اذاً بين ساعة متأخرة من مساء يوم الثلاثاء وساعة مبكرة من عصر يوم الجمعة، تمكن الامين العام لحزب الله من جمع نحو نصف مليون لبناني على أبعد تقدير، وربع مليون على أقله. وقد تلفع الآلاف منهم بأكفانهم تاركين ملفعة متاع الدنيا وبلدياتها ليستمعوا الى السيد في تلوينات وتنويعات جديدة على ما كان قد ألقاه على مسامعهم مساء إطلاق الدعوة التي يمكن صياغتها بالعامية “وين ما كنت، اترك يللي بيدك وتعال الى مجمع الشهدا، والافضل تلبس كفنك”، والتي ما ان سمعها بعض سكان المناطق البعيدة حتى رموا ما في أيديهم ولبسوا أكفانهم وسارعوا الى تلبيتها سيرا على الاقدام.
من من العرب والمسلمين بوسعه ان يفعل ذلك؟
طبعا لن نركب قادة الاحزاب اللبنانية والعربية مركب المقارنة العسير. ولكن من من الزعماء العرب والمسلمين يقدر اليوم على مثل هذه المغامرة؟
من بين العرب كان عبد الناصر ومن بين المسلمين كان أحد أبناء عمومة السيد، آية الله الخميني. مع فارق جوهري ان “العاملي” نقل العاطفة والعقل، وبصورة سحرية، من استحقاق داخلي الى استحقاق خارجي، بينما عند العربي والاسلامي كان الامر دائما يتعلق باستحقاقات داخلية ولو متداخلة بصورة أو بأخرى مع الخارجي. هذا فضلا عن رأس السلطة من جهة ورأس المعارضة أولا والسلطة لاحقا، بينما السيد لا في السلطة ولا في المعارضة.
حتى جد السيد الامام علي ابن ابي طالب والخليفة الرابع (ع) حين كان يخرج من الكوفة ليعسكر مطلقا نفير الحرب، وفي قضية داخلية، كان يشكو من حجج حر الصيف وبرد الشتاء. طبعا لن نركب ولن نركب السيد الجليل مركب هذه المقارنة العسير، ولكن المدهش في سرعة الاستجابة لدعوته هذه يجعل العقل والعاطفة، في هذه المنطقة الراقدة والمتحركة بين فوهات البراكين التاريخية والراهنة، يركبان مراكب عسيرة في المسافة المرصوفة بالمسؤوليات المباشرة، والتي لا تحتمل التأجيل، بين السؤال الملح والاجابة المستعصية.
كيف يمكن لهذا السيد، المتميز بكاريزما، بل كاريزمات متنوعة ومتعددة، أعقدها الايحاء الآمن بالثقة المطلقة، وأبسطها قربه الرقيق من القلب، ان ينجح في مغامرة جمع هذا الحشد، في وقت يتجاوز فيه سعر صفيحة البنزين واحدا من ثمانية من قيمة الحد الادنى للأجور؟
وهل الكاريزمات تكفي لعقد هذا الولاء الاستثنائي، ليس في تاريخ لبنان وحده بل ربما في تاريخ العرب والمسلمين؟
وهل الامر متعلق بالشيعة المتهمين في لبنان بالعاطفة والتخلف؟ أليس معظم أنصار السيد وفق التقارير الغربية من النخبة المثقفة، والشرائح الميسورة، والفئات العمرية الناضجة، والى حد بعيد، على عكس “وقود” التظاهرات لدى معظم الزعماء اللبنانيين خصوصا حين يتعلق الامر بالفئات العمرية والقضايا الخارجية.
هل الامر مجرد استحقاق داخلي ضيق في لبوس خارجية فضفاضة؟ هل انعطفت حافلة السيد من أوتوسترادات المقاومة والقضايا المصيرية الى أزقة الحزب والقضايا المحلية؟ من الواضح ان مستقبل المنطقة الشديد الغموض لا يشير الى ان مرحلة الانعطاف هذه، والمدعوة اليها المقاومة دوليا وإقليميا ومحليا، قد وصلت بعد.
