أخيراً أدرك العرب والمسلمون في الولايات المتحدة الأميركية أنّ تأثيرهم في هذا المجتمع الجديد يعتمد على مدى انسجامهم وتضامنهم وظهورهم كصوت واحد في وجه التحديات التي تهدد هويتهم وحضارتهم وحتى سلامتهم كأفراد. أخيراً قرّر العرب والمسلمون في الولايات المتحدة أنّ التحدي الذي يواجههم هو تحدّي وجود وأنّ الصمت لم يعد خياراً متاحاً وأنّه أصبح من الضرورة بمكان اتخاذ موقف واضح وحازم من القضايا التي تلامس مصيرهم سواء كهوية ثقافية وحضارية ودينية أو كأفراد.
ولذلك فقد كانت التجربة التي خاضتها الجالية العربية والمسلمة هنا بدعم عضو الكونغرس الأميركي جيم موراند الذي عبّر عن تأييده للحق العربي ومورست عليه ضغوط جمّة واعتقد الكثيرون، قياساً على أمثلة مشابهة، أنّ حياته السياسية قد انتهت لأنه تخطّى كل الخطوط الحمر بتجرئه على انتقاد السياسة التي يروّج لها قادة اللوبي الإسرائيلي ولإيضاحه الجريء أنّ هذه السياسة تخدم مصالح إسرائيل وتلحق الضرر بمصالح الولايات المتحدة الأميركية. في مثل هذه الحال درجت منظمة الضغط الاسرائيلية المعروفة باسم "ايباك" على أن تجعل من مثل هذا الشخص عبرة للآخرين بحيث تنهي مستقبله السياسي كي لا يتجرأ غيره من السير على خطاه. وسياسة الترهيب هذه كانت العامل الأساسي في إيهام الكتلة العربية والمسلمة على مدى عقود أنها غير قادرة على فعل شيء لأنّ "ايباك" تضع من تريد من الساسة وتدمّر من تريد ولا حول ولا قوة للآخرين مهما اختلفت نواياهم ومهما شدّوا من أزرهم وعزيمتهم.
ولكن الذي اختلف هذه المرة في حالة عضو الكونغرس الديمقراطي جيم موراند (ولاية فرجينيا) والذي أنزل حزبه منافساً له في ولايته، الأمر الذي لا يحدث عادةً في السياسة الأميركية ، هو أنّ العرب قرروا أنهم سيدعمون موراند تقديراً لموقفه حتى وإن خسر كي يبرهنوا له شخصياُ أنهم يستحقون الدعم وكي يعبّروا له عن امتنانهم لموقفه المبدئي وعن وعيهم لأهمية هذا الموقف وعرفانهم له لتأييده للحق العربي رغم الصعوبات الهائلة التي تقف في طريقه. وانتشر هذا الشعور الجمعي بين العرب والمسلمين انتشار النار في الهشيم فمنهم من تبرّع بماله ومنهم من تبرّع بوقته ومنهم من تبرع بأفكاره ووجدت كل التنظيمات العربية والمسلمة نفسها تتحرك في الاتجاه ذاته وهو دعم موراند ضد منافسه. وللمرة الأولى لا تسير الجهود باتجاهات مختلفة ومتناحرة بل في اتجاه واحد بقلوب مخلصة صافية اتفقت على هدف واحد وسعت إلى تحقيقه وهو دعم موراند رغم كل الصعوبات والتحديات، و كانت المفاجأة السارة للجميع في نتائج الانتخابات الأولية فوز موراند على منافسه الذي رشحته ودعمته "إيباك". ولم تكن المفاجأة السارة لعضو الكونغرس وحده فقط، بل كانت أيضاً للجالية العربية والمسلمة التي أدركت أن أسطورة استحالة خرق قوائم "إيباك" أو العمل ضدها قد انكسرت وأنّ الوهم الذي زرعته الدعاية الإسرائيلية في عقول العرب وقلوبهم بأن العمل السياسي على الساحة الأميركية حكرٌ لهم فقط قد تلاشى وأدرك العرب و المسلمون على الساحة الأميركية أن جزءاً من قوة أعدائهم على الأقل ناجم عن ضعفهم وتشتتهم وأن أعداءهم يخلقون الأوهام في أذهانهم كي يثبطوا عزائمهم ويمنعوهم حتى من محاولة بذل الجهود.
نتيجة هذا النجاح الهائل الذي حققته كل التنظيمات العربية والإسلامية وكلّ العرب والمسلمين في فوز موراند ضدّ مرشح "إيباك" فإنّ الأحاديث الدائرة اليوم في واشنطن في المؤتمر الحادي والعشرين لمنظمة "أي. دي. سي." (لجنة مكافحة التمييز) تتطلع إلى مستقبل العمل العربي والإسلامي على الساحة الأميركية وعن تنسيق الجهود ولو في الحدّ الأدنى للسير في الاتجاه الصحيح وعن كسر الأوهام التي خلقتها الدعاية الإسرائيلية في أذهان الجميع بأنها قوة لا تقهر على الساحة الأميركية وأنه ليس بوسع العرب سوى أن يستسلموا لقدرهم ويصمتوا ويقبلوا كل ما يتم تدبيره لهم وما يحاك ضدهم في المغترب والوطن.
الجاليات العربية و المسلمة تتحدث اليوم عن ضرورة دعم سينثيا ميكني، عضو الكونغرس عن جورجيا، التي خسرت مقعدها أيضاً نتيجة دعمها للحقوق العربية العادلة و نتيجة لامتلاكها الجرأة الأدبية والأخلاقية أن تسمّي الأشياء بمسمياتها بغض النظر عن النتائج. و تتجه الأعين إلى هؤلاء الذين يدعمون حملة ميكني بالمال والوقت و العمل لأن عودتها إلى الكونغرس ستسجل مثالاً آخر ذا أهمية كبرى على أن من يدعم الحق العربي على الساحة الأميركية يلقى الدعم والولاء من قبل جالية عربية ومسلمة بدأت تدرك أهمية وزنها و صوتها وقوتها على هذه الساحة وبدأت تتحرر من أساطير الدعاية الإسرائيلية التي عملت خلال العقود الماضية ليس فقط على الترهيب الفكري والسياسي لأعضاء الكونغرس و إنما على إدخال الشعور بالإحباط واليأس إلى قلوب العرب والمسلمين كي لا يستثمروا ما يمتلكون من طاقات وامكانات وكي ينثنوا عن أي عمل يمكن أن يقوموا به حتى قبل أن يبدأوا نتيجة الخوف من الفشل و تضخيم إمكانات الآخر.
الدرس الذي تعلمه العرب و المسلمون اليوم على الساحة الأميركية هو ضرورة العمل و بذل كلّ ما يمكن من جهد حتى و إن كان الإخفاق احتمالاً وارداً ولكن المهم هو القول اللهم إنيّ حاولت، والمهم أيضاً هو أن يشعر مؤيدو الحق العربي في الكونغرس الأميركي وعلى الساحة الأميركية بأن المنظمات العربية والإسلامية تقدّر مواقفهم خير تقدير و إنها تكرّس كل ما تملك من جهد و مال لكي تردّ لهم الجميل. وما أن يحقق العرب والمسلمون قصة نجاح ثانية و ثالثة إلى أن يزداد الإيمان بهم و تزداد الجرأة على دعم قضاياهم و تبدأ أسطورة القوة الدعائية التي لا تقهر بالانهيار.
لقد عبّرت الأبحاث والمداخلات التي تقدم بها عدد من الباحثين في مؤتمر لجنة مكافحة التمييز عن بداية إنقشاع الوهم عن أعين الكثيرين و إدراك قادة الجاليات والنخب العربية في الولايات المتحدة أن الوهم أكبر من الحقيقة بكثير وأن أعداءنا كبّروا الأوهام لإضعافنا وأن الوقت حان لنؤمن جميعاً بأنه لا يموت حق وراءه مطالب وأن أصحاب الحقّ أقوى من المعتدين مهما بلغت قوة المعتدين و أنّ العمل بروح جماعية والتوجه وجهة واحدة وبقلب ورؤية وهدف واحد سوف يقود إلى العزّة للجميع ولقضاياهم العادلة.
* د. بثينة شعبان - وزيرة المغتربين في الحكومة السورية