لبننة غزة

ناصيف حتي
جريدة المستقبل (لبنان)
الخميس، 20 أيـار «مـايو» 2004

     فوجئ الإسرائيليون كما دل على ذلك العديد من ردود الفعل من مسؤولين سياسيين وعسكريين بعودة نوع معين من المقاومة: المقاومة المسلّحة ضدّ جيش الاحتلال في غزة.

انها عودة الى القانون الطبيعي للمقاومة ضدّ الاحتلال كما عرفته ومارسته الأمم التي عاشت الاحتلال. الجزائر، فيتنام ولبنان قدمت نماذج ناجحة في هذا المجال. راهن الإسرائيليون على أن سياسة المقصلة أو اغتيال قيادات حماس ستؤدي الى تفكيك المنظمة وإضعافها وتضعضعها، أو قد تدفع الى ردود فعل انتقامية من خلال تصعيد العمليات ضدّ المدنيين، فتكرّس دولياً وإسرائيلياً صورة الصراع كما تقدّمه المقاربة الإسرائيلية الراهنة، مقاربة شارون واليمين الإسرائيلي.

المقاومة المسلّحة تحظى بشرعية سياسية وقانونية وأخلاقية دولية. تشكّل البديل الفعّال عن العمليات الاستشهادية كما يسميها البعض أو الانتحارية كما يسميها البعض الآخر علماً أن الطابع الاستشهادي ينطبق بقوة على مَنْ يضحي بحياته في عمل مقاوم ضدّ أهداف عسكرية. نفهم الغضب والإحباط وانسداد الأفق من سياسة تصعيد العنف الإسرائيلي التي تحصد المدنيين ولكن الغضب في الثورات الوطنية التحريرية يجب أن يكون محركاً أو محفزاً لاستراتيجية مقاومة تخدم هدف التحرير وليس مصدراً لتضحيات تشفي غليل أهل القضية القريبين والبعيدين، غليلهم المزدوج من سياسات إسرائيل ومن العجز العربي وتكون انتقاماً للشهداء ولكنها ليست خطوة سياسية تندرج في استراتيجية التحرير. ليس فقط العامل الأخلاقي هو الذي يجب أن يدفع بهذا الاتجاه على الرغم من ان من أهم أوراق الطرف الأضعف عسكرياً في معادلة الاحتلال- التحرير هو الحفاظ على التفوق الأخلاقي الذي يوفر الحصول على التعاطف والدعم العالمي وحتى في مجتمع العدو. استهداف المدنيين مباشرة في المناخ السياسي والاستراتيجي منذ 11 أيلول صار يعتبر إرهاباً أياً كانت مشروعية مسبّبات هذه العمليات وصار يرتبط باستراتيجية القتل العبثي والمجاني التي يقوم بها ويبرّرها الخطاب البنلادني.

مرة أخرى نعود الى النموذج اللبناني في التحرير الذي، على الرغم من وجود اختلافات عديدة في الإطار العام للمقارنة، يبقى النموذج الناجح للمقاومة. المقاومة المسلّحة التي أثارت في إسرائيل مخاوف "لبننة غزة". مخاوف تخيم على إسرائيل وذاكرة هذه الأخيرة ما زالت حيّة حول تجربة جنوب لبنان. أول انتصار حينذاك على طريق التحرير حصل في تفاهم نيسان. كان انتزاع الاعتراف السياسي بالمقاومة من طرف إسرائيل وفرض شروط المقاومة على إسرائيل في إدارة اللعبة وحدودها. وعلى الرغم من اختلاف المعطيات يبقى ذلك النموذج كبيراً ومفيداً بدروسه. يوسي ساريد (يديعوت احرونوت 4/5) حذّر من الواقع اللبناني الناشئ في غزة والذي سيفرض على إسرائيل سياقات سياسية لخروج فوري وشامل.

اللوحة الفلسطينية ـ الإسرائيلية الراهنة تعطي انطباعاً ان هنالك محاولات ولو خجولة ومحدودة للخروج من الجمود الذي صار مكلفاً ولتحريك الوضع ربما بهدف إرساء معادلة جديدة تسمح باحتواء التفجر من دون ان تعني العودة المطلوبة الى المفاوضات. فشروط هذه الأخيرة غير قائمة حالياً. تحمل هذه اللوحة المشاهد التالية: أولاً، شارون ماضٍ في خطته في سياسات تطهير عرقي وتدمير مادي في رفح لإقامة جدار أمني عازل. يعتبر ذلك بمثابة خطوات استباقية لتوفير الأمن بالشروط الإسرائيلية قبل الخروج من غزة. ثانياً، العنف والتشدّد يسمحان لشارون ايضاً بتسجيل نقاط داخلية في ملعب اليمين المتطرّف المعادي لسياسته. يجري ذلك في ظل تفهم أميركي للهدف الأمني الإسرائيلي. ثالثاً، شارون ايضاً حقّق انتصاراً خارجياً كبيراً على معارضيه في الداخل وعلى الفلسطينيين من خلال موقف اللجنة الرباعية الذي "بارك" في مضمونه سياسة الفصل الأحادي، مع الحفاظ على الصياغات اللغوية التوفيقية المفرغة من أي مضمون عملي. رابعاً، الرهان الدولي في مناخ الاستقالة الحاصلة من أي دور سياسي فعّال يصب دائماً في دعم الأقل تشدّداً بين غلاة المتشدّدين. فمعيار الاختيار يحدّد في إطار التشدّد الإسرائيلي وليس في إطار المرجعية الدولية التي يفترض ان تحكم إدارة التسوية. شارون في ظل هذه الأجواء المشجّعة له مستمر في فرض مقاربته للتسوية المرحلية حتى إشعار آخر "ولا يدوم إلا الموقت" كما يقول المثل الفرنسي. خامساً، المقاربة الأحادية في نظرتها ومنهجها القائمة على فرض السلام وعلى تغييب الشريك الفلسطيني تستمر من خلال فرض شروط تعجيزية للقبول بالشريك. سادساً، عودة الاتصالات الأميركية ـ الفلسطينية على مستوى عالٍ لتنفيس الاحتقان وطمأنة الفلسطينيين كعمل موازٍ للضمانات الرئاسية الأميركية لإسرائيل ولو انه عمل غير متوازن كلياً مع تلك الضمانات مع التأكيد على فرض شروط جديدة على الطرف الفلسطيني من الصعب تنفيذها في ظل انسداد الأفق السياسي واستمرار الحرب الإسرائيلية ورفض مشروع الهدنة الذي قدّمه أبو علاء.

واشنطن بحاجة لتنفيس الاحتقان الحاصل الواعد بانفجار قادم في القدس لصعوبة التعاطي مع انفجارين في ظل الانفجار القائم في بغداد. ومن مشاهد اللوحة ايضاً عودة التحرك ولو البطيء والخجول لبعض جماعات اليسار وجماعات السلم الآن في إسرائيل للانسحاب من غزة وتركيز البعض على ما جاء في تقرير "مراقب الدولة" في إسرائيل بشأن كلفة المستوطنات والاستيطان والإشارة الى ان الفجوة الهائلة في الكلفة المصروفة من وزارة الاسكان على الفرد الواحد في المستوطنات مقابل تلك المصروفة على التجمعات السكانية داخل الخط الأخضر بلغت 553 في المئة. يأتي هذا الكلام في ظل بروز مناخ سياسي ما زال هامشياً في إسرائيل وهو رد فعل على رفض المستوطنين مشروع شارون للانسحاب من غزة. مناخ عبّر عنه بشكل واضح في الإعلام وفي السياسة إذ تساءل تسفي باريل في هآرتس (9/5) حول وجود دولتين يهوديتين: الأولى إسرائيل ضمن حدود 1967 والثانية دولة المستوطنين، كدولة منفصلة خارج دولة القانون، دولة تجعل دولة إسرائيل رهينة لها على الصعيدين السياسي والمادي.

هذه اللوحة بمشاهدها المختلفة والمتغيّرة تفرض التالي: الإسراع الفلسطيني في بلورة حوار وطني يجب ان يكون في أولويات الأهداف الراهنة لتحديد استراتيجية عمل فلسطينية حتى لا يبقى الفلسطينيون محاصرين بين سياسات ردّ الفعل على مطالب "الخارج" والحالة الوطنية الثائرة في الداخل خصوصاً ان بعض هذه المتطلبات من الخارج الإسرائيلي وبعض الدولي يدفع باتجاه توتر أو أزمة فلسطينية فلسطينية تخسر فيها جماعة "الدولة" وجماعة "الثورة" طالما أن كلاً منهما متمسك باستراتيجيته الواحدة الوحيدة إما الديبلوماسية أو العنف المقاوم. المطلوب حوار يدمج المنطقين في منطق واحد ولا يلغي أحدهما بل يوظفهما كلاً في لحظته الضرورية وحسب المرحلة الحاصلة. المطلوب بغض النظر عن حصول "فك الارتباط الأحادي" من غزة العمل لعدم تكريس منطق الدويلات الفلسطينية المتعايشة والمتصارعة والمتنافسة بل إلغاء هذه الحالة لمصلحة دولة أو سلطة فلسطينية ترعى الاختلاف وتوظف الخيارات المتصارعة في خيارات متكاملة.

عربياً، عشية القمة ونخاطر، كأن نُتهم بالبساطة السياسية، إذا تجرأنا وراهنا على ضرورة بلورة احتضان عربي سياسي وديبلوماسي واقتصادي يشجع الحوار والوفاق الفلسطيني فالمسألة الفلسطينية أكثر وضوحاً وأقل مخاطر وحساسيات ومطبّات لدور عربي مما هي عليه المسألة العراقية على الرغم من ان ذلك لا يعفي العرب من دور ما زال غائباً في العراق.

فهل ينجح ذلك الرهان في بلورة موقف عربي عملي ومتحرك يحتضن فلسطين ويحملها سياسياً وديبلوماسياً الى العالم عبر تفعيل دور لجنة مبادرة السلام العربية وعدم الاكتفاء بالتذكير بالموقف المبدئي العربي وبتكرار "الهجوم" الكلامي والإنشائي على إسرائيل والعتب الشديد على العالم ومطالبته بالتحرك نيابة عنا لان الاستمرار في سياسة الاستقالة وإضاعة الفرص ودفن الرؤوس في الرمال في ظل التطوّرات الحاصلة يحمل مخاطر تتعدى الشأن الفلسطيني لتطال الأمن الحيوي المباشر لدول الطريق وأمن واستقرار المنظومة العربية ككل.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic