“أمل” ورئيسها في ضوء “الأحجام البلدية”

حسين أيوب
جريدة السفير (لبنان)
السبت-الإثنين 15-17 أيار «مايو» 2004

     2004 صعبة فعلياً على بري .. ماذا في ال2005؟

 
الرئيس نبيه بري
الرئيس نبيه بري

     لكل مرحلة رجالها او “ثوابتها” بالمعنى السوري. لعل وليد جنبلاط بهذا المعنى قد حطم الارقام القياسية لبنانيا. هو “الثابت” السوري المستمر، رغم بعض محطات الصعود او النزول البياني المتفاوت تبعا للمراحل والامزجة وكذلك تبدل الممسكين بما يسمى “الملف اللبناني في دمشق”. 

اما نبيه بري فهو في المرتبة الثانية زمنيا. الفارق بينه وبين جنبلاط ان الاخير مستمر “ثابتا” حتى اشعار اخر. اما بري فان استمراره “ثابتا” صار امرا للنقاش والاخذ والرد. يكفي ان الموضوع صار قيد التداول الاعلامي ليفتح الشهية امام الراغبين في التحليل والتفسير و”مر الكلام”. 

قبيل شهور من انتخابات بلديات الضاحية الجنوبية، كان نبيه بري يشعر بالخطر الزاحف باتجاه مقر الرئاسة الثانية. قال غداة اشتباكه الشهير مع الزميل جبران تويني انه مدرك سلفا ان عام 2004 لن يكون عاما سهلا عليه. بري صار في دائرة الاستهداف اما الموضوع فيتعلق بحسابات سياسية لبنانية منها ما هو مرتبط بطبيعة معادلة “الترويكا” الرئاسية ولا سيما موقع بري فيها على نحو مرجح لمصلحة رفيق الحريري. ومنها ما هو مرتبط بترتيب البيت الشيعي في المرحلة المقبلة تبعا لادوار محسوبة للاعبين الاخرين في هذه الساحة. 

بدأ الخطأ في التفسيرات المعطاة لمعنى التفاهم الذي ابرم بين السيد حسن نصر الله والرئيس نبيه بري. في اليوم التالي قال “حزب الله” انه تفاهم وليس اتفاقا فوقيا، اما “امل” فأكدت بلغة قاطعة انه “اتفاق” حاسم. 

شكلت انتخابات بلديات الضاحية الجنوبية لبيروت اختبارا حقيقيا للقوى. “حزب الله” كان حسم خياراته ضمنا منذ فترة طويلة. الاستطلاعات الاربعة التي اجرتها لجانه في كل عائلة من عوائل برج الراجنة والغبيره اعطت تقديرات صارخة ودقيقة حول طبيعة المرشحين ومدى مقبوليتهم في عائلاتهم. ابرم الاتفاق سريعا مع باسم السبع في برج البراجنة. كان الاخير متجاوبا اكثر مما كان متوقعا. بدت تقديرات السبع سياسية بالدرجة الاولى وحرص على الظهور في “الكادر” مع الحزب في برج البراجنة وحارة حريك، اما الغبيرة “فأرجوكم لا تحرجوني هناك”. عبّر موقف باسم السبع بشكل او بآخر عن اشارتين لافتتين للانتباه من رفيق الحريري وووليد جنبلاط باتجاه الحزب “ووصلت الرسالة الايجابية”. 

في الغبيره، كان “حزب الله” مرتاحا الى وضعه اكثر من اي منطقة اخرى في لبنان، لكنه اراد ان يناور لعله يستطيع استيعاب اولئك الذين اشهروا حربا ضروسا على “الريس” ابو سعيد الخنساء. كان الغريب بالنسبة للحزب ان رافعي شعار رفض الاتيان بحزبي على رأس البلدية “هم حزبيون سابقون وتاريخيون وعمرهم من عمر الحركة الوطنية اللبنانية ولما لم يجدوا موقعا لهم اختبأوا وراء عائلات باحثة عن دور تاريخي مفقود وصاروا فجاة “المكتب السياسي لحزب العائلات”!.. كل المناورات لم تثمر حتى ان امين عام الحزب الذي كان اخذ على عاتقه عدم اقحام نفسه في اي قضية بلدية محددة وجد نفسه مضطرا لتمضية ساعات من وقته يهدىء روع بعض مقتحمي مقر الامانة العامة للحزب في حارة حريك من رموز “حزب العائلات”... كان هاجس الحزب عدم ارباك السوريين وتوريطهم في هذا الملف. وفي النهاية كان لا بد من التدخل ومن سلسلة جلسات في البوريفاج اثمرت أكثر من مرة حلولا كان يقتضي الجواب عليها في اليوم التالي ولما اتى الجواب سلبيا في المرات كلها اعتذر “المراقبون السوريون” وقالوا لممثلي الحزب والحركة: “قوموا بما فيه مصلحتكم”. 

انتهت الانتخابات وافضت الى ارقام لم تخذل ابدا ارقام الماكينة الانتخابية ل”حزب الله” في البرج كما في الغبيرة. اما في المقلب الاخر، فقد بدت تباشير “انتفاضة” في عين التينة. يرفع “دولة الرئيس” سماعة الهاتف ويتحدث مباشرة مع رئيس جهاز الامن السياسي في سوريا اللواء الركن غازي كنعان ويبلغه انه يريد موعدا عاجلا مع الرئيس بشار الاسد ويقول كلاما صعبا: “اذا كان هناك قرار بتحجيمي فمن الافضل والاشرف لي ان استقيل”. ترددت اصداء الكلام الصادر من عين التينة في ليل بيروت ولم تحمل صحف اليوم التالي شيئا عنه. قيل يومها “لعلها فورة غضب ليس الا”. 

كان المطلوب من اتصال بري ان يفعل فعله في بعلبك مباشرة. لكن مفاعيل اتصاله الانفعالي ارتدت عليه. ارتكب “دولة الرئيس” ما اسمي “فاولا” او “سوء تقدير” في “التجاوز” الذي قام به للمرجعية السورية المسؤولة عن الملف اللبناني مباشرة والمقصود بذلك رئيس جهاز الامن والاستطلاع في القوات السورية في لبنان العميد رستم غزالة. رغم ذلك، تدخل الاخير ورعى آخر محاولة للاتفاق بين الحزب والحركة. حضر الى عنجر مسؤول ملف “حزب الله” بقاعيا الشيخ نعيم قاسم وبرفقته عدد من اركان الفريق الانتخابي وحضر عن “امل” مسؤول الملف الانتخابي الوزير علي حسن خليل وعدد من اركان فريقه. طرحت اكثر من صيغة للرئاسة والمداورة وفي اخر واحدة منها وافق خليل طالبا مهلة لتقديم جواب نهائي في صباح اليوم التالي. ولما اتى الجواب سلبيا تردد ان غزالة خاطب الجانبين: “سيرا في المعركة بكل روح رياضية”! 

افضت الانتخابات البلدية في 57 قرية بقاعية شيعية او مختلطة طائفيا الى اكتساح “حزب الله” لبلدياتها باستثناء خطأين خالفا تقديرات الماكينة الانتخابية في رياق وحوش الرافقة. كان الانطباع السائد في تلك الليلة: اي سلوك سيكون لنبيه بري في المحطات التالية وهل سيترك للفريق الانتخابي الحركي نفسه ان يتولى الملف نفسه وهل يمكن ان يبادر الى خطوة ما باتجاه السوريين خاصة في ظل همس قوي عن معركة تحديد احجام وهل يملك من الاوراق ما يجعله يعيد خلطها واحداث اختراقات نوعية تعوض خسارتي البقاع والضاحية الجنوبية؟ 

هنا بدأت القراءات المختلفة لمجريات معركتي البقاع والضاحية وتداعياتهما اللاحقة ولا سيما على صعيد حجم وموقع رئيس المجلس النيابي في المرحلة المقبلة. ويجدر التوقف عند الاستنتاجات الاتية: 

اولا: ضمور الدور الحركي في الساحة الشيعية اسبابه كثيرة وابرزها ان الحركة باتت شبه غائبة عن التحولات الجارية في المجتمع الشيعي اللبناني في السنوات الاخيرة او انها تحاول دفن رأسها في الرمال حتى لا ترى الصورة على حقيقتها، وهذا يقود تلقائيا الى محاولة للقفز فوق مشاعر الناس وتفاعلهم مع الاحداث الجارية من حولهم محليا واقليميا وادوار اللاعبين الشيعة فيها وتفاقم المعاناة الاجتماعية وغياب البدائل والحلول وتحميل من هم في السلطة مسؤولية وصول اللبنانيين الى ما وصلوا اليه على الصعيد الاقتصادي.

وبدا احيانا ان “امل” صارت تخاف من بحر الناس الذين طالما حموا مسيرتها وخير دليل فاضح على ذلك تلك النقاشات المطولة التي دارت في الشهور الاخيرة في الدوائر الحزبية والحركية الضيقة حول موضوع تعديل قانون المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى حيث كان هناك من يدفع باتجاه تحويل الهيئة العامة في المجلس الى “برلمان شيعي” موسع باشراف كل كوادر المهن الحرة فيه من اساتذة جامعيين واطباء ومهندسين ومحامين واعلاميين وصيادلة وغيرهم فضلا عن رجال الدين المعممين وكان الجواب الحركي بالدعوة الى ايجاد ضوابط من نوع القول بقبول هؤلاء شرط الا يكونوا الا من عمر محدد ومجرب (25 سنة يمارسون المهنة!). كان الهدف حصر الامر بنخبة معينة واستبعاد كل ابناء المهن الحرة من جيل الشباب او ما يسمى “جيل الحرب”. انتهى الامر الى تجميد مشروع المجلس الشيعي رغم ان القيادتين كانتا في جو تفاهم مرسوم بدقة حول القيادة الروحية الرسمية الشيعية التي تقرر ان تبقى معقودة للشيخ عبد الامير قبلان. 

هذا المثل الذي تقدمه اوساط في دائرة المجلس الشيعي هو “دليل قصر نظر او تعبير عن الخوف من القوى الشيعية الحية الفاعلة والمتحركة على الارض والمتحررة بشكل او بآخر من عقدة الوظيفة العامة حيث يكون الاستزلام سهلا على كثيرين يخافون على وظائفهم مع كل موسم انتخابي”. 

ثانيا: اتيح ل”امل” منذ منتصف الثمانينيات حتى الان ان تتبوأ مئات المناصب الرسمية سواء في الوزارة او النيابة او ادارة المجالس والمؤسسات العامة وصولا الى رئاسة المجلس النيابي فماذا كانت النتيجة؟ يوما بعد يوم وسنة بعد سنة كانت تنحصر دائرة الجمهور الحركي في دائرة ضيقة هي دائرة المستفيدين والمسترزقين، ما ادى الى جعل العلاقة بالناس قائمة على اساس مبدأ مقايضة الولاء بالحصول على الرشوة سواء كانت وظيفة او طريقا او بدلا ماديا او رخصة تبغ وهناك مئات الامثلة على ذلك... 

ثالثا: اضطرت قيادة الحركة من اجل ضمان استمرار فتح “المزراب” الى تقديم تنازلات كبيرة احيانا في السياسة ولطالما انتفت الفوارق بين نبيه بري ورفيق الحريري حتى غدا الاول في احيان كثيرة كانه “تحصيل حاصل” في معسكر الاول في اطار معادلة “الترويكا”، ولعل ذلك لم يكن دائما امرا يحظى بمقبولية السوريين ولهم في هذا الشان حسابات كثيرة اليوم وفي المستقبل القريب. 

رابعا: ادى انغماس الحركة “حتى اذنيها” في السلطة الى انحراف عن المبادىء التي طالما رسمها الامام موسى الصدر ولطالما ظهر قادة حركيون يحاولون المساءلة ورفع اليد للكلام او الاعتراض فكان ان اقصي من اقصي من حركيي “الصف الاول” (محمد عبد الحميد بيضون ومحمود ابو حمدان وقبلهم عاكف حيدر وحسن هاشم ومصطفى الديراني وزكريا حمزة والشيخ اديب حيدر وغيرهم) ولم يبق الا الموالون بالكامل ل”الاستاذ” ممن يتم التعامل معهم بطريقة “نفذ ثم اعترض”، واذا اضطر “دولة الرئيس” احيانا الى “التضحية” باحدهم لا بأس بذلك. هكذا حصل في الامس القريب مع المدير العام السابق لوزارة الاعلام محمد عبيد الذي اقصي من منصبه في “ورشة التطهير الاداري” وسرعان ما ربح الدعوى امام شورى الدولة ولما اتى برد الاعتبار تبلغ قرارا حركيا بالاستغناء عن خدماته نهائيا. 

خامسا: لا بد من الاعتراف بان الفريق الحركي الذي ادار الملف الانتخابي كانت تنقصه الخبرة والمعطيات والا ما كان ليقفز فوق الكثير من الحقائق التي كانت تبهر العيون ولا يلتقطها في سياق التفاوض الانتخابي. 

كل ذلك وغيره يقود الى استنتاج رئيسي وهو ضمور دور “امل” ورئيسها في الساحة الشيعية. اذا لماذا قرر وليد جنبلاط الدخول على خط “امل” “حزب الله” في الجنوب وهل هناك حيثيات سياسية سورية وراء ذلك وما هي دقة الكلام القائل عن اعادة رسم المواقع في الساحة الشيعية وكيف سيخرج بري من انتخابات الجنوب واين هو من بقية العام 2004 وموضوع الانتخابات الرئاسية واين هو من استحقاقات العام 2005 وخصوصا استحقاق قانون الانتخاب ومن بعده الانتخابات النيابية ورئاسة المجلس النيابي التي ستحدد مصيره في زعامة “امل”؟
 

*****************************


الساحة الشيعية في مرحلة انتقالية
والقانون الانتخابي المقبل هو المحك

 

لاي قانون انتخابي
سيقترع بري عام 2005؟

     شمّر الرئيس نبيه بري عن ساعديه وطلب من وزيره “الاكثر انضباطا” علي حسن خليل ان يترك له ول”فريق المصيلح” مهمة ادارة آخر المعارك الانتخابية البلدية في الجنوب. بدت اللمسات سريعا على الارض وفي اكثر من مدينة وقرية. جرى سريعا تعديل بعض الخيارات. اندفعت “امل” نحو زعامة “حزب العائلات” بلا منازع لها وتحديدا في المدن الكبرى حيث يراهن بري على تحقيق نصر يعوض من خلاله هزائم البقاع والضاحية الجنوبية. 

مهّد بري “السقوف” لاندفاعته الجنوبية. التقى رئيس جهاز الامن السوري في لبنان العميد رستم غزالة برفقة الوزير القومي اسعد حردان ومن بعدها سرت اجواء ايجابية إعلامية فقط حول احتمالات التعاون والتنسيق بين “امل” و”حزب الله” في الجنوب. في الوقت نفسه، دخل النائب وليد جنبلاط على الخط نفسه بمبادرة قيل انها شخصية “وحظيت بتشجيع سوري”. 

ما سمعه جنبلاط وغير مسؤول لبناني دخلوا على “الخط الشيعي” بلسان أكثر من مسؤول سوري هو الآتي: “امل” عين وهذه اختها (حزب الله)” كما سمع اكثر من ذلك: “نحن نساعد على ان تقتربوا من بعضكم، ولكن لا يمكننا ان نفرض الخيارات فرضا على احد... لسنا ضد احد او مع احد”. ويقول احد المقربين من سوريا: “عندما تقول دمشق احتكموا للمؤسسات تتهم بالانحياز وعندما تتدخل تتهم بمحاولة الفرض. اذا لندع الوقائع تفرض نفسها في الجنوب بشكل طبيعي جدا”! 

ان تترك الامور في الجنوب للبطون المحلية ففي ذلك ما قد لا يحمل وقائع سارة للبعض في بيروت. فعلى اي اساس ستجري قراءة النتائج الجنوبية صبيحة الرابع والعشرين من أيار 2004؟ 

عمليا من اصل حوالى مئتين وخمسين بلدية جنوبية، ستنحصر المعركة الانتخابية بين “حزب الله” وحركة “امل” على حوالى مئة وسبعين بلدية اما شيعية او بأغلبية شيعية، بينها سبع بلديات كبرى وهي التي يبلغ عدد الاعضاء في كل منها 18 عضوا، اي صور والنبطية والخيام وبنت جبيل وميس الجبل وعيترون وجويا. 

حتى الآن الكلمة الحاسمة هي ممنوع ان يفوز “حزب الله” بهذه البلديات كلها؟ يعني ان “امل” او الرئيس نبيه بري تحديدا ستكون له حصته حتما. المعادلة هي الاتية هل يستطيع بري ان يحصل على النصف واحد ام ان “حزب الله” سيفعل ذلك؟ 

في حدود المسموح به يبدو “حزب الله” حسب ارقام ماكينته الانتخابية حاسما النتيجة في ما لا يقل عن اربع بلديات ولذلك تنحصر المعركة في صور وعيترون على حدود الخرق الذي سيقوم به الحزب في اللوائح المدعومة من “امل”، فاذا تجاوز الخرق في صور المقعد الواحد “يعني صار الحزب في غرفة نوم دولة الرئيس”، والكلام لقيادي حركي سابق. اما اذا انقلبت المعادلة في صور وغيرها فإن الرئيس بري سيثبت انه ما زال ممسكا بأوراق الجنوب ولو تراجع دور الحركة. 

التحدي الثاني هو في البلديات التي تسمى “بلديات الخمسة عشر عضوا” مثل الغازية والصرفند، وفي هاتين الاخيرتين تبدو المعركة اكثر حساسية لانها تخاض في عقر دار الرئيس نبيه بري الانتخابي (هو يمثل حاليا المقعد الشيعي في الزهراني) فاذا نال خسارة في احداهما ستكون المعاني اكبر من تلك التي ستشهدها المدن الجنوبية كصور والنبطية والخيام وغيرها، لا سيما اذا اسقطت النتائج على الانتخابات النيابية في ما لو جرت على اساس القضاء! 

وفي ظل الترابط الحاصل بين معركة صيدا وباقي بلديات الجنوب، هناك من يقول ان الرئيس رفيق الحريري هو الاكثر مصلحة في اعادة ترتيب البيت الشيعي لمصلحة حليفه الرئيس نبيه بري وهو ابدى استعداده لان يبادر ويدعم حيث امكنه ذلك، وفي المحصلة يجب ان يصل بري الى النتيجة الآتية: الفوز في خمسين بالمئة على الاقل والا فان القراءة اللاحقة ستعني انه لم يعد الشيعي الاول في ساحة الجنوب وحتما هو لم يعد كذلك في الضاحية والبقاع... 

ماذا يريد الحريري من التوازن الشيعي الجنوبي تحديدا؟ يريد شراكة مع “الثوابت” السورية، اي مع نبيه بري ووليد جنبلاط في تحديد خيارات متقاربة في الملفات التي تنتظر لبنان في ما تبقى من العام 2004 ومن مسألة حساسة لا بل مصيرية في العام 2005 وهي القانون الانتخابي الجديد. 

حتما سيلتزم جميع حلفاء دمشق ب”كلمة السر” السورية في الاستحقاق الرئاسي المقبل. اما الكباش الحقيقي بين حلفاء سوريا فهو حول اي قانون انتخابي يمكن ان يحفظ احجام كل واحد منهم؟ 

حتى الان يبدو ان وليد جنبلاط الاوفر حظا اذا سلكت الامور خيار الدائرة الصغرى بلا استثناءات لا في الشمال ولا في الجنوب، والاهم من ذلك بيروت حيث يردد البعض ان العاصمة وفي اطار اعادة صياغة الاحجام المحلية لن تكون دائرة انتخابية واحدة بل ثلاث دوائر تجري صياغة حدودها بعناية فائقة بحيث يعاد رسم بعض المواقع السنية في العاصمة وفي المقابل يصار الى تحجيم بعض المواقع الاخرى. 

في الجنوب سيكون لزاما على الرئيس نبيه بري ان يكون “طائفيا” (نسبة الى الطائف وليس الى طائفته) بأن يتمسك بالنصوص الدستورية القائلة بتقسيم الدوائر على اساس المحافظة (في الحد الاقصى لا تساهل مع جعل الجنوب محافظتين يعاد رسم حدودهما بدقة مماثلة لما سيجري في بيروت)، وهذ يقود الى جعل “حزب الله” شريكا كاملا في تحديد ال23 مقعدا نيابيا شيعيا ومسيحيا وسنيا ودرزيا في الجنوب، اما اذا تقرر تعميم صيغة القضاء التي تحظى بشهية جنبلاطية وبمقبولية مسيحية عالية ولا سيما من البطريركية المارونية (بعض المتحمسين لهذا السيناريو ومنهم حتما بعض اهل الطائف وصناعه يقولون ردا على مناصري الطائف ان ازمة لبنان تكمن اليوم في ان اتفاق الطائف قد اجهز عليه والدولة تعتمد دستورا لا احد يستطيع ايجاد التسمية المناسبة له!). 

يقود هذا السيناريو الذي قد لا يلقى ممانعة سورية في ضوء نتائج الانتخابات البلدية في كسروان وجبيل والمتن الى القول ان الساحة الشيعية وكمعظم الساحات الطائفية اللبنانية تمر اليوم بمرحلة انتقالية مفصلية. مرحلة اعادة فرز ستفضي الى وقائع جديدة سيكون شيعيا “حزب الله” الاول فيها و”امل” الثانية ومن ثم قوى وشخصيات تملك حضورا تاريخيا في هذه الساحة. الأكيد انه لن يكون هناك قوي مطلق في الساحة الشيعية ولو كانت الارجحية ل”حزب الله”. هذه هي حقيقة “الثنائيات” التي لا تجعل احدا قويا في ساحته بالمطلق ودائما وفق حدود اللعبة والاحجام المرسومة لهذا وذاك داخليا. 

ماذا بعد الانتخابات النيابية المقبلة وهل سيعود الرئيس نبيه بري رئيسا لمجلس النواب للمرة الرابعة على التوالي؟ يصعب التكهن في قراءة هكذا عنوان في ضوء الواقع الاقليمي المتزاحم، ولعل سوريا غير مستعجلة على قول كلمة من هذا النوع. ربما هناك مؤشرات لعل ابرزها القول ان وضع الرئيس نبيه بري “صار صعبا للغاية”. 

من بمقدوره أن يكون وريث “أمل” في السلطة؟ 

من المعروف ان من تولى التأسيس للموقع “الثابت” الذي وصل اليه نبيه بري شاب شيعي معمم انبرى قبل اربعة عقود من الزمن، وبلغة نصرانية ليقول للجمهور الشيعي انطلاقا من الجنوب: “جئت لأخلصكم وليس لأحكمكم”. 

“المخلص” في ذاك الزمن البعيد كان السيد موسى الصدر. الخلاص كان مطلوبا من بنية اقطاعية سياسية تقليدية عائلية حكمت شيعة لبنان طيلة قرن من الزمن، فكان ان ازدادوا فقرا وتخلفا وحرمانا، وراحت تتسلط على الارض التي يقيمون عليها والخدمات التي يمكن ان يستفيدوا منها والوظائف التي قد يرتقون سلمها. 

“المارد” الشيعي (“امل”) اعطى صفة “التمرد” لمن تماهوا مع حركته الثورية الصاعدة، الساعية الى جذب جمهور لطالما استعاره اليسار اللبناني والعمل الفدائي الفلسطيني واي مؤسسة او حركة كانت تنادي بالمساواة والعدالة الاجتماعية. اضفى ذلك التوزع للجمهور الشيعي وانتشاره على تلاوين متعددة حيوية سياسية في الجسم الشيعي اللبناني اعطت مفاعيلها حتى يومنا هذا. 

اليوم ثمة من يستعير او يستعيد مشهد “المخلص” موسى الصدر ويسقطه على الواقع الشيعي اليوم. “المخلص” الجديد بالنسبة لهؤلاء “حزب الله” (ويحلو لبعضهم ان يكون زعيم الحزب تحديدا السيد حسن نصر الله) وقوى اخرى قد تفرزها الساحة الشيعية، اما الخلاص المطلوب فهو من بنية سياسية انطلقت “ثورية” وانتهت اكثر من تقليدية في العام 2004. 

ويشبه احد خبراء علم الاجتماع وضع حركة “امل” اليوم بالسلطنة العثمانية التي تحولت من اقوى دولة في المنطقة الى “الرجل المريض” في آخر ايامها. فالحركة التي شكلت في لحظة تاريخية ما خشبة خلاص لجزء واسع من الجمهور الشيعي بدات في ضوء تجربة “السلطة” تتحول الى عبء على الجمهور نفسه المتعطش للتغيير وربما هي على عتبة ان تتحول الى عبء على رعاتها الاقليميين بعدما ادت الدور المطلوب منها وفي اكثر من ظرف ومناسبة، وبالتالي صار السؤال المطروح: هل دورها سيبقى ضروريا في حدود معينة في المرحلة المقبلة لكي لا يكون هناك لاعب واحد متحكم بقرار الطائفة الشيعية، تماما كما هو حال الدروز بالثنائية الجنبلاطية والارسلانية، او الطائفة السنية بمحاولة اضعاف رفيق الحريري و”تفريخ” آخرين في ساحته؟ وماذا اذا تقدم “حزب الله” متخطيا اعتباري الايمان “اللاهوتي” والمقاوم “الاممي” وقرر ان يجرب حظه في اللعبة الداخلية وتحديدا في لعبة السلطة بكل ما تعنيه الكلمة؟ وهل سيكون مسموحا له ان يجرب هكذا لعبة؟ ماذا سيكون جوابه اذا دعي الى المحاولة؟ وهل هو جاهز في الاصل للاجابة على هكذا اسئلة شيعية وداخلية كبيرة؟ ربما تأتي بعض الاجوبة في المؤتمر المقبل للحزب في الصيف المقبل؟ 

“كبرت العيال يا دولة الرئيس”. بهذه العبارة خاطب احد الحركيين نبيه بري في المؤتمر الحركي ما قبل الاخير. ربما هي العبارة الأدق في توصيف اوضاع “امل” ورئيسها في هذه الايام.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic