فتحت انتخابات الجنوب البلدية الباب على قراءات وتوقعات سياسية تتجاوز حدث الانتخابات بحد ذاته، وتصيب العلاقات الرئاسية والسياسية بين الكبار، وترخي بظل لا يمكن تجاهله على أول استحقاق داهم وهو الانتخابات الرئاسية. وإذا كانت الاطراف المعنية سوف تظل تتنافس في بيانات ومعلومات حول حجم الربح والخسارة، فإن “المقاصة” الفعلية لنتائج الأحد الانتخابي المنصرم موجودة في مكان آخر، وفيها لاعب كبير بات مضطرا لان يأخذ بالاعتبار العناصر الشعبية الجديدة للكبار من اقطاب لبنان، عند البحث بأي خطوة لاحقة، حتى ولو كانت القرارات الكبيرة لا تتوقف تماما ودائما عند هذه النتائج.
ومع انتهاء المرحلة الانتخابية الأولى في جبل لبنان في الثاني من ايار، انطلقت القراءات السياسية للانتخابات، وتقاطعت عند ظاهرة تبعثر المعارضات المسيحية وفي المقابل فوز النائب ميشال المر في المتن ساحلا وجبلا وجردا وهو نصر يجير سياسيا لمصلحة الرئيس اميل لحود كما اعلن المر نفسه. وأفرزت الانتخابات نتائج لافتة للانتباه ايضا في الجبل الدرزي برز معها وليد جنبلاط الرقم الاول درزيا، أما في الضاحية الشيعية، فأعاد “حزب الله” تكرار مشهد العام 1998 بفوارق سياسية طفيفة ابرزها تحالفه مع النائب باسم السبع.
في المرحلة الثانية اكتسح “حزب الله” البقاع، اما الرئيس رفيق الحريري فسجل تراجعا في قدرته التجييرية في العاصمة وجاءت انتخابات صيدا، لتفتح الباب عريضا امام مقاربة جديدة لواقع رئيس الحكومة، في ضوء الخسارة التي مني بها تياره في مسقط رأسه، واذا ما ربطت بما واجهه من تراجع في العاصمة، فإن الحصيلة الاولى تقول بان رئيس الحكومة الذي خرج في العام 2000 الاقوى بين رجالات السنة لم يعد الآن الزعيم المطلق، وان ظل الاول بينهم، وهذا يؤدي عمليا الى اعتبار ما واجهه الحريري نكسة سوف تؤدي الى اضعاف موقعه في توازن العلاقات الرئاسية وادارة الملف الحكومي من جهة، كما ستقلص من حجم تأثيره المحلي في الاستحقاق الرئاسي. وهو امر ينسحب على غيره من اللاعبين المحليين الذين اغوتهم الانتخابات البلدية وحمّلتهم من النتائج بغير ما يرغبون.
وفي الجنوب الشيعي، لم تكن الصورة اكثر اشراقا بالنسبة لشريك الحريري الاساسي هناك، فالرئيس نبيه بري اراد ان تكون انتخابات الجنوب “خاتمة الأحزان”. لكن النتائج لم تأت كما كان يأمل، لناحية أن التوازن الذي ظل قائما لسنوات بين حركة “امل” و”حزب الله” اختل لمصلحة الحزب، فيما كانت نتائج البقاع والضاحية الجنوبية تقضي على “قاعدة الاسناد الخلفية” له هناك، ما جعل المعادلة الخاصة به تأخذ شكلا جديدا، فالرئيس بري الذي كانت له حصة حصرية وغالبة في الجنوب، وكان شريكا له حصته في البقاع وشريكا مضاربا في الضاحية الجنوبية وصاحب حصة ملتبسة في بيروت، تراجع بعد الانتخابات البلدية لكي يصبح صاحب حصة كبيرة ولكن غير مرجحة في الجنوب، اذ تحول الى شريك هناك، فيما خرج من موقع الشراكة الفعلية او الرمزية في بقية المناطق، مقابل تحول “حزب الله” الى قوة رئيسية وذات ارجحية في الوسط الشيعي العام، علما بأن هذا الاستحقاق اعاد الاعتبار ولو جزئيا إلى قوى مستقلة او ذات طبيعة تقليدية بعد غياب طويل.
لكن الرئيس بري ثبت علاقته الوطيدة بالوسط غير الشيعي، وبرز ذلك قويا في صور او في بلدات اخرى ذات تنوع، وفيها حضور سني او مسيحي، علما بأن الكتلة المرجحة في الصوت الشيعي سوف تترك آثارها على أي تركيبة سياسية نيابية قد تبرز من خلال قانون جديد للانتخابات النيابية، لا سيما ان الهمس حول شكل القانون الجديد صار كلاما عن ان الجنوب لن يظل محافظة واحدة بل سوف يكون محافظتين ان لم يكن اكثر في حال تقرر اعتماد الدوائر الوسطى مع نظام اقتراع اكثري. ثم انه فتح الباب امام نمط مختلف من العلاقات مع قوى سياسية لها حضورها في الجنوب مثل الحزب القومي او الحزب الشيوعي الذي يبدو انه امام مشكلة داخلية جديدة ربطا بنوعية التحالفات التي نسجها في معظم مناطق الجنوب.
وإذا كان النائب وليد جنبلاط خرج قويا من انتخابات جبل لبنان، كاسرا الثنائية الدرزية لمصلحة غلبة واضحة، فإن “ارتباكا” واكب عمل الحزب التقدمي في منطقة وادي التيم، ما جعل نتائج حاصبيا تظهر وكأنها “ردة رِجل” على معركة الشويفات، علما بأن له هناك شركاء آخرين غير الارسلانيين وهم الذين تجمعوا تحت خيمة الوزير اسعد حردان.
أما في جانب المعارضة المسيحية، فإن الصورة الجنوبية جاءت قاتمة ايضا، برغم ان الحضور هناك لا يمكن مقارنته بالحضور النافذ لها في مناطق اخرى من لبنان. وجاء فوز النائب سمير عازار وما يمثل في جزين، وسير غالبية الناخبين المسيحيين في المناطق المختلطة الى جانب الرئيس بري، ليعطيا اشارة قوية بان الكتلة المسيحية في الجنوب ليست جاهزة للخيارات السياسية وحتى الاهلية التي تمثلها قوى المعارضة المسيحية، ولا سيما اقطاب “قرنة شهوان”، وتفضل “اعتدال” الرئيس بري على “راديكالية” “حزب الله” علما بأنه لا يمكن مطابقة النتائج البلدية على أي تصويت سياسي يمكن ان يواجه هذا الفريق في أي استحقاق آخر.
على أي حال، فإنه بمعزل عن التقييم الضيق لنتائج الامس، إلا ان ما خسره الرئيسان بري والحريري في بيروت والضاحية والبقاع والجنوب، قابل للاستثمار السريع من جانب الرئيس اميل لحود (وهو اتصل امس بعبد الرحمن البزري مهنئا) وآخرين من الفريق المعترض على الحلف القوي في تركيبة السلطة. وهو امر يجب مراقبته من الآن وحتى موعد الاستحقاق الرئاسي في طريقة ادارة العمل الحكومي، وطريقة مقاربة الملف الرئاسي نفسه، علما بأن كل خسارة لبري والحريري والمعارضة المسيحية ولا سيما “قرنة شهوان” تصب في مصلحة الرئيس اميل لحود وتريح ضمنا أي قرار يتصل بالتعديل الرئاسي.