وهل السبب العتبات المقدسة المهددة هذه الايام؟ وكم كان عدد المتظاهرين في طهران وأماكن وجود الشيعة الاخرى؟
وهل ثقافة المقاومة كما يقول أنصار حزب الله؟ ولكن هل تمتد ثقافة المقاومة من “أنصارية” الى مزارع شبعا ثم القدس والنجف وكربلاء؟ وحين تشمل الثقافة هذا الامتداد، وربما نقاطا أكثر بعدا في الجغرافيا والتاريخ، تظل مجرد ثقافة؟
هل الرسالة الى الاميركيين تستدعي كل هذا الحشد؟ وهل هذا الحشد معني الى هذا الحد بتلك الرسالة؟
الجميع يعلم ان هناك إجابات لا تحصى ولا تعد على هذه الاسئلة، لكن الجميع يعلم ايضا انها إجابات متسرعة ومعلبة، وتضيف الى محاولات الاجابة المزيد من التعقيد. ما أسهل القول ان الامر برمته بتدبير سوري أو إيراني. أو ان لبنان بنظر السيد ما زال مجرد “ساحة” أو “ورقة” أو “صندوق بريد” ولم يرتقِ الى مستوى الوطن.
أليس البحث عن الاجابة يبدأ بتفحص مدى إيغال الشيعة في عين إعصار الشرق الاوسط الكبير، من لاهور الى حارة حريك، مرورا بطهران وبغداد والقدس؟
مهما تكن الاجابة فنحن أمام ظاهرة أغرب ما فيها تعامل اللبنانيين معها بالخفة احيانا وبالتجاهل احيانا اخرى. فما دام الامر في الضاحية الجنوبية أو الجنوب أو بعلبك فالامر لا يعنينا وحصة الطوائف من “الجبنة” اللبنانية محفوظة مهما بلغ هذا الشأو أو ذاك. كذلك حصة الدعم الخارجي لمختلف الزعماء، حتى داخل كل طائفة، محفوظة حتى الاستحقاق الرئاسي المقبل على أقل تقدير وبعدها “بيفرجها الله”.
لا أحد في لبنان يرغب بتقويض التطمينات التي بعث بها السيد الى الاطراف اللبنانية الاخرى. لكن سيرورة التاريخ لا بيد السيد ولا تحت إبط الاطراف الاخرى.
وليضع كل لبناني يده على قلبه: حين وصل الصفويون الى السلطة في ايران لم يكن في ذلك البلد الواسع الارجاء سوى المسلمين السنة والمسيحيين واليهود وقلة قليلة من الشيعة. وكانت عيون الغرب المسيحي آنذاك على ايران باعتبارها المدخل الانسب لإعادة تنصير الشرق الاوسط خصوصا منذ استيلاء جنكيز خان على السلطة وزواجه هو وخلفاؤه من نساء مسيحيات وتدفق الرسائل بينهم وبين الحبر الاعظم وملوك الغرب. كانت نظرات الغرب الى ايران أكثر حدة منها اليوم الى لبنان “ملتقى الثقافات الغربية والشرقية”.
ألم يقل السيد بكل طهر ونقاء ان من يلبسون الاكفان هم آباء وأمهات وأبناء وزوجات واخوة واخوات الشهداء؟ أليس هو واحدا منهم؟ أليس هو أقرب اللبنانيين والعرب والمسلمين الى قلوب مسلمي القدس والنجف والفلوجة؟
ألم يعودنا اقتران القول بالفعل؟ بل في أحيان كثيرة أسبقية الفعل على القول؟ ألم يحظَ السيد باحترام ومحبة وعطف معظم العرب والمسلمين وعدد لا بأس به من الغربيين والمسحيين واليهود؟ ألم يصبح مصطلح الامين العام المختصر يعني في وعي الكثيرين الامين العام لحزب الله؟ ألم يصبح مصطلح الحزب يعني حزب الله وحده؟
ألم تترافق مسيرة عصر الجمعة مع بوادر هدنة ولو هشة في الكوفة والنجف رغم ان السيد لم يذكر في كلمته أمام المتظاهرين اسم “نظيره” أو لنقل “مشروع نظيره” وأحد أبناء عمومته العراقيين السيد مقتدى الصدر؟ بل تحدثت بعض التقارير ان بعض منظمي المسيرة بادروا الى جمع صور الصدر من المتظاهرين اللبنانيين وغير اللبنانيين.
لا شيء من المبالغة في القول ان مسيرة عصر الجمعة هي تأسيس لمرحلة جديدة في تاريخ لبنان والمنطقة، وانه لم يبق في آفاق الكثيرين سوى نعامة وحفنة من الرمال.