علي عاد من كندا

 رامي الأمين
جريدة السفير (لبنان)
الأربعاء، 16 حزيران «يونيو» 2004

     بينما كان علي يقوم بتدوين توقيعه على تأشيرة الدخول إلى كندا في السفارة الكندية في جل الديب، تذكّر فجأة، كما تلمع شعلة نار خاطفة في الظلام، رهانه مع صديقه احمد بأنه لن يغادر لبنان مهما كانت قساوة الظروف حاملاً اغنية السيدة فيروز “بحبك يا لبنان” بيرقاً في مسيرتة الوطنية وحلقة اساسية في علاقته وتشبثه بأرضه ووطنه. 

لكنه بعد مضي وقتٍ قصير على ضياعه في معادلة البقاء في الوطن اختار دفع ألف ليرة لبنانية قيمة رهانه مع صديقه على ان يبقى رهينة رغيف الخبز وصفيحة البنزين. 

بعد عدة ايام، كان علي يحلّق على متن طائرة الشرق الأوسط التي تحمل الأرزة اللبنانية شعاراً والتي لا نراها الا نادراً في وسط العلم اللبناني الضائع بين رايات الاحزاب الوطنية والدينية والسياسية الكثيرة في هذا البلد “القليل”. 

في كندا لم تكن الأمور كما اشتهاها، فالغربة قاسية وجرح الطموح ينزف في البلاد التي طمح اليها. لم تكن كندا بلاد العجائب التي لطالما حلم بها، ولم يلتق “أليس” في شوارع مونريال الفسيحة. 

كان يجب على علي في بادئ الأمر ان يبحث عن عملٍ يليق بشهادته في مجال هندسة الاتصالات. مراعاةً للمظاهر وفي سبيل التظليل، اشترى علي بدلة مرتّبة زينها بربطة عنق انيقة وذهب الى شركات الإتصالات العديدة في تلك البلاد “المتقدمة”. 

وكان يتحمل في كل مرة خطاب المدراء الفظ ولامبالاتهم الأثيمة وكبرياءهم المتعالي في سبيل ايجاد وظيفة تتناسب وشهادته الجامعية. 

ولم تنفع “وسائله الخاصة” في جذب انتباه المدراء الى مواهبه وقدراته الهائلة في مجال الاتصالات. وجد نفسه بعد مدة يهتم بلا وعي بالواجبات اليومية التافهة: الاستيقاظ، غسل الوجه، الذهاب الى العمل، العودة الى البيت. 

وكان كمن يقف امام درج طويل يحتّم عليه ان يرتقيه لكنه يعتبر الدرجة الأولى هي الأكثر ذلاً والأشدّ خطورةً. 

انتهى الأمر به في مطعم لبيع البيتزا، يجلي الصحون ويمسح الغبار واوساخ العالم المتحضر عن الطاولات. كان يموت قليلاً مع كل يوم يضاف الى حياته في ذلك المطعم. كان يحسب ايامه في عد تنازلي علّه يعود قريباً الى الوطن حاملا نعشه الى تلك المساحة الضيقة من الحرية، الى مقبرة قريته الجنوبية. 

بعد انتشال لبنان من ازمته الاقتصادية ومن بحور دينه العام، سيأتي دوركم ايها الشباب المهاجر. ستتكفل الدولة بانتشال جثثكم من تحت انقاض الصحون والمكانس والطاولات. ستلفكم بالعلم اللبناني وتعيدكم الى مقابركم غانمين سالمين. 

كان الفجر يطلع من فوق الأشجار الناعسة ونسيم ناعم يؤرجح اسلاك الكهرباء الممتدة على الأعمدة، عندما سار علي على امتداد الشوارع الحزينة العابقة برائحة الإطارات المحترقة حتى وصل الى المقبرة ورقد هناك جثة هامدة.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic