلك المسالك الطبيعية، ولم تصل الى حد التشنج والتصادم.
ومهما يكن من امر فإن "حزب الله" اعطى براهين عملية على قبوله بلوائح ائتلافية محدودة في العديد من البلدات والقرى، منها على سبيل المثال القماطية (عاليه) وجون (الشوف)، في حين يسري حديث عن امكان حصول توافق في جويا والمنصوري (صور) وعيتا الشعب (بنت جبيل)، والامر قد ينسحب ايضا على بعض البلديات الاخرى ولا سيما في الخيام (مرجعيون)، في حين ذكرت معلومات عن امكان كبير للتوافق والائتلاف في بلدات في البقاع الغربي، وهو امر يفسره البعض انه ناجم عن عدم رغبة الحزب في اكتساح الجميع.
ولكن ذلك على بداهته واهميته لن يحول، اذا سارت الامور في مجاريها الطبيعية، دون ان يحقق الحزب انتصارات بينة في الكثير من البلدات الشيعية. حتى ان ثمة معلومات ومعطيات تظهر سلفا ان الحزب قادر على التنبؤ سلفا بامكان ان يكون الشريك الاساسي في نحو 70 في المئة من البلدات ذات الثقل الشيعي.
بطبيعة الحال، سيكون ذلك اظهارا حقيقيا لحضور الحزب الشعبي، ولكن ثمة من يرى ان ذلك ربما خلق له العديد من السلبيات، وسيضعه مباشرة امام المجهر وفي الواجهة، فالقاعدة المثلى هي انه ينبغي عليه ان يحيط نفسه بتلاوين مختلفة، لأن اكتساح الآخرين له اثمانه الكبرى مستقبلا، وهذه خلاصة تجارب متعددة في المعادلة السياسية اللبنانية.