تنحيف الاحجام يكسر “الوكالات الحصرية”

عماد مرمل
جريدة السفير (لبنان)
الثلاثاء، 25 أيـار «مـايو» 2004
بري والحريري
الرئيسين بري والحريري

     يمكن الافتراض ان رئيس مجلس النواب نبيه بري ابتسم في سره وهو يتابع من “غرفة العمليات” في المصيلح نتائج الانتخابات البلدية في صيدا، وقال في نفسه: من يرَ مصيبة غيره تهُن عليه مصيبته. 

لقد دارت “ الكأس المرة” التي تجرع منها بري في الضاحية الجنوبية والبقاع دورة كاملة واستقرت في صيدا حيث وجد رئيس الحكومة نفسه مضطرا الى ان يتجرع “حصته” منها، متعرفاً على طعم الخسارة الانتخابية الذي لم يعتد عليه منذ ان بدأ مشواره السياسي في لبنان، وهي خسارة تتجاوز في تأثيراتها وتداعياتها حدود نهر الاولي لتطال “الحجم” الإجمالي للحريري الذي لن يتردد خصومه بعد اليوم في الجزم بأنه دخل مرحلة “ريجيم” سياسي قسري سينتهي به الى فقدان الكثير من وزنه. 

ساد الذهول في أوساط فريق الحريري في قريطم ومجدليون مع بدء صدور النتائج الاولية التي اظهرت تفوق لائحة سعد البزري، بينما كانت المفاجأة الصاعقة تطير عبر البحار الى مسامع رئيس الحكومة الموجود في باريس حيث كان يمنّي النفس بتمضية بعض ايام الراحة، ولكن الحريري عض على الجرح وسارع الى إصدار بيان مقتضب من العاصمة الفرنسية اعتبر فيه ان المشاركة غير المسبوقة التي شهدتها الانتخابات البلدية في محافظتي الجنوب والنبطية إنما تعبر عن تمسك المواطنين بممارسة الديموقراطية، وأضاف: هنيئا للديموقراطية وللفائزين وهنيئا لأهلنا في صيدا والجنوب لخياراتهم، اذ ان جوهر الديموقراطية هو احترام قرار الناس كيفما اتى هذا القرار. 

بالطبع، لم يشف هذا البيان غليل مناصري الحريري الذين باشروا فورا، بعد التأكد من الهزيمة واستحالة استدراكها، في مراجعة حساباتهم التي لم تصح هذه المرة علماً بأن رئيس الحكومة كان قد ابلغ بعض الاصدقاء قبيل ايام قليلة من انتخابات صيدا بأنه يتوقع، بناءً على استطلاعات الرأي، ان تنال اللائحة المدعومة منه 65 في المئة من الاصوات وبالتالي ان تخفق اللائحة المنافسة في تحقيق ولو خرق واحد. خذلت الاستطلاعات صاحبها وانقلبت الارقام بشكل دراماتيكي لصالح تحالف النائب أسامة سعد والدكتور عبد الرحمن البزري، فكسب المراهنون على “المعارضة الصيداوية” رهانهم ومغامرتهم، أما الآخرون فقد باشروا في البحث عن جواب للسؤال الصعب: لماذا حصل ما حصل وكيف فشلت اللائحة المدعومة من الحريري في مسقط رأسه؟ 

لا يتردد مؤيدون لرئيس الحكومة في تحميل أعضاء في فريقه مسؤولية الخسارة في صيدا “ بعدما روّج هؤلاء لوجوب رفض العرض الذي تقدم به الدكتور البزري في مستهل التحضير للانتخابات والقاضي بأن يتحالف مع تيار الحريري في المدينة على ان يتولى هو رئاسة اللائحة الائتلافية”. ويعتبر اصحاب هذا الرأي من مؤيدي رئيس الحكومة انه جرى ارتكاب خطأ فادح في التقدير، مشيرين الى “ان انتقال البزري الى ضفة الخصوم في صيدا تسبب بإحداث شرخ كبير في القاعدة الحريرية التي يملك البزري حضورا واسعا فيها كما يتبيّن من وجود عدد من أقربائه البارزين في الدائرة الحميمة المحيطة برئيس الحكومة”. ولكن المتحمسين للحريري يحرصون في الوقت ذاته على التاكيد ان خسارته هي نتيجة خطأ انتخابي موضعي ولا يجوز تحميلها أبعادا سياسية تتعلق بحجمه وموقعه في المعادلة الداخلية. 

أين دمشق مما جرى في صيدا؟ 

كان لافتاً للانتباه انه بعد ساعات من “ مفاجأة” صيدا، ذكرت إذاعة الشرق الموالية لرئيس الحكومة ان الاخير بصدد زيارة العاصمة السورية خلال الايام المقبلة للقاء الرئيس بشار الاسد، بناءً على موعد تم التفاهم عليه في قمة تونس. انتهى الخبر عند هذا الحد إلا ان سطوره القليلة بدت كافية لتنطلق في بيروت جملة من التكهنات حول الاسباب الحقيقية للاجتماع ومدى علاقتها ب”القنبلة” الانتخابية التي انفجرت في عاصمة الجنوب. 

الخبراء في قراءة “الفنجان” السوري يرون انه خلافا لما قد يفترضه البعض بعد انتخابات صيدا فإن الزيارة المرتقبة للحريري الى دمشق، في هذا التوقيت بالذات، يمكن ان يُفهم منها ان لرئيس الحكومة مكانته المحفوظة في سوريا “التي تفصل بين موقفها الاستراتيجي منه وبين حصيلة الانتخابات البلدية”، على ان ذلك لا ينفي ان تلك الانتخابات كانت مناسبة لاعادة إنتاج التوازنات والاحجام الداخلية، برعاية سورية، تلاقت مع المزاج الشعبي الراغب في كسر “الوكالات الحصرية” داخل الطوائف لصالح المزيد من التنوع والتعددية، وفق الاستنتاج الذي تذهب إليه الاوساط المقربة من دمشق. 

وهكذا تدخل السوريون لفرض التوافق في بيروت لأنهم لو لم يفعلوا لكانت العاصمة أمام “صيدا ثانية”، أما في صيدا فقد سعوا الى التوافق وتجنبوا فرضه ما سمح لأسامة سعد وعبد الرحمن البزري بالفوز على رئيس الحكومة. هذا ما تقوله الاوساط نفسها التي تلفت الانتباه الى ان هذه العينة من السلوك السوري تختصر نهج دمشق، فهي لا تريد “إلغاء” احد لأن لكل من اللاعبين وظيفته التي تبقيه ضرورة حتى إشعار آخر، ولكن تحت هذا السقف لا مانع من “تقليم” الاظافر الطويلة و”تنحيف” الأحجام “المتورمة”، بما يعيد الاعتبار الى التوازن الداخلي الذي اختل لفترة طويلة، وبمعنى آخر لقد قررت دمشق حسب المطلعين على استراتيجيتها إغلاق النوادي الحصرية في لبنان وتحطيم الأقفال التي كانت تقيد حيوية الطوائف، متقاطعة بذلك مع اتجاهات الرأي العام اللبناني الذي عبر عن توقه للتنوع خلال الانتخابات البلدية، فمنح الشيعة حزب الله انتصارا في البقاع وأعادوا الاعتبار الى رئيس حركة امل نبيه بري في الجنوب، وكذلك السنّة منحوا الحريري انتصارا في بيروت وأعادوا الاعتبار الى معارضيه في صيدا، وتوزع الدروز بين وليد جنبلاط وطلال ارسلان، وهذا ما يجعل الدور السوري يتركز في المرحلة المقبلة على إدارة التعدد اللبناني الذي من شأنه ان يحرر دمشق من “ابتزاز أو تشويش” بعض اصحاب المصالح والمواقع الذين كانوا يستفيدون من “احتكار” تمثيل طوائفهم. 

مع إرساء هذه المعادلة وتثبيتها ب”مسامير” الانتخابات البلدية، تتجه الانظار الآن الى مراقبة تأثيرها على المحطات المقبلة وأولها المحطة الرئاسية التي يبدو ان “الاسفلت” البلدي سيساهم في تعبيد الطريق الداخلي اليها بعدما جرى تقليص طموحات اللاعبين المحليين وتعطيل قدرتهم على “المشاغبة”، ولا يخفي المقربون من سوريا ان ما جرى سيتيح لها التعامل مع الاستحقاق الرئاسي المقبل ب”راحة اكبر” بعدما اصبح هناك شركاء في الدار لمن كانوا يتطلعون الى ان يكونوا شركاء في القرار.. قرار تحديد هوية من سيقيم في قصر بعبدا للسنوات المقبلة. 

وتعتقد الاوساط المقربة من دمشق ان اللاعبين المحليين سيركزون اهتمامهم بعد اليوم على ما سيحمله عام 2005 حيث ينتظرهم اختبار نيابي يجب الاستعداد له مبكرا إثر ما كشفته الانتخابات البلدية من ثغرات كبيرة في قواعدهم، أما الاستحقاق الرئاسي بعد اشهر فلا أحد يملك الحجم الذي يؤهله لأن يكون صاحب فاعلية فيه. 

وحده رئيس الجمهورية اميل لحود يبدو الرابح او المستفيد الاكيد من عملية إعادة “إنتاج” حجم شريكيه في السلطة، لأن أياً منهما لم يعد قادراً على ان “يعايره” بتواضع شعبيته، بعدما تلقى كل من بري والحريري ضربة قاسية في بيئتهما، أدّت الى إفقادهما ما كانا يعتبران انه عنصر الارجحية على لحود، ويمكن ان تُضم المعارضة المسيحية إليهما لكونها خسرت الشعبية في الوسط الذي ينتمي إليه رئيس الجمهورية طائفيا. هذا هو الانطباع السائد في اوساط المقربين من لحود الذين يلفتون الانتباه الى “ان الحريري الذي كان يدعي تمثيل معظم السّنة خسر جزءا كبيرا من رصيده مقابل مكسب كبير حققه التيار السني المؤيد لرئيس الجمهورية، وكذلك الحال عند الشيعة حيث رجحت كفة حزب الله الحليف المركزي للحود على كفة بري، أما مسيحياً فقد تمكن حليف العهد ميشال المر من تسجيل نصر بارز على المعارضة المسيحية عدا عن الانتصارات المتفرقة التي حققتها شخصيات مستقلة منخرطة في خط الاعتدال الذي يرمز إليه رئيس الجمهورية”.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic