 |
ثمة نقاش لم ينقطع منذ بضعة أسابيع حول ما يبدو أنه استهداف مباشر للرئيس نبيه بري، يتّخذ من الانتخابات البلدية مناسبة للون من تصفية الحساب معه. وينطلق النقاش من سؤالين: علامَ يُحاسب الرئيس برّي؟ ومَن يحاسبُه فعلاً؟
وتقول الأوساط الشيعيّة واللبنانيّة، أنه ومن أجل موضوعية النقاش، لا مفرّ بادئ ذي بدء من الاعتراف بأن ثمّة نقاطَ ضعف في تجربة بري و"حركة أمل" خلال السنوات الماضية، يمكن للعاملين على تصفية حسابات سياسيّة معه استغلالها، ونقاط الضعف هذه، يمكن إيرادُ بعضها على النحو الآتي:
أولاً ـ إذا كانت "حركة أمل" فقدت بانخراطها ميليشياويّاً في الحرب الأهلية، بريق تأسيس "حركة المحرومين" مع الإمام موسى الصّدر، وعدداً من مضامين هذا التأسيس، فالحقّ يُقال أن هذا المسار بدأ مع الإمام الصدر نفسه. ويروي مقرّبون من الإمام معايشون له، أنه قبل أيام قليلة فقط من اختطافه، صارحهم بالقول "صرنا أمل ولم نعد حركة محرومين"، أي أن الحركة لم تعُد هي نفسها التي تمّ الانطلاق بها. وأكّد لمجالسيه أنه في صدد إعادة النظر بالبرنامج والأداء في ضوء ما آلت إليه الأوضاع آنذاك.
غير أن "أمل" واصلت مع ذلك بعد تغييب الإمام مسار الانخراط في الحرب الأهلية بكل محطّاتها حتى اتفاق الطائف. وككلّ الأحزاب السياسيّة التي دخلت في هذا الأتون، خرجت الحركة مجرّحةً "شكلاً ومضموناً".
ثانياً ـ ومع الطائف، انتقلت "أمل" الى النظام السياسيّ مباشرة، ولو أنها مرّت بمرحلة انتقاليّة عبر مشاركة رئيسها في حكومة الشهيد رشيد كرامي بين 1984 و1989. وفي هذا الانتقال الى "النظام" أو "السلطة" ممثِّلة للشيعة، تحوّلت "أمل" من ميليشيا مشاركة كطرف رئيسيٍّ في الحرب اللبنانية الى "حركة سلطة". وإذا كان من الطبيعيّ أو المفهوم أن تصبح مركز استقطاب للشيعة مِن موقعها في "الدولة" وخدماتها، فإن "أمل" لم تقدّم تجربة ناجحة في موقعها الجديد:
أ ـ طبعاً ليس منصفاً ما يرشَق به الرئيس بري من اتهام بأنه "حاصص" في الدولة لمصلحة الشيعة. ذلك أن هذا الأمر مرتبط بسببين موضوعيّين رئيسيّين، أولهما أن مقولة "التوازن الوطني الدقيق" في الطائف، بغياب آليات سياسيّة تسمح بالانتقال من "التوازن الطائفي" الى "التوازن الوطني ـ السياسي"، تقود عملياً الى "المحاصصة" و"المناتشة".. وثانيهما أن الطائف الذي رسّخ طائفية النظام السياسي، كان في جانب مهمّ منه منطلق الصعود السياسي للشيعة في النظام والدولة.
ب ـ بيد أن ما يصحّ قوله في المقابل أن الرئيس بري ركّز على "شيعة أمل" أي أنه شكّل "طبقة أمليّة" في الدولة من ناحية، شكّلت بدورها "مصفاةً" خدماتيّة تحرم من لا يواليها من ناحية ثانية. وإذا كان معلوماً أن أحداً لا يستطيع إرضاء كلّ الناس في العادة، فمن الطبيعي أن يستنفر هذا التحوّل وبالتدريج عداوات شتّى.
ج ـ وهذه "الطبقة الأمليّة" إذا جاز التعبير، كانت على الدوام مُحاطة في معظم مواقعها، بعلامات استفهام كبيرة حول "نزاهتها" ومدى بُعدها عمّا يسمّى "الفساد" حتى إن الرئيس بري نفسه رفع الغطاء عن عديدين من عضوية هذه "الطبقة"، ما يعني في المحصّلة ان "أمل" لم تقدّم نموذجاً "جاذباً".
التفكير الوطني (اللبناني)
ثالثاً ـ وإذا كان ممّا لا شك فيه أن ما تقدّم بشأن تجربة "أمل" في السلطة والدولة يمثّل ضعفاً لها، ممّا يمكن أن يضاف اليه الوضع البنيوي في الحركة ودور الرئيس بري داخلها كما طبيعة العلاقة بين بري والحركة من جهة والشيعة عموماً تيّارات وفاعليّات وعائلات من جهة ثانية... فإن ما يتعرّض له الرئيس بري والحركة من حملات لا علاقة له بما تقدّم ذكرُه. والأدلة على ذلك عديدة:
1 ـ إذا كان برّي يعاني من نقاط ضعف سبقت الإشارة اليها، وبالمناسبة ليس برّي فريداً في بابه في هذا المجال والأمر ينطبق على العديدين، فلا شكّ ان لبرّي دوراً وطنياً (لبنانياً)، ينطلق من تفكير وطني (لبناني) قارن أحد كبار القوم في الطائفة الشيعية بينه وبين فكر الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، من زاويتين على الأقل: الأولى اندراج الشيعة في الدولة، والثانية أن لا مشروع شيعياً قائماً بذاته، وأنه لا مناص من أن يكون الشيعة جزءاً من مشروع لبناني عام. وبرّي طبّق مراراً هذا التفكير في العديد من المحطّات وهو ليس على اشتباك مع أيٍّ من الطوائف الأخرى.
2 ـ وإذا كان التشديد على التفكير والدور الوطنيّين (اللبنانيين) لبرّي هو من باب الإنصاف، يصبح بحكم المؤكد أن كل استهداف له يتجاهل هذين التفكير والدور، هو استهداف لهما، في لحظة لبنانية ـ إقليمية ـ خارجية تفترض التحصّن بقيادات لبنانية من هذه الطينة.
3 ـ بدأت الحملة على برّي منذ وقت طويل، وليس خافياً أن جهات وأجهزة التزمت "الشُّغل" بالحركة في عدد من المناطق وببعض المسؤولين الحركيين قبل أن يغادروا الحركة، وبعد أن غادروها. وتزامن ذلك مع إشاعة هذه الجهات والأجهزة لأخبار سواء عن علاقة رئيس الحركة بـ"طائرة كوتونو" أو عن علاقته بـ"طائرة الدنانير العراقيّة"، وغيرها من الإشاعات الهادفة الى ضرب موقعه.
4 ـ ثمّ تصاعدت الحملة المنظّمة تحت عناوين سياسيّة شتّى، من بينها انه مرفوض سوريّاً، وأن ثمة صيغة جديدة يجري التحضير لها تستبعده في المرحلة المقبلة بعد حصول التجديد لرئيس الجمهورية، في وقتٍ تعلن شخصيّة كبيرة غير مدنيّة أنها كلِّفت سوريّاً "ملفّ التجديد"، ويُروَّج من حول هذه الشخصيّة كلام عن انها مرشّحة لأن تكون البديل من برّي.
وتأكد الأمر عندما بدأ فريق الحكم يعمّم أن الانتخابات البلدية ستحمل كلّ المؤشرات الى التجديد الذي يجري الترويج من قبل فريق الحكم بأن دمشق حسمته، وعندما قيل أن هذا الفريق ينتظر الانتخابات البلديّة في الجنوب بفارغ الصبر، ليحدّد كيفيّة التعامل مع بري خلال الأشهر المقبلة.
5 ـ إذاً لا يمكن للحملة أن تُقرأ إلا من زاوية التحريض على الرئيس بري وموقعه ودوره، والأهم أن هذه الحملة تتولّى إعلان أن "زمن بري" انتهى، وتتولّى الإيحاء بأن ذلك مغطًّى إقليمياً ومن قبل فريق الحكم. ولذلك فإن المسألة لا تُقاس من زاوية الشعبيّة الفعليّة التي يمكن أن تكون للرئيس برّي أو لا تكون، بل من زاوية أخرى، وهي أن استمرار هذا الموقع أو ذاك في لبنان لا تزال تقرّره تقاطعات عدّة ليس من بينها صناديق الاقتراع في وقت تٌصنع مقدمات الاقتراع بطريقة أو بأخرى. ولذلك فإن الهدف من الحملة وإيحاءاتها هو التأثير في الصناديق، وليس ثمّة اختبار ديموقراطي "كامل" يكتشف الفرقاء بواسطته نقاط ضعفهم فيصححون أو لا يعيرون نقاط ضعفهم اهتماماً.. فيسقطون.
الحملة: تكريس اللاديموقراطية
رابعاً ـ في ضوء كل ما تقدّم، تعرب أوساط شيعية مستقلّة عن قلقها لأن ما تهدف إليه الحملة المناهضة لبرّي ليس أقل من انقلاب في المشهد السياسيّ، خصوصاً إذا كان معلوماً أن برّي ليس وحده من نظام الطائف مُستهدفاً.
وتسارع الأوساط الشيعيّة المستقلّة الى القول أنها ليست في موقع الأسف على تحالف يفرط بين "أمل" و"حزب الله" وهو تحالف أدى الى إلغاء الحياة السياسيّة في الجنوب، كما أنها ليست في موقع الاعتراض على انتصارات يحققها "حزب الله"، لكن ما تخشاه فعلاً هو أن الحرب على برّي ليست كرمى لتعدّدية سياسيّة جنوبيّة لا بدّ لها من سياق آخر، وليست بهدف ديموقراطي بطبيعة الحال، خصوصاً أن ثمّة من "يبشّر" بأن قانون الانتخاب المقبل سيراعي "التغيير" بأفق تكريس السياق غير الطبيعي لإنتاج السلطة وهنا الخطورة بالضّبط. وفريق الحكم يقدّم نظرية متكاملة لهذا "التغيير" على أساس التجديد، إذ يعتبر أنه قويٌّ مسيحياً وقويّ إسلامياً بحسب ما يقرأ في النتائج البلدية!. وقد لا يَعجُب عدد كبير من اللبنانيين إن بدا بعضهم مشتغلاً لصيغة أمنيّة ولو غير مباشرة.
طبعاً، نبيه بري هو الذي سيدافع عن نفسه... وقد تكون نتائج البلديات فرصة له وللحركة لـ"التصحيح" والسير في مزيد من "التلبنن"، كما قد تكون فرصة لحزب الله أن يختبر علاقته بالداخل اللبناني، لكن ما يجري تسليط الضوء عليه الآن، هو بالضبط المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الحرب على بري، لا سيما أن أحداً لا يستطيع القول اليوم أن الأمر يتلخّص بتراجع شعبيّة هذا أو ذاك، أو تقدّمها، ولا يستطيع القول أن المسألة هي احتجاج شعبي بالتصويت ضدّ هذا أو ذاك، وإن كان ثمّة مؤشرات احتجاج في سائر المناطق اللبنانيّة على أمور كثيرة بطبيعة الحال.