"وأولئك من الصالحين"

نصري سلهب
جريدة النهار (لبنان)
الثلاثاء، 18 أيـار «مـايو» 2004

     بعد مار مارون - وقد طوّبته الكنيسة في 28 ايلول ،1753 ثم شربل، ثم رفقة ذات الجرح السادس، هوذا نعمة الله الحرديني يُرفع الى مصاف القديسين، وليس وليد القدر ان ينتمي اولئك الاربعة الى "امة" الرهبان الذين أكرمهم الله في كتابيه - الانجيل والقرآن - سواء بسواء. 

فلإخواني، مسيحيين ومسلمين، أورد في ما يلي الآيات البيّنات التي انزلها الله في الرهبان: 

"من اهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات، واولئك من الصالحين. وما يفعلوا من خير فلن يكفروه. والله عليم بالمتقين". (آل عمران، 113-115). 

حقاً انها لكلمات رائعة مشعة. لكأنها لآلئ من نور نظمها مبدع الكون في عقد فريد وجعلها آية للعالمين! 
 

*** 

     نعمة الله الحرديني (1808-1858) كان، في الاصل، يدعى يوسف كساب، من مزرعة بيت كسّاب المجاورة لحردين، في قضاء البترون. وعندما اصبح راهباً، عام ،1830 اختار اسم نعمة الله. لكأنه، بذلك الاسم اراد ان يعبّر عن ايمانه بأن الرهبنة نعمة اسبغها الله عليه. 

كان شربل مخلوف (1828-1898) تلميذه. وقد طوّبته الكنيسة في 9 تشرين الاول .1977 وهكذا سبق التلميذ معلّمه الى عالم الخلود في الله.. 

كان الحرديني متعبداً للعذراء مريم التي ملكت قلبه وفكره وكلّ كيانه، كان مأخوذاً بطهرها وبعصمتها من الخطيئة الاصلية، وبكونها أشعّت من ضمير الله قبل ان تفكر حوّاء ان هنالك، في الفردوس، ثمرة محرّمة. 

ولقد كان تواقاً الى ان يبلغ ما بلغته العذراء من طهر، جاهلاً ان الامر مستحيل بشرياً، فعاش حياته في عطش روحي مستمرّ. وكان يخالجه شعور بالحرمان جعله دائم الألم، قاسياً على نفسه، وصعب المعاشرة. 

كان يمضي الليل في الصلاة والتأمل وفي التعبد لأم المسيح. وكان "يعترف" كل يوم ويتناول جسد المسيح بعد الاعتراف فوراً، ليكون واثقاً من انه يستحق ان يدخل "السيد" تحت سقف بيته. 

لكأنها، تلك الآيات الثلاث، قد عنته هو بالذات، خصوصاً الفقرة التالية: "يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون". 

غادر الحرديني هذا العالم بعد انقضاء اربع سنوات على اعلان "معتقد الحبل بلا دنس"، فرجعت نفسه الى ربها راضية مرضية، فدخلت في عباده ودخلت جنته. 

غير اني اخاله كان يعلم بأن الاسلام، قبل المسيحية بأكثر من الف ومئتي سنة، اقرّ ذلك المعتقد في كتاب الله وسنة نبيّه القائل: "ما من مولود يولد الا والشيطان يمسه حين يولد... الا مريم وابنها. فإن الله عصمهما ببركة الاستعاذة". 

ان الرهبان - الذين أكرمهمس الله فخصّهم بتلك الآيات الثلاث البينات - ليسوا، حصراً، ملك الضمير المسيحي، بل هم خيوط روحية تصل نصارى لبنان بأخوتهم المسلمين لتذكر هؤلاء واولئك بأن راهباً عربياً يدعى بحيرى كان اول من حدّث ابن عبدالله عن اشياء السمـاء يـوم كان هـذا الاخير في الـثانيـة عشرة من عمره. 

في محاضرة ألقاها كمال جنبلاط - وهو، دون ريب، من اعمق مفكري هذا الوطن ومن اكثرهم اشراقاً - في الندوة اللبنانية، بعنوان "لبنان في واقعه ومرتجاه"، قال في ما قال "ان مسلمين ودروزاً ومسيحيين في الشوف ومناطق اخرى يتقدمون بنذور لقديسين او اولياء لا ينتسبون الى طوائفهم. ان ولادتي الشخصية لم تكن غريبة عن تلك العادات. واني اذكر ان والدتي وَفَت لمار عبدا النذر الذي سبق ان تعهّدت به من اجل ان يمنّ عليها ذلك القديس بولد". (انتهى النص الذي اوردته، ببعض من التصرف، عن النص الفرنسي الوارد في "الخماسية الانطاكية"، الجزء الثاني، المجلد الثاني، ص. 853 الى 893 للمحاضرة بكاملها). 

لإخوتي المسلمين اقول ان مار عبدا قديس مشهور، في الاوساط المسيحية، بأنه يشفي النساء من العقم. فعندما يطول الزمن بامرأة متزوجة دون ان تنجب، فإنها، بدافع ايمانها، تلجأ الى مار عبدا وتنذر الامر له، كما فعلت "الست نظيرة"، فاستجاب مار عبدا دعاءها اذ ولدت ابنها كمال الذي يروي هذه الواقعة في محاضرته المار ذكرها اعلاه.. فشكراً لمار عبدا وألف شكر. 

"وكان المسيحيون والمسلمون يتزاوجون في ما بينهم بكامل حريتهم، ويشتركون، من حين الى حين، في الاحتفال بأحد الاعياد المسيحية او الاسلامية المقدسة، ويستخدمون المبنى الواحد كنيسة ومسجداً..." (ويل ديورانت، "قصة الحضارة"، ترجمة القاهرة، ،1975 الجزء الثاني من المجلد الرابع، ص ...292). 

اجل، تلك كانت الحال في الاندلس، في عهد حكّامها العرب المسلمين.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic