لن يُغضب النائب روبير غانم احداً في قراره اعلان ترشيح نفسه لموقع الرئاسة الاولى ولكن ذلك لن يحول دون بعض التساؤلات، غير المؤثرة على الارجح، في اتجاه ربط الترشيح بزيارة غانم للعاصمة السورية بداية الاسبوع الماضي حيث استقبله الرئيس بشار الأسد، وفي اتجاه مدلول الكلام الذي سبق واعلنه الرئيس السوري حول لبنانية الاستحقاق الرئاسي.
ولئن كان من المفيد استبعاد الافتراض بأن دمشق طلبت من النائب غانم إعلان ترشيحه، فإنه من المفيد ايضا عدم استبعاد الاشارة الى اهمية اقدام شخصيات مارونية على إعلان ترشيحها، ما يضفي على هذا الاستحقاق صبغة محلية وان كان القرار النهائي في اختيار “الرئيس” يعود الى العاصمة السورية.
لقد سبق للنائب نائلة معوض ان اعلنت ترشيحها، وسبق للنائب بطرس حرب ان اعلن عزمه على ترشيح نفسه، ويتوقع اضافة اليهما والى النائب غانم ان يقدم آخرون على هذه الخطوة التي قد يرى فيها بعض المراقبين أهمية ملحوظة.
فالكلام الذي صار معروفاً، تركز منذ اكثر من سنة حول اسماء الشخصيات التي يمكن ان يكون أحدها مؤهلاً لمنصب الرئيس.
ولقد تردد كثيراً ان الرئيس اميل لحود كان دائما، الاول بين متساوين، الى ان راحت الكفة تميل في اتجاهه من دون استبعاد الآخرين وكانت حجة القائلين بخيار التمديد تقول: هذا مرشحنا فاعطونا مثله.
لم يكن بالامكان الافتراض ان هذا الامر كان يصب بمجمله في مصلحة الرئيس لحود، وبالتأكيد كان ثمة من كان يتوسل هذا المعطى لانتقاد سوريا عبر القول انها باتت تفتقد في لبنان الى حلفاء يمكن ان تختار من بينهم رئيسا للجمهورية.
وكان من شأن ذلك ان ينال من الطائفة المارونية التي باتت تفتقد قيادات سياسية بخلاف البطريرك نصر الله صفير الذي مني “بهزيمة” في الانتخابات البلدية الاخيرة عبر التفكك الذي أصاب لقاء “قرنة شهوان” وتحول الى معارض صامت، يحوم في عظاته حول الرفض ولا يملك دبابات لمقاومة الواقع.
وفي هذا السياق سيكون على الطوائف اللبنانية وقياداتها ان تقف وقفة تفكير عميق ازاء ما حاول بعضها وما مارسه بعضها الآخر في إلغاء الآخر او محاولة إلغائه وهو أمر كلف المسيحيين ثمنا باهظا إذ مارسوا طويلاً سياسة تدجين للقيادات الاسلامية، وها هو يكلف المسلمين اليوم ثمنا مشابهاً.
أضرار
وبالعودة الى الاضرار التي لحقت بالرئيس لحود يمكن الاشارة الى تكتل معارضيه ضده وهذا بدوره دفع به الى مزيد من تكريس تحالفه مع سوريا لا بل نجح من خلال ذلك في كشف مواقع الآخرين فأضعفهم.
لقد ثبت لحود في مواقعه “القومية” مذ كان قائداً للجيش، ولكنه حين تولى الرئاسة الاولى حاول الغوص في شؤون الحكم المدنية فتعثر في سنتيه الاوليين، لا بل ان فريقه “شطح” في محاولة النيل من الحلفاء الآخرين لسوريا التي اضطرت الى التدخل لاعادة التوازن الى اللعبة السياسية.
ما بين العام 1998 والعام 2000 حكم الرئيس لحود بقوة، وقد اعترف الرئيس الحص في كتابه عن تلك الحقبة بأن لحود كان يتجاوزه اضافة الى الاجهزة الأمنية اللبنانية والسورية.
وحين جاءت انتخابات العام 2000 وجد لحود ان لا مناص من القبول برفيق الحريري على رأس الحكومة.
منذ ذلك الحين وحتى الساعة يمكن كتابة مجلدات ضخمة عما عانته البلاد جراء الاختلاف بين لحود والحريري وتؤكد الوقائع ان الاول لم يرغب يوما في وجود الثاني الى جانبه، كما ان الثاني لم يفتح قلبه للاول على الاطلاق.
كان الرئيس لحود حريصاً على عدم تكرار تجربة الياس الهراوي رفيق الحريري وكان الحريري شديد الحرص على عدم تكرار تجربة لحود سليم الحص.
اشتدت الخلافات، ومقدار الدين العام الذي كان وصل حين انتهاء عهد الهراوي الى 12 مليار دولار، قفز مع نهاية عهد لحود الى حوالي 33 مليار دولار.
طبعا يحق لفريق عمل لحود اتهام الحريري بأنه المسؤول الاول عن سياسة الحكومة، ولكن فريق الحريري لا يجد غضاضة في القول ان لحود لم يعترف يوما بوجود مجلس الوزراء وانه بعدما منع التصويت داخل الجلسات، لم يتغيب يوما عن ترؤسها ما يعني ان جميع القرارات التي اتخذت انما كانت بوجوده وبموافقته.
استنزاف الحريري
كان لأداء لحود القوي ان يستنزف الحريري الذي حاول جهداً ضائعاً وراح يتراجع امام هجومات رئيس الجمهورية ملتزما بالتعهدات التي قدمها للقيادة السورية والقاضية بتجنب الانفجار بينه وبين لحود.
واليوم يمكن استذكار ما كان يقال حول ان الأمن والسياسة الخارجية من مسؤولية لحود، والاقتصاد من مسؤولية الحريري.
وقد تنفع الذكرى اذ تفيد وقائع الاسابيع الاخيرة ان لحود خطط واقدم على محاولة انتزاع الملف الاقتصادي من الحريري.
خلال السنوات الاربع الماضية لم يكن الحريري يمارس اكثر من ربع صلاحياته، ثم راحت هذه الحصة تتراجع.
ولن يكون من الإنصاف إلقاء كامل المسؤولية على “رئيس حكومة” لا يمون على اكثر من خمسة وعشرين وزيرا من ثلاثين، ولا يلبي طلباته معظم المدراء العامين ولا يطيعه اي جهاز أمني أو عسكري.
وسيكون من المنطقي والحالة هذه السؤال عن الاسباب التي جعلت الحريري يبقى في الحكم، والجواب على ذلك لن يكون صعبا على الذين كانوا ولا يزالون يتابعون علاقته بدمشق التي كانت دائما تبدي الحرص على مقدار كبير من التهدئة في لبنان والانصراف كليا الى متابعة الاوضاع الحرجة في المنطقة.
كما سيكون بعيدا عن المنطق عدم الاعتراف بمجموعة من الاخطاء التي اقترفها الحريري خلال الفترة السابقة بدءا بمواقفه القومية الخجولة مرورا بعلاقته مع “حزب الله” وخيار المقاومة وانتهاء بأدائه السياسي وأدواته التي يحلو لخصومه القول انه ابتعد بها مع مؤيديه وأنصاره في معظم المناطق اللبنانية وتحديدا في بيروت، عن الخطاب الوطني لمصلحة الخطاب الانتخابي، من دون إغفال الاشارة عن تردده إزاء مشكلة الخلوي وتبعاتها.
التفكك
أرخى هذا الواقع ستارا من الشكوك حول أداء الحكومة ورئيسها، إذ فيما يتداول المواطنون في الشارع حكايات عن فضائح مؤسسة كهرباء لبنان التي كلفت الخزينة منذ العام 1991 وحتى الآن ما يقارب عشرة مليارات دولار من دون اي فائدة، بدا ان رئيس الحكومة والحكومة عاجزان عن وضع حد لذلك الاهدار الفاضح.
وينطبق هذا الامر على قطاعات أخرى عديدة في الدولة حيث تتفكك المؤسسات ولا يعاد بناؤها، وحيث ينتشر الفساد ولا أحد يراقب وحيث تقول الدوائر القانونية كلمتها فلا يلتزم بها أحد.
فهل كان الحريري مضطرا الى السكوت عن كل ذلك لمجرد ان الرئيس لحود يضاهيه في مواقفه القومية المندفعة، الى اكثر مما يجب احيانا؟ هذا سؤال لم يحن أوان الاجابة عليه بعد.
انما يمكن القول وبسرعة، ان العلاقة بين دمشق وبين الحريري لم تشهد استقرارا طويل الامد.
صحيح ان القيادة السورية ترغب في بقاء الحريري على رأس الحكومة، وصحيح انها ترى فيه طاقة يمكن الاستفادة منها محليا وعربيا ودوليا، ولكن زوار دمشق كانوا ينقلون بين الحين والآخر “هواجس” سورية من حجم الحريري وعلاقاته.
ولقد سعى، من سعى، في بيروت الى إذكاء هذه الهواجس عبر خبريات ووشوشات وتقارير لم يكن آخرها اتهامه بأنه هو الذي حرض الرئيس الفرنسي جاك شيراك على فرض بند مناقشة سيادة لبنان على جدول أعمال القمة بينه وبين الرئيس الاميركي جورج بوش.
ويتذكر الكثيرون كم مرة جرى نقل استنسابي لنقاشات جرت بين الحريري وزوار أجانب أو بينه وبين مسؤولين خارج لبنان.
لكن الحريري الذي كان يستخف بادئ الامر بهذه المناورات، لم يسع جديا الى قطع الطريق أمامها، لا بل هو تصرف في كثير من الاحيان على أساس انه فوق الشبهات، غير متنبه الى ان مصير رجل في هذه الارض قد تحدده النوايا وقد تذهب به وشاية او قد تدمره شبهة.
سواب
لقد استفاد الرئيس لحود تماما من ثغرات الحريري ومن تراجعه أمامه الى حيث قرر ان يوجه له الضربة الكبرى في تلك الجلسة التي طرح فيها فكرة ال”سواب”.
لا يدعي لحود معرفة معمقة في الشأن المالي ولكنه استمع الى حاكم المصرف المركزي رياض سلامة الذي شرح له فكرة ال”سواب” مؤكدا ان السيولة متوافرة في المصارف وذلك يشكل فرصة لان تقدم الدولة على الاستدانة الآن فتتمكن من الايفاء بالتزاماتها المالية المستحقة للعامين 2005 و2006 والبالغة حوالي سبعة مليارات دولار.
يقول المراقبون، ان لحود لم يوافق على الفكرة حبا بسلامة، ولكن كرها بالحريري، ورأى انه من خلالها سيضرب عصفورين بحجر واحد.
فهو من ناحية سيحرج الحريري ويتشاطر عليه وصولا الى انتزاع الملف الاقتصادي منه تمهيدا للاستغناء عنه، ومن ناحية أخرى سيضرب الحريري برياض سلامة “المرشح” لرئاسة الجمهورية وهذا ما حصل بعدما سأل الحريري سلامة عما اذا كان هو صاحب الفكرة فنفى هذا الاخير، فيما الفكرة مكتوبة بخط يده وموجودة في القصر الجمهوري.
من حق البعض القول، ان رياض سلامه يتمتع بكفاءة ودراية في مجاله وهو سبق وأشرف على أكثر من عملية “سواب” وكانت ناجحة.
ولكن السؤال المحيّر هو: بأي ثمن أجرى سلامة عمليات “سواب” سابقة، وكم كلفت المصرف المركزي تلك العمليات؟
بعد مؤتمر “باريس 2” وبرغم الأجواء المتفائلة التي رافقته وأعقبته، أقدم حاكم المصرف المركزي على عمليات “سواب” بفائدة على الليرة اللبنانية وصلت إلى ما بين 18 و20 في المائة. كما وافق سلامه على تسليفات قدمت لمصارف “متعثرة” وصلت إلى مئات الملايين، وهذا كان مثار احتجاج شديد اللهجة من قبل نائب رئيس الحكومة عصام فارس يومها.
كانت حجة سلامه انه يريد تأمين مقتضيات مالية للدولة، ولكن التساؤلات كانت تبتعد عن ذلك في اتجاه شبكة العلاقات المالية والسياسية والاعلامية التي كان حاكم المصرف المركزي يسعى إلى تركيزها.
وأصحاب هذه الشكوك لن يفاجأوا إذا سمعوا ان رياض سلامه سيكون وزيرا للمالية في أي حكومة جديدة فيما قد يتولى حاكمية المصرف المركزي، المدير العام الحالي لوزارة المالية آلان بيفاني!!
في جلسة ال”سواب” تسرع الحريري في رفض الفكرة ما جعله يعلق في الفخ الذي نصبه له رئيس الجمهورية ولاحقا استدرك التسرع فجرى تعميم رأيه الهادئ والقائل بأن الأمر متعلق بمفاوضات مع المصارف حول نسبة الفوائد المطلوبة.
ومن البديهي الافتراض ان لحود كان يعرف ان المصارف لن توافق على فائدة أدنى من 8 أو 9 في الماية وان ذلك لن يكون مقبولا. كما انه من البديهي القول ان الحريري كان يرى في تلك الفكرة محاولة غير بريئة للتملص من الالتزامات التي قطعها لبنان في مؤتمر باريس 2 وأساسها ضرورة إجراء إصلاحات بنيوية تطال الخصخصة والتسنيد وتخفيض حجم القطاع العام وترشيد الانفاق.
وإذ يحلو للبعض الاعتقاد بأن فكرة “سواب” جاءت للتغطية على أحداث حي السلم يوم 27 أيار الماضي، فان البعض الآخر لا يستبعد ان تكون فكرة الحريري حول رغبته في عدم البقاء في الحكم مستقبلا والاتجاه نحو المعارضة، ضربا من الهجوم المضاد.
المشكلة في البيت
على ان المشكلة التي يعاني منها الحريري في السلطة، ويعاني منها سياسيون آخرون منهم نبيه بري ووليد جنبلاط، لن تكون معدومة حتى في حال تحولهم الى المعارضة.
فجنبلاط مشكلته في “بيته” حيث أظهرت الانتخابات الفرعية في بعبدا عاليه بوادر “تمرد” داخل الحزب الاشتراكي سرعان ما تفاقم في الانتخابات البلدية وأدى الى تنافس حزبيين ضد بعضهم في أكثر من قرية ومدينة وصولا الى تصريح جنبلاط الشهير الذي هاجم فيه “الجنبلاطية العفنة” ما يدل على مدى التمرد داخل الصف الجنبلاطي وبينه وبين الصف الاشتراكي.
وهي حال تشبه حال رئيس مجلس النواب، الذي وبغض النظر عن الأسباب التي دفعته الى طرد بعض القياديين من صفوف الحركة، فقد جاءت الانتخابات البلدية لتكشف مواطن ضعفه في الضاحية الجنوبية وفي البقاع، جراء ذلك الطرد او من دونه، ما ترك آثارا وخدوشا في جسده اثر نتائج الجنوب.
على ان بري المحنك سيكون أقدر من الحريري وجنبلاط على التكيف مع الأوضاع المستجدة، وهو بعدما راقب بصمت لقاء الحريري الماضي مع أمين عام “حزب الله” حسن نصر الله، رحب بدعوة رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في القوات العربية السورية في لبنان العميد الركن رستم غزالة وسارع الى تلبيتها ليضع حدا للجفاء بينه وبين نصر الله ملتزما بمضمون الرسالة المقصود ايصالها الى من يتوجب، بأن الطائفة الشيعية لم ولن تكون إلا الحليف الأساسي لدمشق مهما تقلبت الظروف.
ماذا يعني كل ذلك؟ انه يعني ببساطة ان لبنان المقبل على العتمة جراء الفضائح في مؤسسة الكهرباء، والمقبل على أزمة اجتماعية قد تنفجر بين يوم وآخر، والغارق في مديونية لن يستطيع ايفاءها من دون وفاق داخلي، ان هذا اللبنان سيكون غير معني بمن يكون رئيسا لجمهوريته ولا بمن يكون في صفوف المعارضة.
وهذا اللبنان الفاقد لمصداقيته الدولية سيكون عبئا على نفسه وعلى سوريا وعلى أشقائه العرب الذين سئموا مساعدته وتقديم المال له فيما يستمر الهدر والفساد.
ليس المهم من يكون الرئيس المقبل للجمهورية، بل الأهم، من يريد ان يكون رئيسا لهكذا جمهورية.