
ملثمان في حي السلم (مصطفى جمال الدين) |
في خضم الحرب الدائرة بين المتظاهرين وعناصر الجيش في حي السلم، انسحب من الدخان الأسود، إلى الصفوف الخلفية شاب يرتدي قبعة وقد تيبس الدم على وجهه وساعديه.
الدم عليه ليس دم القتلى والجرحى. هو دمه نفسه. فبعدما أطلق الجيش اللبناني النار على الناس، هجم الشاب على ضابط والتقطه من كتفيه وهزه بعنف يسأله لماذا أطلقتم النار.. فما كان من عناصر الضابط الا أن أحاطوا به وضربوه وتركوا فتحة في رأسه غسلته بالدم فذهب إلى المستشفى وعالج جرحه ثم عاد إلى ساحة المعركة.
هذا الشاب لم يكن مشاغبا بالطبع.. كان، في تلك اللحظة صاحب قضية واضحة. كان يظن أنه يقوم بما يقوم به الشباب “الواعي الحضاري” خارج الضاحية الجنوبية. الشباب المسيس الذي ينتمي إلى حزب أو حركة أو تيار أو جامعة والذي غالبا ما يشارك في التظاهرات. هذا الشاب، حين ذهب إلى المستشفى وعاد منه ليكمل ما يراه معركة محقة.. كان أعظم من كل شاب شارك حتى اليوم في تظاهرة.. ولا استثناء هنا.
لا استثناء. في اليوم الثاني للمجزرة شيع أهل الشبان الضحايا قتلى حي السلم. أما في بقية لبنان فلم يحدث شيء. لم يجد التيار الوطني الحر الذي لا يرفع إلا العلم اللبناني في كل تحركاته، لم يجد نفسه معنيا ولو بإضاءة شمعة على روح الذين سقطوا. التيار الوطني لا دخل له بخمسة شبان راحوا بعيدا عن “عونك جايي من الله”. فالآتون من عند الله يجب أن يكونوا عونيين.. أما شبان حي السلم فمسلمون. هناك خبر مهم على موقع التيار ينبغي قراءته، فقد تعرض ناشطون ومناصرون للتيار للضرب والتهديد من قبل عناصر مجهولة قرب قرية كرم العصفور في عكار. لهذا ربما لم يجتمع عونيان في حداد على موت. الأمر ببساطة لا يعني التيار الوطني العوني.. المسيحي؟
كدنا نختنق بأنور ياسين وحزبه الشيوعي يحمله من احتفال إلى احتفال. حزبه الذي لم يملك أصلا وسيلة لتحريره من أسره. اصيب الشيوعيون بحالات إغماء عندما رأوا أعدادهم الهائلة في الاستقبال. لم يجتمع شيوعيان على شمعة يوم دفن الضحايا. في سهراتهم يترنحون طربا لأغنيات الفقر والفقراء. لكن موت شبان مثلهم في حي السلم لا يستدعي الانتباه. في ساحة الشهداء سيغنون لفلسطين وفي قصر الأونيسكو سيتمايلون مع خالد الهبر. وسيفكرون. لكنهم لن ينتبهوا أن قضية ما تستحق الوقوف عندها. لا. حي السلم ساقط أيديولوجيا. يديره مجتمع “بطريركي”.. أبوي إضافة إلى الحركة والحزب. النضال وما إلى هنالك له أماكنه الأخرى. لم ينتبه المناضلون الحمر إلى أنهم كانوا يستطيعون أن يسهروا في ساحة الشهداء ويضيئوا شمعة.. ويغنوا كما عادتهم.
الحزب السوري القومي الاجتماعي مشغول في هذه اللحظة.. القضية مهمة بالطبع. اسم الحزب هو السوري القومي الاجتماعي أم القومي السوري الاجتماعي.. أم القومي الاجتماعي السوري. لن ينسى القومي أن يصحح لك خطأك في كل مرة تسمي حزبه وستخطئ في كل مرة تسمي حزبه ..وهذه معضلته التاريخية.. لكنه سينسى حي السلم لأن الحي يقع خارج الهلال الخصيب. لا يستحق شبانه القتلى زوبعة.
في بدء الخلق، حين قسم الله الأيديولوجيات على الناس، أعطى الشبان الدروز نعمة الإشتراكية دون غيرهم من اللبنانيين. لم يجد الاشتراكيون بين القتلى من اشتراكيين. لا اشتراكيين فيك يا حي السلم. منظمة الشباب التقدمي الاشتراكي تعتذر. لن تضيء شمعة من أجلك.
الجماعة الإسلامية والأحباش؟ لا. لن تتلى آيات من الذكر الحكيم على ارواح قتلى في الضاحية. القوات اللبنانية؟ أهلا وسهلا. حزب البعث العربي الاشتراكي؟ بالطبع. كتائب بقرادوني.. وصلتم. البقية الباقية؟
يبقى حزب الله وحركة أمل. حبتا المسك الشيعيتان. الحزب. أمينه العام السيد حسن نصر الله، وبعيدا عن الرسائل، قال ما يجب أن يقال عن مقتل الشبان وعن كرامة ناس حي السلم. لكن، ماذا عن لبسة الأكفان؟ لماذا لم يجدوا وقتا للمشاركة في تشييع الضحايا؟ لأن الذين سقطوا هم من حي السلم وليسوا من حزب الله. ولو أن الخمسة كانوا للحزب لكنا رأينا، بأم العين، غضب الجماهير الزاحفة من كل مكان إلى الضاحية الجنوبية للمشاركة في تظاهرات لا ينزل عديدها عن مئات الآلاف. لا. شبان حي السلم ليسوا ملتحين تماما وليسوا منضبطين تماما. قد يكونون متدينين.. لكن ليس تماما. ليسوا من الدم نفسه ولا الرب نفسه.
أما حركة أمل، وبغض النظر عن اي أمر آخر، حركة امل ما زالت تحسب حتى اللحظة وعلى الورقة والقلم، عدد أعضاء البلدية المحسوبين عليها الذين فازوا في آخر قرية في الجنوب فلا الذهن حاضر للقتلى ولا للحداد ولو المعنوي منه. شبان حركة أمل، في انتخابات الجامعات، كواسر لا ينامون إلى أن تستقر كلية الحقوق لهم، لكنهم لا يعتبرون أن من شأنهم إقامة مجلس عزاء مثلا على من سقطوا.
تخلى الجميع، بقصد أو بغير قصد، عن حي السلم. تخلوا عن واجب أخلاقي بسيط لم يكسره إلا مجموعة من اليساريين الذين نراهم في كل واجب من الإعدام إلى سقوط القتلى. هؤلاء أضاء بعضهم شموعا مساء السبت الفائت في ساحة الشهداء وبعضهم الآخر يلاحق الخبر في حي السلم ليعلم ما الذي حصل هناك خارج ما يعتبره إعلاما غير موضوعي. هؤلاء قاموا بأدنى ما عليهم القيام به..
لم يفترض حي السلم من أحد أن ينزل ليحرق الإطارات مع شبانه ولا أن يصرخ في وجه مطلقي النار. لكن حي السلم، في صباح اليوم الثاني استفاق على من يشتم شبانه لأنهم ماتوا. اليوم الثاني كان اكثر دموية من اليوم الأول. اليوم الثاني كان فضيحة أخلاقية بحق شباب لبنان، المسيس منه على الأقل. فأن يذهب خمسة شبان إلى موتهم من دون تضامن معنوي.. أن يذهب هؤلاء إلى موتهم من دون أن يتحرك أهل التظاهرات اليومية للسؤال عن دمهم والتضامن معه. أن لا يجد القتلى من يبكيهم ولو كذبا.. فهذه فضيحة أخلاقية.
تعرى الجميع في اليوم الثاني للمجزرة. تعروا كما لم يتعروا من قبل. كلهم كاذبون في لحظة حقيقية مضيئة كالشمس.
كل شيء في بيروت يستدعي غضب الجماهير إلا مقتل خمسة مهمشين غير منتمين إلى أحد. كلنا اشتركنا في مذبحة وقعت مرتين.. المرة الأولى حين ماتوا والمرة الثانية حين انقسمنا إلى أكثر من طرف. فطرف متواطئ صامت وآخر يطلق نعوتا اقلها أن الموتى زعران. وثالث لا يعنيه موت من لا يقاسمهم الفكر أو الطائفة. وكل الأطراف كانت كريهة.
كلنا كريهون. وحده الشاب المغطى بالدم في معركة حي السلم بريء.. أما دم القتلى، فقد غطانا جميعا.. دون استثناء. ولا يبدو أن مياه التظاهرات الآتية ستغسله عن متظاهرين لبوا النداء إلى التظاهر بعدما نسوا أن يقوموا صباح يوم ما بأدنى واجب أخلاقي بعد خميس حي السلم.