حارة حريك: “التعايش” بلا احتفالية!

 جهاد بزي
جريدة السفير (لبنان)
الإثنين، 14 حزيران «يونيو» 2004
قداس في كنيسة حارة حريك للموارنة
من قداس حارة حريك 

     في باحة الكنيسة بضعة رجال هربوا من القداس كي يدخنوا ويتحدثوا. وفي باحة الكنيسة أولاد يلهون ويشدون الحبل فيقرع الجرس. وفي داخل الكنيسة سقف اسطواني رسمت عليه سماء زرقاء تتخللها غيوم بيضاء. وعلى صدر الجدار البعيد رسم المسيح محاطا بأطفال أتوا إليه كما طلب. وعلى المقاعد الخشبية جلس المؤمنون والمؤمنات يستمعون إلى المطران بولس مطر يتلو عظته، وإلى المقعد الأمامي جلس نائب “حزب الله” الحاج علي عمار. 

لا شيء غير عادي هنا. الكنيسة، مار يوسف، تقع في حارة حريك، على بعد أمتار من مقر بلدية حارة حريك.. وإذا كان السيد محمد حسين فضل الله قد جلس صباح أمس في شمس حديقته فلا بد أن قرع الجرس قد تناهى إلى مسامعه آتيا من جارته الكنيسة. ولا شيء غير عادي هنا ايضا. 

هي الزيارة الثانية لرئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر إلى بلدة حارة حريك ليحتفل مع ابنائها بالذبيحة الإلهية. “ابناؤها لم يأتوا مشيا بأي حال من الأحوال. بيوتهم ليست قريبة بحكم الحرب الأهلية السابقة. هم أيضا أتوا إلى مسقط رأسهم في الأحد المشمس مؤقتا. أتى معهم وزير المهجرين عبد الله فرحات وكان النائب عمار ممثلا للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. بلدية حارة حريك تبدو سعيدة بالحدث. رفعت لافتات الترحيب بالمطران في جزء من الشارع الذي تنتصب فيه صورة “السيد” كتب تحتها: شارع المقاومة والتحرير.. رفعت الأعلام اللبنانية واعلام الفاتيكان الصفراء والبيضاء ونشط عناصر الشرطة فيها وساعدهم عناصر من الجيش اللبناني وآخرون من قوى الأمن الداخلي. شوارع الضاحية الجنوبية خالية ولا شرفات كثيرة تطل على الكنيسة ولا أحد انتابه فضول الفرجة من الشرفات التي تطل. 

لا شيء غير عادي في هذا الصباح في حارة حريك. لا ضجة ترافق “الحدث” وهذا بحد ذاته حدث. أن يقام قداس في كنيسة تقع على شارع المقاومة والتحرير من دون احتفالية بالتعايش مبالغ فيها شيء جيد.. وتحت السماء المرسومة على السقف لا يمكننا أن نعرف اين تقع الكنيسة إلا من خلال الحاج علي الجالس إلى المقعد الأول ومن خلال عظة المطران البليغة التي تنتبه إلى خصوصية المناسبة: “يسعدنا أن نلتقي في هذه الرعية وأنتم تعيشون في الالفة والمحبة التي تغمر قلوبكم فإن هذا كله يفرح قلب الله ويفرح قلبنا جميعا. واننا نعرب لكم عن محبتنا وعن شكرنا لكل ما يقام في حارة حريك وفي كل الساحل بين جميع العائلات الروحية وكلهم عائلة واحدة”. 

وصلى المطران لرفع الظلم عن فلسطين والعراق وقال “إنكم جميعا في قلوبنا وفي صلواتنا مسلمين ومسيحيين فكما المسيحيون في عيوننا كذلك المسلمون في عيوننا (...) فاثبتوا يا أبناء حارة حريك على محبتكم بعضكم لبعض واثبتوا على إيمانكم بلبنان وبالعيش والواحد، وليكن سلام الله النازل من السماء قويا في نفوسكم فينعم أبناؤنا من الجيل الجديد بالسلام لأنهم جديرون بالحياة وبالسلام”. 

لا بد من هذا الحديث في هذه المناسبة الخاصة. لا بد أن نقول الكلام حول السلام والحب بين المسلمين والمسيحيين. وهو كلام جميل يبعث حنينا. وهو حنين لن يفيض كثيرا عن المناسبة وعن الكنيسة. فبعد قليل من العظة ومن الود المتبادل بين الرسميين، مسيحيين ومسلمين، سينتهي صباح الأحد في حارة حريك. يفرح الأطفال بقرع الجرس وبتناول الحلويات ويفرح الأقارب بلقاء الأقارب. ثم يغادر المطران ويغادر الجمع كل إلى بيته البعيد. لا شيء غير عادي هنا. مسيحيون يزورون كنيسة بلدتهم التي هجرتهم الحرب منها ولم يعودوا إليها بعد رغم 14 سنة من السلم الأهلي، ومع ذلك فما زالت حارة حريك مسقط رأسهم. مسيحيون لبنانيون في كنيسة صار كل محيطها تقريبا شيعيا. مسيحيون مؤقتون في ضاحية جنوبية شيعية. يبدو الحنين إلى المشهد التعايشي جميل.. يبدو الواقع الذي يفصل الناس عن الناس قاسيا. يبدو الكلام عن التعايش بعد 14 سنة من نهاية الحرب اللبنانية غريبا.. لا شك أن قرع الجرس جعل السيد فضل الله يعود إلى ذكريات عتيقة وهو جالس في حديقة منزله الذي يبعد بضعة أمتار فقط عن الكنيسة.
 
مسؤولو حزب الله في كنيسة حارة حريك
مسؤولو “حزب الله” في المقدمة (حسن عبد الله)

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic