وجوب الاصطدام بالجدار

 جوزف سماحة
جريدة السفير (لبنان)
السبت، 10 تموز «يوليو» 2004
جوزف سماحة

    لو كان العالم عدلاً لحصل العرب والفلسطينيون على الكثير من حقوقهم. لكنه ليس كذلك. 

إن الميزة الأولى لما فعلته محكمة العدل الدولية أمس هي أنه لم يستلزم أي جهد عربي استثنائي. إنه انتصار لم تفرضه موازين قوى، ولا سياسة، ولا ضغوطات استثنائية. إنه رأي يكرّر ما تفعله المحاكم حين تقوم بواجبها: تنصر المعتدى عليه. ولكن عندما يكون المعتدى عليه هو الطرف الضعيف فإن هذه المحكمة قد لا تستطيع فعل شيء لنجدته. هنا المشكلة والخطر. 

المشكلة هي أن القوى المعترضة على محكمة العدل تملك القدرة على النقض. إنها القوى نفسها التي تستخف بالشرعية الدولية، والتي تعتقد أنها تملك الجبروت السياسي والعسكري الذي يحوّل ظلمها وعدوانها إلى أمر واقع. وفي العالم الفعلي الذي نعيش فيه لم تصل قوة القانون الدولي، في قضايا من هذا النوع، إلى مستوى قوة القانون الوطني. 

والخطر أن “قرار” محكمة العدل يملك قوة الإيحاء بأن الكسل العربي يمكن له أن يكافأ بما يعفيه من إعداد العدة اللازمة لفرض التنفيذ. ولقد كان هذا، على الدوام، جانباً من جوانب المأزق. لقد قادنا شعورنا بعدالة قضايانا إلى الرهان الدائم على أن الحق يفيض فيضاً تلقائياً عن هذه العدالة فلم نعمل بالجهد الكافي والعقلاني لفرض موازين قوى وانتدبنا، غير مرة، محامين بائسين للدفاع عنا. الخطر، بهذا المعنى، هو نسيان أننا نعيش في “العالم”، كما هو، لا في قاعة محكمة. 

لا دليل على هذا “الكسل” (كلمة مهذبة تصف أموراً أخرى) أكثر من أن الوضع العربي الرسمي بلغ حداً من الانحطاط جعله يختار، منذ عقود، خصماً مؤكداً ليجعل منه حَكَماً شبه وحيد. إن 

هذا الوضع هو من جعل واشنطن، وهي طرف، القاضي الذي “يملك أوراق اللعبة”. وإلا فما معنى الكلام عن الولايات المتحدة بصفتها “الوسيط العادل والنزيه”؟ نصّبناها فوق النزاع في حين أنها تفاخر بأنها عكس ذلك ولم ننتبه إلى أن “الوسيط” و”العادل” و”النزيه” هي أقل الصفات انطباقاً عليها وعلى سياستها. تعلقنا بحبال الوهم ومارسنا إيحاءً ذاتياً طفولياً حوّل هذه الكذبة الموصوفة إلى أساس لمبادرات اعتبرناها استراتيجية. لقد كان أقل ضرراً علينا بكثير لو قلنا إن أميركا هي العدو الذي لا يمكن تجاوزه! 

حاولت إسرائيل استباق “قرار لاهاي” عبر محكمتها. أصدرت فتوى توازن بين الضرورات الأمنية الإسرائيلية والمصالح الحياتية المباشرة للفلسطينيين. وطالبت بتعديل مسار الجدار حيث وجدت أن الضرر اللاحق بفلسطينيين غير متناسب مع الفائدة المرجوة للإسرائيليين. إنه موقف سياسي يكرّر ما تقوله أحزاب صهيونية لا تساجل ضد مبدئية إنشاء جدار الضم الاستيطاني والفصل العنصري فوق أرض محتلة. ولقد وجدنا، في العالم، مَن حاول الاحتفاء بهذا المفهوم “الحقوقي” الجديد للعدالة والمساواة: تأمين أكبر قدر ممكن من الفائدة للإسرائيلي بأقل إساءة ممكنة للفلسطيني. إنها “عدالة” لا تحتاج إلى محكمة. كان يمكن لهيئة أركان أخرى في الجيش الإسرائيلي أن تقيمها. 

صادفت “العدالة” الإسرائيلية عدالة دولية أكثر عدلاً منها. لكن الأولى، بما هي شبه امتداد للحكومة، تملك التحكّم بالذراع التنفيذية. أما الثانية، بما هي امتداد، للأمم المتحدة، فإنها مشلولة. يمكنها أن تشير، وربما أن تقرّر، لا أن تتابع وتنفذ. فالتنفيذ يعيدنا إلى عالم السياسة الواقعي حيث يمكن للولايات المتحدة أن تقول إن المحكمة ليست مكاناً صالحاً لفض المنازعات، وحيث يمكنها أن تضيف أنها ضد الجدار وضد من هو ضده! 

الانتصار معنوي إذاً (يشبه المشاعر التي نكنّها لفلسطين لا القدرات التي وفّرناها لنجدتها). ولكنه، بسبب “معنويته”، يشكّل قاعدة تحرك. لقد بات الباب مفتوحاً للتوجه إلى الأمم المتحدة واستصدار قرار. وبما أن القرار، هنا، سياسي، ولو غير ملزم، فإن الحصول عليه يشترط ما هو أكثر من امتلاك قضية عادلة ومحامين أكفاء. وإن كان توزع القوى معروفاً في الجمعية العامة فإن الأبصار ستكون شاخصة إلى مواقف الأوروبيين خاصة بعد التردد الذي أبداه بعضهم عند رفع الموضوع إلى لاهاي. 

إن بين المعنيين بما صدر عن لاهاي، وأكثر من غيرهم، مصر ومؤيدي “اتفاق جنيف”. لماذا مصر؟ لأن المحكمة قالت إن الجدار، مثل غضروف الرئيس مبارك، يجب أن يُزال. يعني ذلك أنها أعادت إيقاف النزاع على رجليه فلم يعد المهم مصير خطة الفصل (بل جدار الفصل) الشارونية، ولا مصير محاولة التجسير بينها وبين “خريطة الطريق”. لا مجال، إذاً، للإلهاء، وذر الرماد في العيون، ورمي قنابل دخانية. قالت المحكمة للقاهرة: هنا الجدار فلنرقص هنا. لم يعد كافياً ترداد الكلام عن أن ما يبدأ في غزة أولاً سينتقل إلى الضفة الغربية. هذا وهم. ومن الضروري، بناءً على ذلك، أن تتجه الجهود إلى حيث تشير أصابع الاتهام. 

أما لماذا “مؤيدو اتفاق جنيف”؟ فلأن هذا الحل الافتراضي يستوجب نضالاً سهلاً يدور في الفنادق العالمية وسط تصفيق ذوي النوايا الحسنة. إن كل جهد في هذا المجال هو جهد ضائع إلى حد بعيد، لا بل جهد يأخذ المجتهدين إلى لا مكان أي، بالتحديد، إلى مكان بعيد جداً عن ساحة المواجهة الفعلية. 

لقد أحسن عزمي بشارة فعلاً، وبالضبط، لأن “التحليل العياني للوضع العياني” قاده إلى نصب خيمة الاعتصام حيث نصبت. إلا أن الاعتصام وحده لن يكفي في المرحلة التي افتتحها “قرار لاهاي”. 

ثمة نصيحة لا تصلح إلا في هذه الحالة: وجوب الاصطدام بالجدار. مَن لا يفعل ذلك من العرب مهدد بأن تستدركه عواقب الخطة الشارونية. لن يكون سهلاً عليه إلقاء المواعظ الخاصة باستخدام الوسائل النضالية الوديعة. إن اللجوء إلى المحكمة، في صراع من هذا النوع، هو أكثر هذه الوسائل وداعة على الإطلاق. 

لقد نجحت إسرائيل في تحويل مهمة محمد البرادعي إلى مهزلة (بمساعدته) فهل تنجح في تحويل “قرار لاهاي” إلى مهزلة ثانية (بمساعدتنا)؟
 

* رئيس تحرير جريدة السفير

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic