متى نصنع أدباً يحبه الأطفال؟

 بسمة الخطيب
جريدة السفير (لبنان)
الجمعة، 9 تموز «يوليو» 2004

     إن أي ذكر لواقع الثقافة العربية وأي خوض في معالجة وتحليل أزماتها المتراكمة والمتضخّمة، يعيدنا الى نقطة البداية والمركز الرئيس الذي تتمحور حوله هذه الثقافة، ألا وهو “ثقافة الطفل العربي”. 

في كل مكان حولنا وفي كل ميدان من ميادين الثقافة والفنون نسمع النحيب والعويل وزفرات الاستسلام. (شعب لا يقرأ. لا ينتج. لا يتعلّم من دروس الماضي. لا يهتمّ لاستحقاقات المستقبل...). 

هذا واقع عربي تهيّأت مناخات الاحباطات السياسية والانكسارات الرؤيوية وعوامل إثنية وتيارات العولمة الجارفة لترسيخه. هذا عالم عربي من أقصاه إلى أدناه لا ينتج سنوياً ما تنتجه دولة أوروبية شهرياً من كتب ودوريات. وهذه أرض عربية لا تتفوّق في شيء سوى خصوبة الانجاب. فماذا تقدّم لمن تنجبهم؟ ولأي غد تحضّرهم؟ وأية ثقافة تلقّنهم علماً وسلوكاً وفكراً؟ 

أسئلة تحيلنا إلى مضمار ثقافة الطفل وتحديداً الى أدب الأطفال. ماذا تنتج دور النشر (اللبنانية نموذجاً) وماذا تقدّم للقارئ اللبناني الصغير؟ ما واقع القراءة في صفوف الأجيال الناشئة؟ 

كغيره من ألوان الآداب، تأخّرت ولادة أدب الأطفال العربي عن تاريخ ولادة هذا الأدب عالمياً. فإذا كانت بداية ظهور أدب الأطفال العالمي كفنّ مستقلّ ومكتوب تعود، إلى العام 1697 مع ظهور كتاب “حكايات أمي الأوزة”، للأديب الفرنسي شارل بيرو، فقد لزم العرب قرنان من الزمن، بعد هذا التاريخ ليؤسسوا “أدب الطفل العربي” وذلك عبر الترجمة والاقتباس عن سلفه العالمي والأوروبي تحديداً. أول المترجمين كان رفاعة رافع الطهطاوي أواخر القرن التاسع عشر، وأبرزهم أحمد شوقي في “شوقياته الصغيرة” المتأثّرة ب”خرافات” الشاعر الفرنسي لافونتين. ثم ظهر كامل كيلاني (19591897) الذي يعتبر الرائد الحقيقي، بل الأب الشرعي لأدب الأطفال العربي، والذي نشر منذ عام 1927 وحتى وفاته حوالى 200كتاب، مستمدّاً معظم موضوعاته من التراث العربي والعالمي. 

كذلك تأخر أدب الأطفال العربي في مواكبة تطوّر الأدب العالمي، وبقي يعاني من مشاكل حالت دون وصوله إلى الأطفال وترحيبهم به، ودون قيامه بمهامه. 

تميّز هذا الأدب خلال النصف الثاني من القرن العشرين برداءة الإخراج الفني من حيث قلّة جودة الطباعة وعدم توفّر الرسومات الملوّنة الجميلة والأغلفة السميكة، واستخدام الورق الرقيق غير المقوّى. كما بقي أسير أسلوب الوعظ والتعليم، واللغة العربية الجامدة والصعبة، وكثرة الوصف والعبارات الإنشائية المطوّلة، وعدم مراعاة الفروقات الفردية بين الأطفال من فئات عمرية متباينة... 

جميع هذه المشاكل وغيرها دفعت الأطفال إلى النفور من القراءة وصرفت أهلهم عن شراء الكتب، مما سبّب انتكاسة لدور النشر، ودفعها لدراسة هذه الظاهرة ومعالجة ما يمكن معالجته. 

بعد محاولات فردية ومساعدات محدودة من بعض الوزارات الثقافية العربية (الخليجية تحديداً) بدأ المشهد بالتغيّر. اليوم يمكننا تحديد بعض دور النشر العربية التي تعمل بجدّية بالتعاون مع فريق من الخبراء والاختصاصيين للنهوض بهذا القطاع الثقافي الأدبي المهمّ. صحيح أنها لا تكاد تحصى على أصابع اليدين لكن هذا أفضل من غيابها التام. 

المشروع في أكمله ما زال في طور التبلور، لكن نموّه البطيء يثير القلق، ويدعو الى تسليط الضوء على المشاكل التي تعترضه، وحثّ المجتمع المدني والرسمي لمؤازرته. 
 

مشروع خيري

   عمدت بعض دور النشر العريقة والكبيرة إلى استحداث فروع خاصة بالنشر للصغار فكانت “دار أصالة” المتفرّعة من “دار النهضة” عام 1999، و”دار الآداب للصغار” 2003 المتفرّعة من “دار الآداب” وغيرها. عن التجربة الأحدث لدار الآداب حدّثتنا مديرة الدار السيدة رنا ادريس: “هناك سببان أو خطّان دفعا “دار الآداب” لإستحداث “دار الآداب للصغار”، أولاً لاحظنا أن نسبة القراءة تتدنّى بشكل كبير، وتحديداً بين من هم بين 17 و23 سنة، أي المرحلة العمرية التي يعوّل عليها لقراءة الروايات التي تصدرها دار الآداب. بحثنا عن الأسباب، فكانت أمامنا معطيات كثيرة منها “قلّة القراءة” كظاهرة عالمية مرتبطة بالتكنولوجيا وعصر المرئي والمسموع... لكن هناك سبباً آخر لمسناه، وهو أن هؤلاء الراشدين أمضوا فترة مهمّة من عمرهم من دون قراءة أعمال عربية. فالانتاج الموجّه للصغار والمراهقين باللغة العربية سيئ بمعظمه، اخراجه رديء قصصه مباشرة وتعليمية جافّة، الورق خفيف لتوفير الكلفة... لذلك انصرف الصغار عن القراءة، وعندما كبروا كانت عادة القراءة عندهم غير متأصّلة. لذلك شعرت “دار الآداب” أن مهمّتها تشجيع القراءة في مرحلة مبكرة، تحديداً عندما صدرت دراسة لليونيسكو تحدّد أن من يقرأ الكتب العربية في العالم العربي هو بين 40 و50 سنة. 

السبب الثاني كان رغبة سماح ادريس الشخصية، كلغوي وأب تمتنع بناته عن قراءة الكتب العربية، بعد عدد من القراءات غير الممتعة التي قمن بها. لذلك كتب سماح لبناته وأصدقائهن، وعرض عليهم القصص مستعيناً بملاحظاتهم، مستبدلاً بعض الكلمات بكلمات من اختيارهم يجدونها أقرب اليهم. وكان هدفه الأساسي تبسيط اللغة العربية وتطويعها، ففي النهاية أن يقرأ الطفل لغة عربية مبسّطة خير من ألا يقرأ أبداً”. 

أما عن تجربة “دار النهضة” فتقول السيدة شيرين كريدية المسؤولة عن “دار أصالة”: “لمست دار النهضة فراغاً في الكتب العربية الموجّهة للأطفال، وبعد انجاز تخصّصي بأدب الأطفال في بريطانيا، وبما أن مهنة النشر متجذّرة في عائلتي، فقد أشرفت على تأسيس دار “أصالة” عام 99. خلال خمس سنوات لمسنا صعوبة تسويق وتصريف كتب الأطفال العربية، الأهل يفضّلون دفع المال لشراء كتب أجنبية، فهم يشعرون أنها أفضل، يساعدهم في هذا عدم وجود أعداد كبيرة ومتنوعة من الكتب العربية، نحن بحاجة الى جهد ووقت كي نغيّر هذه النظرة في التعامل مع الكتاب العربي. الكتب الموجودة في السوق المتوجّهة الى الطفل فوق الخمس سنوات تكون غالباً جافّة، صعبة اللغة، تنفّر الطفل من القراءة، لذلك حاولنا في “أصالة” أن نبدأ مع الصغار جداً، من هم دون 5 سنوات، ونقرّبهم الى الكتب والمطالعة واللغة العربية. 

في معرض بيروت 2003 للكتاب كانت سلسلة “حكايات ولد من بيروت” لدار الآداب للصغار الأكثر مبيعاً من فئة كتب الصغار. مما يعني نجاح التجربة فماذا عن المستقبل؟ تجيب ادريس: “حالياً نحضّر للمعرض القادم روايات صغيرة للمراهقين، بين 9 و13، سنة نحاول من خلالها طرح مواضيع حسّاسة وجريئة، حول مشاكل المراهقين، منها ما يندرج تحت خانة “المسكوت عنه” في المجتمع العربي. كما فتحت الدار باب استقبال المخطوطات في مجال الكتابة للصغار والمراهقين، لكن للأسف ما يصلنا قليل، ودون المستوى المطلوب ابداعياً. الانتاج مكبوت ومقيّد بمعايير بالية. يخاف الكتّاب من التطرق الى مواضيع جريئة. هذه التجربة هي أشبه بمشروع شبه خيري، إذ لن تتبناه مؤسسات تربوية، لذلك فهو خاسر مادياً ولا يشجّع الكتّاب على الخوض فيه. لكن ليس أمام دار الآداب سوى الاستمرار في هذه المغامرة، يساعدنا في ذلك تاريخنا وثقة القارئ فينا. نريد كتابة جديدة، حيّة، طريفة، تفتّح آفاق الخيال، تبتعد عن التدريس والتلقين”. 

كذلك تستمرّ دار أصالة في تجربتها مصمّمة على أهدافها، في طليعتها تقديم القراءة كمتعة، واعتماد لغة وسطى بين العاميّة والفصحى. الحفاظ على شخصيّة الكِتاب الخاصة، أن تكون له روحه وشكله وأوراقه واخراجه المتميز. تشرح كريدية: “نحن ضدّ أن تكون الكتب جميعها بالشكل نفسه والحجم نفسه، النصّ يلعب دوراً كذلك عمر القارئ. الولد يملّ من الخطّ الواحد واللون الواحد”. 

لكن هذه ليست حال “دار الزاوية” للأطفال التي تأسست منذ سنتين، وتحوّلت اليوم عن هدفها الأول لتصير “محترف الزاوية”. مؤسسة الدار الفنانة التشكيلية نجاح طاهر روت لنا سبب هذا التغيير أو التراجع: “بدأت “دار الزاوية” بحلم كبير هو انتاج نوعية جديدة ومميزة من كتب الأطفال. الخطوة الأولى كانت تجميع الموجود في السوق لدراسته. هنا كانت الصدمة وربما الإحباط. وجدنا نقصاً فظيعاً في سوق كتب الأطفال. الكتب الموجودة تعاني من مشاكل كبيرة فهي إما سطحية أو وعظية او تجارية أو تقلّد كتباً أجنبية، أو ثقيلة وغليظة، تتوجّه الى الطفل كونه تلميذاً، وبحاجة الى الشرح والتلقين... بينما الطفل أذكى بكثير ومنفتح العقل وواسع الخيال، يحب اللعب والاكتشاف وتشغيل خياله. وجدنا أن هذه الكتب الرديئة بمعظمها قد أثّرت على الذوق العام، وطبعته بطابعها، ومن الصعب اختراقها وتغييرها. لذلك صرفنا النظر عن المشروع، وتحولت الدار الى محترف فني، هدفه اخراج وتنفيذ كتب فنية للكبار والصغار. لكن يبقى العمل للصغار أصعب وأدقّ لأنهم أذكى. عوضاً عن كلفته العالية”. 
 

الجمال قيمة

   في عصر المرئي والمسموع الذي يجتذب الطفال، لم يعد منطقياً أن يبقى الكتاب في قالبه الجامد والباهت. لذلك تعوّل دور النشر الجادّة على إغراء الطفل القارئ بصرياً وحسيّاً وذلك عبر إيلاء الاخراج الفني والرسوم وحتى اللغة والدراما والموسيقى اللغوية اهتماماً بارزاً. هذا ما نلاحظه في انتاجات “دار الحدائق” التي تعتبر الأنشط بين دور نشر الأطفال في لبنان وأكثرهم انتاجاً. عن آلية العمل والمعايير التي تراعى في انتاج كتب الأطفال تخبرنا السيدة نبيهة محيدلي، مديرة الدار، التالي: “يتمّ اختيار الموضوعات التي تهمّ الأطفال حسب مراحل أعمارهم المختلفة، بشكل يلبّي حاجتهم للمعرفة والتسلية. نعتمد أيضاً على جمال الشخصية والدراما الممتعة التي تقدّم من خلالها، والقدرة على إقناع الطفل وعدم الاستخفاف بعقله والاستعلاء عليه. كما يهمّنا إظهار أن الأبطال يخطئون ويتحدّثون عن أخطائهم ويواجهونها. هذا من حيث المضمون، أما شكلياً فيبقى للاخراج الفني والرسم نصيب كبير من اهتمامنا. الجمال هنا قيمة كبيرة يجب أن يعيها الطفل منذ بداية وعيه. نحاول قدر الامكان مراعاة روح العصر والتقيّد بالمقاييس الفنية العالمية”. 

بعد أن خاضت “مؤسسة تالة للوسائل التربوية” سنوات في إنتاج هذه الوسائل العربية، من دمى وألعاب وموسيقى وأغاني وملصقات وألعاب بازل... منطلقةً من الثقافة العربية للتعريف بالواقع والتراث العربيين، عبر تقنيات متقدّمة تنمّي هوية الطفل ومهاراته، وبعد أن نالت جوائز من اليونيسكو ومعارض الكتب العربية، رأت المؤسسة ضرورة إصدار كتب للأطفال وفق المراحل العمرية المختلفة. فقدّمت ثلاث سلاسل هي “كتابي أنا”، “صديقان”، “حنين”. عن أهدافها تقول مديرة المؤسسة ومؤلفة النصوص د. نجلاء نصير بشور: “اخترنا فيها مواضيع تهمّ الأطفال من بيئتهم، تتحدّى عقولهم وتدفعهم الى الاستنتاج، فأنا ضدّ الكتابة البسيطة واللغة السهلة جداً، هذا استخفاف بالطفل. المدرسة وبعض المدرسّين يقمعون قدرة الأطفال ورغبتهم في التحليل والاستنتاج. الانتاج للأطفال مكلف، من ناحية الاخراج وتغليف الورق بالسوليفان... كذلك تعمّدنا في سلسلة “صديقان” تكليف كبار الرسامين اللبنانيين بالرسم، أمين الباشا وفاطمة الحاج ونجاح طاهر، لنثبت أن هذا العمل ليس دون غيره من الأعمال الابداعية وأن الرسوم لا بدّ أن تكون ذات قيمة فنية عالية”. 
 

تحديات وضغوطات

   في المقابل ثمة مشاكل وضغوطات تتعرّض لها “دار الحدائق” وهي، كما تراها محيدلي، التالية: “تعاني دور النشر عادة من الهمّ الاقتصادي، تشكّل المدارس سوق كتاب الطفل الأساسي. يقع البعض في مطبّ إرضاء المدارس. افتعال الكتابة لأهداف تعليمية فقط يعطي نصوصاً جامدة لا متعة فيها، وهذا نرفضه، محاولين إيجاد القاسم المشترك بيننا وبين المدارس... نحن نؤمن أن الكاتب الموهوب لا ينطلق من حسّ وظيفي بل إبداعي، فنعمل على أن ننتقي النصوص الجميلة، بعيداً عن أي محور مدرسي، على أن نقوم بتصنيفها وفق المراحل العمرية قبل عرضها على المدارس. الافتعال لا يخدم الطفل بل ينفّره من القراءة. لذلك علينا فتح أبواب المطالعة الحرة أمامه، التي يستيطع من خلالها التنفّس والانطلاق. كما نلمس منافسة الاصدارات الرخيصة المستنسخة عن شخصيّات الكرتون التلفزيونية أو التي تعتمد الصخب والضجيج. ان التزامنا بمعايير الجودة يقلّل من فرص الوصول الى عدد أكبر من الناس، وهذا يعود الى كلفة الكتاب الجيّد (لا تصل الى ربع كلفة الكتاب الأجنبي) التي يتعذّر على الطبقات الشعبية دفعها. هنا يبرز دور المؤسسات الرسمية ووزارات الثقافة تحديدا”. 

عن الصعوبات تقول بشّور: “نعاني من مشكلة جوهرية وهي أن الشعب العربي ليس قارئاً. وبالتالي الأطفال العرب ليسوا قراءً. الاهتمام بالكتاب ضئيل. القراءة محصورة في هامش التدريس والواجب المدرسي. حتى فروض العطلة الصيفية تنفّر الطفل لأنها “فروض” أولاً وأخيراً، والتناقض فيها قائم على الجمع بين “العطلة” و”الفرض”. لا يستقبل الطفل القراءة والمطالعة بسعادة. بل يجبر عليهما. كما أنه لا يوجد دراسات تقيّم ما يقدّم للأطفال. تلعب العلاقات الشخصية دوراً في تسويق الكتاب بغضّ النظر عن مستواه ونوعيته. عندما نزور معارض الكتب الغربية وحتى الشرقية (الشرق الأقصى) تصدمنا الوقائع وتكاد تصيبنا بالإحباط. في بلد كالدنمارك مساحته 43 ألف كيلومتر مربع تنفد 125 ألف نسخة من كتاب واحد للأطفال في شهر ونصف! في الخارج هناك منافسة لجذب الطفل وليس لجذب جيوب أهله أو مدرسته. الطفل على مستوى من الوعي يسمح له بفرض الكتاب الذي يريده، وبما أنهم لا يستطيعون خداع الطفل فلا بدّ من نوعية متفوّقة”. 

نبقى مع المعيقات الكثيرة التي تعترض طريق نهضة أدب الطفل العربي، والتي تقول عنها طاهر بعد خبرة سنوات في التعامل مع “دار الفتى العربي”: “لو قارنا بين إصدارات دار الفتى العربي وإصدارات اليوم نجد أننا نسير الى الوراء وليس الى الأمام. منذ عقود كان المستوى أفضل برغم التقنيات المتواضعة. نعاني من ندرة المتخصصين في هذا المجال، علماً أن الرسامين أكثر عدداّ ومنهم الجيّدون والممتازون، لكن المشكلة هي في الكتّاب وما يقدّمونه من مواد. مشكلة الكتّاب تندرج في خانة مشكلتنا كأمة عربية في التفكير والابداع. فنحن نخاف من “المزاح” واللعب، ونفكّر أن فيهما إسفاف وتفاهة، كما نخاف من الجديد ونفضّل التقليد”. 
 

أسبوع المطالعة اللبناني

   تنظّم الهيئة اللبنانية لكتب الأولاد، وهي أحد فروع الهيئة العالمية لكتب الأولاد في بازل سويسرا، ولها فروع في 65 دولة، تنظّم سنوياً أسبوعاً للمطالعة. المسؤولة عن تنظيم الأسبوع الدكتورة يولندا أبو النصر حدّثتنا عن تجربة الهيئة الميدانية: “بدأت الجمعية في الحرب واستمرّت. في الملجأ كنت أقرأ للأطفال فتمتصّ القراءة خوفهم. هذا لفت نظر الهيئة العالمية لكتب الأطفال. توسّع نشاطنا بعد الحرب. أجريتُ بحثاً عن الكتب العربية الموجودة في متناول الطفل اللبناني، وجدت أنها تعاني من نواقص عديدة، وتقع في محظورات، منها الأسلوب المباشر في الوعظ والتدريس وعدم الاهتمام بالجوانب الفنية واللغة الصعبة والمعقدة... من بين 1800 كتاب اصطفينا 75 كتاباً جيداً. صارت النوعية بعد ذلك تتحسّن. اللافت هنا أن ليس كل كاتب، مهما كان ذا شأن، يستطيع الكتابة للطفل. الاختصاص نادر”. 

هدف الجمعية ترسيخ عادة القراءة لدى الأطفال اللبنانيين وتحفيزهم بوسائل مختلفة، عبر المسابقات والنشاطات الترفيهية والفنية من مسرح دمى وأسابيع المطالعة والمكتبة المتنقّلة... أما الهدف الأبعد فهو أن يكون في كل حيّ مكتبة عامة وفي كل شارع... 

تعترض أبو النصر على ما يُتّهم به الأطفال بأنهم لا يقرأون، وترمي اللوم على ما يقدّم لهم من كتب للقراءة. “علينا اعطاءهم الكتاب الجيّد ومنحهم الوقت ليطالعوا. المدرسة تعتمد الحشو والتكثيف والأهل يعتبرون المدرسة هي الأهمّ، وكتب المطالعة من الكماليات. المدرسون يصرفون سنوات في تكبّد عناء تعليم الطفل كيف يقرأ، وفي النهاية، بعد أن يتعلّم، لا يقرأ. فلماذا كل هذا العذاب ما دمنا نهمل الهدف الأسمى لسنوات الدراسة هذه؟”، تتساءل أبو النصر. 
 

المدارس السوق الأولى

   تقرّ دور النشر أن سوق تصريف انتاجها الأكبر هو المدارس. تختلف طريقة التعامل مع هذا الواقع بين دار وأخرى. “دار الكتاب العالمي” تعوّل على هذه السوق، وتهتم بتقديم احتياجات المدارس التربوية والتعليمية. المدير المسؤول الأستاذ رفيق الزين يرى أن النشر في لبنان يعاني من أزمة حقيقية، خصوصاً بعد أن تطوّرت المطابع في الخليج العربي، ولم تعد الأسواق العربية تعتمد على مطابع بيروت التي كانت عاصمة النشر سابقاً. ويضيف الزين: “نحن حالياً في طور تقييم تجربة خضناها خلال السنوات الماضية أثبتت فشل الكتب ذات النوعية العالية فنياً واخراجياً بسبب سعرها المرتفع، وقد ثبت أن الأهل في لبنان يفضّلون شراء الكتب الأجنبية لأولادهم ظنّاً منهم أنها أرقى. ففي حال كان هناك كتابان أولهما عربي والثاني انكليزي، ولهما السعر نفسه والنوعية نفسها يفضّلون الأجنبي. بعد أن اتبعنا استراتيجية خاصة، تقوم على اعتماد مؤلفين ورسامين من العرب وتقديم كتاب مبتكر وجديد، وبرغم ان هذه الكتب نالت جوائز الا أنها لم تجذب المشتري. بعكس الكتب غير الملوّنة، التي بيعت لأن سعرها أقلّ، فالمشتري يبحث عن الأرخص. اضطررنا حينها الى توقيف انتاج الكتب ذات النوعية العالية الجودة، الى حين”. 

ترى أبو النصر أن ثالوثاً يتحكّم في نشر الكتب وتشجيع القراءة وهو (المدرسة البيت المكتبة العامة). وتعجب كيف أن مدينة وعاصمة كبيروت ليس فيها سوى مكتبة عامة واحدة هي مكتبة السبيل، وهي تحقّق نجاحاً، وتستقطب الأطفال، لكن بيروت تستحقّ أكثر، وتستوعب أكثر من مكتبة. “الهيئات الرسمية مقصّرة جداً في هذا المجال وجميع المحاولات فردية لجمعيات خاصة. المشوار طويل حتى نصل الى تأصيل عادة القراءة في نفس الطفل لكن جميعنا معنيون. أفراداً ومؤسسات، رسمية وخاصة. في الهيئة نختار الكتب الجيّدة وننصح بها المدارس، إضافة الى الاحصاءات التي نجريها في المدارس”. 
 

إحباط وليس يأساً

   من خلال تجربتها تؤكّد “دار الحدائق” أن للكتاب الجيّد جمهوره، وهو يطمح منذ زمن إلى الارتفاع والارتقاء الى مستوى الكتاب الأجنبي، وأن هذا الجمهور آخذ بالاتسّاع وإن ببطء. أما دار الكتاب العالمي فمتفائلة بمستقبل كتاب الطفل، المرتبط تحديداً بتطوير نوعيّة الكتّاب المبتكرين. كذلك تقيم دار أصالة ورش عمل لتطوير هذا الأدب ولا تتردّد في المغامرة في حال اقتنعت بها. 

تدرّس بشّور في الجامعة الأميركية كيفية التعامل مع القصّة وتلاوتها للطفل، كذلك لديها دراسات حول أدب الأطفال، وهي تخضع كل ما تكتبه لدراسة ميدانية، وفق ما أكدت، وترى أن نوعاً من الوعي الاجتماعي بدور أدب الأطفال بدأ يتشكّل. 

مؤخّراً قدّم “محترف الزاوية” أول اخراج فني لسلسلة للأطفال هي “حنين”، انتاج دار “تالة”، تقول عنها مديرة المحترف طاهر: “حاولنا خلال هذه السلسلة دمج الرسوم مع الصور الوثائقية الى جانب النصّ الذي يحتوي على الحكاية والمعلومات... هذه الخلطة هي تجربة أولى من نوعها في أدب الأطفال وما زالت في طور التبلور. تضيف طاهر عن رؤيتها للمستقبل: “أنا محبطة نعم لكني لست يائسة. أهجس في امر كتاب الطفل وأدب الطفل ولكني أعود لأمنّي نفسي قائلة اني عملت لمدة 8 سنوات في “دار الفتى العربي” وشاركت في أعمال راقية للطفل، كان من المفروض أن تتطوّر تجربة هذه الدار لكن للأسف ككل عمل جماعي ناجح، يتعرّض للانتكاسة عندما يأتي أفراد لتجييره لحسابهم الفردي. ولا ننسى أن العمل الجماعي العربي لم ينجح يوماً لسبب كامن في النفس العربية وثقافتها وتربيتها وطريقة عملها”.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic