السيِّد لا يمـزح...
أمين عام "حزب الله" يعلن حزبه رقماً في المعادلة العراقية الصعبة

 جهاد بزي
جريدة السفير (لبنان)
السبت، 22 أيـار «مـايو» 2004

بحر حاشد من الأبيض في الضاحية الجنوبية

     صرخ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله: “الموت لأميركا” ورد زهاء نصف مليون شيعي لبناني خلفه: الموت لأميركا. 

مئات الآلاف ارتدوا أكفانهم البيضاء أمس تلبية لدعوته إلى التظاهر دفاعا عن النجف وكربلاء، سمعوا نصر الله يخاطب الولايات المتحدة الأميركية باسمها فطلب لها الموت وطلب منها أن تبتعد عن العتبات المقدسة في النجف وكربلاء.. وإلا، فنحن لن نتخلى عن واجبنا وتكليفنا.. مسيرة اليوم هي الخطوة الأولى على طريق الدفاع عن المقدسات وأي أمر آخر سيقرره تكليفنا ومسؤوليتنا فسنقوم به من دون أي تردد. 

لم يوضح السيد لأميركا ما قد يكون الأمر الآخر، لكنه أعلن بما لا يدعو إلى الشك، أن حزب الله شمّر عن ساعديه وهو يخوض في الرمال العراقية.. طرف جديد يضاف إلى لائحة الأطراف هناك.. وخلفه ما لا يقل عن نصف مليون بشري كتب على صدورهم انهم عشاق شهادة. 

السيد كان، هذه المرة، اوضح من أي مرة اخرى في ما يخص أميركا.. وضعها في معسكر واحد مع إسرائيل وذكرها بأنها ليست المرة الأولى التي يرتدي فيها ناسه الأكفان، بل إنهم لبسوها في العام 1982 مع الاجتياح الإسرائيلي... وفسر للأميركيين الذين يقفون عند باب دار أجداده الفعليين وأسلافه السياسيين الأول ومنبع الثورة الإيرانية برمّتها وتيار حزبه الشيعي الجارف، فسّر للأميركيين الذين لا يعرفون معنى نداء “لبيك يا حسين” أنه يعني “حضورك في المعركة حتى لو كنت وحدك” وتحدث عن الأم التي يوضع رأس ابنها الشهيد المقطوع في حضنها فتقول له: بيّض الله وجهك يوم القيامة كما بيّضت وجهي أمام فاطمة الزهراء. وأضاف: لن نكون حملة أكفان فحسب بل حملة أكفان وسلاح.. وصرخوا من بعده: “لبيك يا حسين”. 

ومع ان المسؤولين عن التنظيم فضلوا سحب صور السيد العراقي مقتدى الصدر من أيدي المتظاهرين، ومع أن نصر الله لم يسمّ شبيهه العراقي بالاسم، إلا أنه ألمح إلى التضامن معه “فالمسيرة للدفاع عن المقدسات وعن المرجعيات الدينية في النجف والذين يجب أن يحموا من ان يمس احدهم بسوء.. وللدفاع عن كل المجاهدين”. 

تطرق نصر الله مراراً إلى النقاط الساخنة الأخرى في العراق كالفلوجة، وفي فلسطين، وإلى النقاط الساخنة سياسيا كسوريا ولبنان والعراق. إلا أن كل تلك الجماهير وفي مقدمها سيدها خرجوا عصر البارحة تلبية لنداء شيعي بحت ضاقت به، حرفيا، شوارع الضاحية الجنوبية.. حيث التدافع بالمناكب يصير له معنى في خضم لبسة الأكفان هؤلاء وقد اختنق الأولاد بين افخاذهم وكان كبار السن بينهم أكثر حماسة من شبانه. وبدا من المستحيل أن يعرف رأس المسيرة من ذيلها.. والأرجح ان ذيلها التصق برأسها المنطلق من أمام قاعة سيد الشهداء في الرويس ليمشي صوب حارة حريك، الغبيري، المشرفية، وصولا إلى جادة هادي نصر الله وعبرها إلى محلة الصفير حيث المحطة الأخيرة في ملعب الراية وقد امتلأ والشوارع المحيطة به عن بكرة ابيها بينما الناس ما زالت تتدفق من نقطة الانطلاق... 

هستيريا! المتظاهرون انفسهم لم يصدقوا الحشد الذي تسبقه جماعات أو تتأخر عنه جماعات فتتحول إلى تظاهرات قائمة بذاتها. بالقرب من القاعة وقف شابان يبيعان الأكفان.. الكفن الأبيض وهو قطعة قماش بيضاء بعرض متر وطول مترين مثقوبة ذات ثقب واسع في وسطها يدخل الرأس منها وتربط عند الجانبين، هذا الكفن بيع بألفي ليرة وكانت الأيادي تمتد بالمال طالبة “خمسة اكفان حاج” و”عشرة اكفان حاج”.. ولم يجد أحد الشبان إلا ان يعبّر لصديقه عن عتب بالغ لأنه تلكأ في الاندفاع لشراء الأكفان المطلوبة... لكن الدراجات النارية تكفلت في أماكن أخرى بتوزيع الأكفان مجاناً لتتناتشها الأيدي في لحظات. 

الضاحية الجنوبية ارتدت امس كفناً أبيض. حسن نصر الله هو الذي دعا الشيعة إلى نصرة المقامات في النجف وكربلاء. أنصاره يلبون نداءاته في العادة.. هذه المرة يختلف الأمر قليلا. هم لبوا نداء جده الإمام الحسين الذي يفاخر السيد به دوماً وينادي بنصرته. وقد صرخ الناس باسم الحسين مراراً وتكراراً، وليس كما في كل مرة. هذه المرة القضية تعنيهم.. فالعتبات التي نحكي عنها مقدسة جداً عندهم. من المستحيل أن يكون كل هذا الخليط مديناً بانتمائه لحزب الله. لكن الأكيد أن الخليط مدين بتشيعه للمدفونين في العتبات.. حسن نصر الله تحدث في السياسة وردد مرارا: لبيك يا حسين.. الحسين كان حاضرا في الضاحية الجنوبية عصر امس.. لكن طيفاً لرجل آخر كان يملأ سماء الشيعة في الضاحية.. سماه السيد حسن في بداية كلامه ورفع المحتشدون صوره المرسومة طوال المسيرة. هناك بين المحتشدين من يرفع السيف في كل مرة يصرخون.. ذو الفقار. كلنا نعرفه. صاحب السيف، الإمام علي يرقد في تلك “العتبات”، وعلي هو الذي لا فتى غيره.. الشيعي الأول. وفي لحظة خطرة كهذه... ستلبي مئات الألوف نداءً من أجل الفتى الذي يقدسه الشيعة.. وسيلبسون أكفان الموت من أجله. لا فتى إلا علي.. صرخ الناس.. و”ما في ولي إلا علي”، استعاد شيعة لبنان أكثر مطالبهم التاريخية عتقاً. “ما في ولي إلا علي”.. وعلي جد حسن نصر الله والأب الروحي لهذه الآلاف المؤلفة. هذه الجماهير تهتف من أعمق اعماقها بالموت لأميركا.. وحسن نصر الله يحكي في السياسة وفي غيرها هذه المرة. يخلط بين السياسة وبين المسائل العائلية.. والسيد لا يمزح في ما يخص أجداده.. وأحد هؤلاء الأجداد هو أكثرهم قدسية وهو رجل يعرفه الشيعة جيداً: علي بن أبي طالب.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic