"حزب الله" وتعديل ميزان القوى مع "أمل"

 نصير الأسعد
جريدة المستقبل (لبنان)
السبت، 8 أيار «مايو» 2004

     في النظر الى الاستحقاق البلدي من الزاوية الشيعيّة في جميع المناطق، لا يخطئ "العقل" ـ قبل العين ـ في تقدير ان الطلاق الذي حصل بين "أمل" و"حزب الله" في الضاحية ثم في بعلبك والبقاعين الشمالي والأوسط، سيمتدّ حتماً الى الجنوب، وان الطلاق البلدي يؤسس لطلاق "سياسي" في الاستحقاقات المقبلة بدءاً ممّا تبقى من 2004 وعلى امتداد 2005، الأمر الذي يعني تكراراً ان ثمة مفترقاً شيعيّاً جديداً.
 

"الجينة" الخلافيّة

     والأسباب التي تدعو الى الجزم بصحة هذا الاستنتاج عديدة. بيد ان أبرزها يتجسّد في الآتي:

أولاً ـ صحيح ان الاتفاق الذي جرى إبرامه بين الجانبين الشيعيين خلال اللقاء الذي ترأسه الرئيس نبيه برّي والسيّد حسن نصرالله، يتضمن "الجينة" الخلافيّة بينهما إذ تحدّث عن التنسيق ولم يصدر في صيغة إعلان تحالف ثنائيّ، لكن ما يثير التساؤلات الكثيرة هو التحوّل الكامل لمضمون البيان من بيان يعلن الاتفاق على التنسيق الى واقع يعلن الاتفاق على الخلاف، أي ان ثمة انقلاباً ملحوظاً بين محطة الانطلاق ومحطة الوصول.

وما يعكس حقيقة هذا الانقلاب، اجتهاد "حزب الله" في تفسير مضمون الاتفاق السابق على التنسيق، على نحوٍ يحصره في نطاق التحاور الممهّد للافتراق، طالما ان الحزب يضع مقاييس ومعايير عديدة يصعب معها تصديق انها ليست مطروحة بطريقة إشكالية أصلاً، من مثل "الخصوصيّات" في البلدات، و"العائلات وميولها"، وجود قوى سياسيّة أخرى لا بدّ من لحظها، وتفاوت القدرة على التأثير في صياغة أي لائحة بلدية بحسب تفاوت الوزن السياسيّ والإنمائي في بلدة من البلدات.

في المقابل، تفسّر الحركة مضمون البيان السابق بطريقة مختلفة، حيث تلحّ على القول ان "فهمها" له يرتكز على محاولة الوصول مع الحزب الى اتفاقات حقيقية، على أساس دراسة خيارات الناس في البلدات والانفتاح على جميع القوى والتشكيلات المحليّة.
 

ميزان القوى وإعادة تشكيله

     ثانياً ـ السبب الأول الذي يدعو الى الجزم بأن ثمّة مفترقاً شيعيّاً يتأسس مع الانتخابات البلدية، هو إذاً غلبة الاختلاف والصراع على التنسيق والتفاهم، وهو التحوّل العمليّ في مضمون البيان الراعي للعلاقة بين الطرفين في الاستحقاق البلديّ.

أما السبب الثاني المباشر، فهو من دون شكّ تحويل مناسبة الانتخابات البلدية الى اختبار لميزان القوى الشيعيّ، تأسيساً لمرحلة جديدة. ولا يفيد هنا ما يدلي به قادة الجانبين الشيعيين إعلامياً، من أن لا علاقة للانتخابات البلدية بالسياسة المباشرة، بما هي في وجه رئيسيّ منها تحديد اتجاه المعادلة السياسيّة الشيعيّة.

فبين "حزب الله" الذي يجاهر بأن الخلافات الحاصلة في المناطق تعود الى اختلاف التقدير بين الطرفين حول الأوزان والفاعليّة وميول العائلات، وبين "أمل" التي تعتبر ان في أصل عدم الاتفاق جنوحاً من الحزب نحو وضع تقدير خاص لميزان القوى، من الواضح إذاً ان ما يدور بشأنه الخلاف ـ والصراع ـ يتعلّق بكيفيّة صياغة كل طرف من الطرفين للعوامل التي تشكّل ميزان القوى، وهو تالياً خلاف على ميزان القوى هذا. ولا شكّ ان "حزب الله" الذي يعتبر انه خضع خلال السنوات الماضية لميزان قوى راجح لمصلحة "أمل" ضمن المعادلة الشيعيّة، لاسيّما في الجنوب، يرى ان ثمّة فرصة أمامه للبرهنة على ان الصورة ليست كذلك ولتعديلها في أحسن الأحوال، بينما تنطلق "أمل" ورئيسها خاصة، من تقدير ان ميزان القوى السياسيّ مع الحزب لصالحها بالفعل، في الجنوب بشكل خاص.

مِن غير المعروف حتى الآن أي من الطرفين سيفرض معطياته على الآخر. لكن ما هو واضح من الأداء ان المبادر في معظم المناطق الى دفع الأمور نحو اختبار جديد لميزان القوى، هو "حزب الله"، وبديهي أن يكون الحزب في موقع المبادر في هذا المجال طالما انه يتطلع الى تغيير المعادلة وصوغها على أساس جديد. وما هو واضح ايضاً ان ما ستفرزه الانتخابات البلدية من نتائج سيحمل معاني سياسيّة كبيرة، على أبواب عام من الانتخابات النيابيّة.
 

أين سوريّا؟

     ثالثاً ـ سببان رئيسيّان إذاً يقفان خلف استنتاج ان الطلاق البلدي بين "أمل" و"حزب الله" يؤسس لأحد حدّين: إما طلاق سياسيّ كامل على صعيد الاستحقاقات اللاحقة، وإما إعادة صوغ للمعادلة بينهما على أساس "مختلف". غير ان الأوساط الشيعيّة المتابعة التي تتبنّى هذا الاستنتاج ومعه ان المبادرة في الاتجاهات المذكورة آنفاً، هي مبادرة من الحزب، تطرح في الوقت نفسه عدداً من الأسئلة السياسيّة.

إذا كان معروفاً ان الطرفين الشيعيين حليفان لسوريا، وان سوريا نجحت في مناسبات عدة طيلة السنوات الماضية في ضبط العلاقة بينهما تحت سقف معيّن بدا من خلاله ان "أمل" لتمثيل الشيعة في النظام و"حزب الله" لقيادة المقاومة، وان سوريا أخضعتهما لتحالف انتخابي منذ العام 1992,. فإن الأسئلة المطروحة هي الآتية: هل ان سوريا لم تتدخل لتسوية الخلافات البلدية الراهنة بين حليفيها؟ وإذا كانت لم تتدخل فلماذا؟ وإذا كانت تدخلت فما هو تفسير قدرة "حزب الله" على "التملّص"؟ ثم على افتراض انها لم تتدخل أو هي تدخلت بشكل لم يمنع "حزب الله" من السير في خياره، فهل يشكّل ذلك مؤشراً الى تنامي العلاقة السورية بـ"حزب الله" على حساب العلاقة السورية بـ"أمل"؟ وماذا لو كان الأمر كذلك؟ وهل ثمة مشروع لصياغة المعادلة السياسيّة العامة بطريقة مختلفة؟

رابعاً ـ تنطلق الأسئلة السابقة بداهةً من ملاحظة ان الطرفين الشيعيين اعتادا مسايرة الرغبة السورية خاصة عندما يتعلّق الأمر بـ"تفاصيل" لبنانية ودائماً في ظروف إقليمية "دقيقة"، ومن ملاحظة ان الطرفين يسيران نحو الاختبار بـ"هدوء" بينما كان حادث جزئي يهدّد بـ"الاشتعال" وخلاف انتخابي يهدّد بما هو "أعظم"، الأمر الذي يعني في نظر الأوساط الشيعية ان ثمّة سماحاً سورياً بخوض هذا الاختبار... وان "حزب الله" الذي يبدو في الظاهر "مغامراً" بمبادرته الى فرض اختبار جديد لميزان القوى، انما يتحرّك هذه المرة بنسبة من الراحة ..وان الحساب السوري قد يكون اقليمياً هذه المرة اكثر من اي وقت مضى.
 

فريق الحكم وتقليم موقع برّي

     خامساً ـ وإذا كان النقاش الذي تجريه الأوساط الشيعيّة المتابعة لا يتدخل في "حق" أي تنظيم سياسي في أن يقرّر ما يشاء، فكيف إذا كان هذا التنظيم بحجم "حزب الله"، فإن الأوساط لا تمنع نفسها مع ذلك من السؤال عمّا إذا كان ثمّة رابط بين ما يجري الآن على ساحة الانتخابات البلدية وبين كلام يتكرّر على صعيد فريق الحكم حول "تقليم" موقع الرئيس نبيه برّي في النظام السياسي، خاصة إذا قُيّض لهذا الفريق أن يمدّد بقاءه. ففي أوساط هذا الفريق كما تقول المعلومات، ثمّة نيّة لتقليم عدد من المواقع، تنطلق من ان التمديد صار محسوماً ويتصرّف أصحابها على هذا الأساس. ويتعاطى أصحاب هذه النيّة مع "حزب الله" بوصفه حليفاً لمشروع تغيير على مستوى المعادلة السياسيّة في الاتجاه المشار اليه، ويعتبرون ان الحزب الذي يجد نفسه مضطراً الى إعطاء "الداخل" الاهتمام، لن يكون بعيداً عن هذه التوجّهات جميعاً.
 

المحكّ

     سادساً ـ وتلفت الأوساط نفسها الى ان كل ما تقدّم سيكون على محكّ نتائج الانتخابات البلدية بقاعاً وجنوباً، لكن في الجنوب بالأولوية، بمعنى ان معرفة الأجوبة عن الأسئلة المطروحة ممرّها الاجباري الانتخابات البلدية. وتقول ان هذا التحليل المبنيّ على التقديرات والاستنتاجات والأسئلة من ناحية وعلى معلومات عن توجهّات معيّنة من ناحية ثانية، لن يمكن البتّ بصحته (التحليل) قبل ظهور النتائج وقبل معرفة الرأي الصريح لكلّ من الحركة والحزب فيه.

لكنها تسارع الى تسليط الضوء منذ الآن على حقيقة ان "ميزان القوى" في طائفة معيّنة لا يكفي وحده لحسم دور أي فريق من الفرقاء، فالحجم لا يقرّر الفاعليّة السياسيّة إلا إذا استطاع الانفتاح على الآخر، وإلا بقي مكانه من دون تأثير. والتجربة البلدية للحزب هذا العام تدلّ على ان ثمّة ثغراً عديدة في أدائه، لا سيما في مناطق الاختلاط الطائفي جبلاً وبقاعاً وجنوباً. وهذا لا يعني من وجهة نظر الأوساط الشيعية المتابعة، إعفاء "أمل" من أخطاء ربّما تجد تفسيرها في عدد من الحالات في تراجع الحركة "تنظيمياً" لصالح دور رئيسها ونفوذه، وربّما ايضاً في ما أدّت اليه تجربة الحركة في "السلطة" وفي هذه التجربة وجهان أو أكثر. لكن الأمر الأكثر أهمية اليوم، هو ما تختم به الأوساط لجهة ضرورة الانتباه الى المرحلة المقبلة، بكلّ أبعادها لبنانياً، ما يستدعي نقاشاً أكثر استفاضة وعمقاً وهدوءاً.. بعد البلديات.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic